الأربعاء، 31 أغسطس، 2016

محمد بن نصر : الصراع الاسلامي الليبرالي في ليبيا




تحدث طارق متري (في كتابه سنتان في ليبيا، ص 224) عن لقاء له بسفراء الدول الغربية الكبرى في بيت السفير الفرنسي. كان اللقاء مساءً وتخللت السهرة، حسب افادة السيد متري، "إشارات لهذه الشخصية السياسية أوتلك ففتحتُ الباب أمام مقارنة بين الاسلاميين وخصومهم السياسيين. وأشاد سفيران من الحاضرين بجدية الاولين وحسن التنظيم عندهم وسهولة الاتصال بهم وتحديد المواعيد وضبط محضر الجلسات وإصدار بيانات صحفية أمينة للمداولات وواضحة في اختصارها. وأخذ على الاخرين، الذين يدّعون مشاركة الليبراليين الغربيين في الكثير من القيم، تضعضع صفوفهم وغياب قياداتهم المتواصل عن البلاد، أوعن السمع، وانفعالهم اثناء الاجتماعات. وخلصا إلى تبرير التفاوت بين علاقة منتظمة ومحكومة بالعقلانية والاستعداد للحوار، وأخرى متقطعة ومتوترة أومحيرة. لم اناقش دقة هذه الملاحظات، ولكني وجّهت أنظارهما إلى ميل القوى غير الاسلامية نحوتفسير التفاوت، إذا ما جرى تظهيره، وكأنه يعطي حجة إضافية على انحياز بريطانيا والولايات المتحدة المفترض إلى الإسلاميين".

وفقا لهذه الشهادة يتميز الاسلاميون بالتالي:1) الجدية، 2) حسن التنظيم، 3) سهولة الاتصال بهم وتحديد المواعيد معهم، 4) ضبطهم لمحاضر الجلسات، 5) أمانتهم في اصدار البيانات الصحفية، 6) الوضوح والاختصار. في حين يختص الليبراليون بالتالي: 1) تضعضع الصفوف، 2) غياب القيادات في الخارج، 3) عدم الاستعداد للسمع، 4) انفعالهم اثناء الاجتماعات!

وهذا لا يعني إلا شيء واحد: الاسلاميون رجال دولة، والليبراليون لازالوا في أحسن الفروض مثل رابطة من روابط مشجعي كرة القدم: حد أدنى من التنظيم وقدر أكبر من الهرج والفوضى hooliganism. وفي هذا السياق، من الطبيعي أن تكون علاقة أي كان مع الاسلاميين "منتظمة ومحكومة بالعقلانية والاستعداد للحوار" في حين ان العلاقة مع الليبراليين "متقطعة ومتوترة أومحيرة"!

ارجو أن لا يتهم القاريء الرجل بما اتُهم به من قبل عندما قيل انه من الاخوان المسلمين؛ فالرجل مسيحي. وبالرغم مما سلف يظل مطروحاً للنقاش فرضية انحياز بريطانيا والولايات المتحدة للإسلاميين، وللإخوان المسلمين تحديداً! وأنا لا استطيع نفي أوتأكيد هذه الفرضية، ولكن بإمكاني مناقشتها مناقشة عقلانية، طالما ظلت مجرد فرضية؛ إذ الفرضية هي ما يقبل الاثبات والنفي والمناقشة. فلنتحدث اذن عن انحياز الولايات المتحدة وبريطانيا للإخوان كفرضية قابلة للنقاش. وعلى هذا المستوى أود أن أقول جملة من الاشياء على سبيل فتح باب النقاش العلمي-العقلاني، وفي المستقبل إن لم يكن الآن؛ وجملة ما أود قوله هوالتالي:

أولاً: البوصلة التي تحدد وجهة السياسة الأمريكية-البريطانية، والغربية عموماً، هي "المصلحة"، فإذا كانت مصلحة أمريكا، على سبيل المثال، تتحق بالحوار مع الاسلاميين تحاور الاسلاميين، وإذا كانت مصلحتها تتحقق بالحوار مع الشيطان الرجيم، تحاور الشيطان الرجيم! ويبدوا ان ليبرالي ليبيا قد اخذوا من الحضارة الغربية وقيمها الليبرالية فكرة التحالف مع الشيطان، وأهملوا فكرة الحوار المستمر مع الإسلاميين كشركاء في البلاد ومشاكلها. وهذا ليس افتراءً عليهم فتصريحاتهم بالخصوص مسجلة وتملأ اليوتيوب وشاشات الفضائيات.

ثانياً: الاعتقاد أن أمريكا يمكن أن تنحاز للاسلام أوالإسلاميين ليس غفلة أوغباء، وإنما بلادة، لأن ما فعلته أمريكا بالإسلام والمسلمين من افغانستان إلى العراق إلى السودان إلى الصومال...إلخ، يقنع أكبر مغفل بحقيقة الموقف الأمريكي من الإسلام والمسلمين، ويوقظ أكبر غافل من غفلته، مهما كانت عميقة.
ثالثاً: طالما كان الليبراليون مستعدين للتحالف مع الشيطان فلا أعتقد أن بإمكانهم أن يجدوأفضل من الولايات المتحدة، لكن مشكلة الليبراليين أنهم عديموا النفع لأمريكا وأوربا، للأسباب التي عددها السيد متري في الفقرة السالف بيانها أعلاه. وارجوأن لا يستبدل أخواننا الليبراليون ما ينقصهم من "نظام" و"جدية" و"عقلانية" بعبارة رخيصة رخص التراب وهي: "نحن نقف في وجه الإسلام السياسي"! الغرب لن يشتري عميل من أي نوع، لابد أن يكون العميل فعال، وبحد أدنى من العقلانية، لأن قول "نحن نقف في وجه الإسلام السياسي" لا يمكن أن يصدقه أحد، إلا إذا كان تخريب البلاد وبث الفوضى والوقوف في وجه الإسلام السياسي شيء واحد! أعتقد أن الليبراليين ومنهم أصدقاء أعزاء في حاجة لوقفة يمارسون فيها نقد الذات والنهج السياسي المتبع حتى الآن.

رابعا: إذا اراد الليبراليون أن يمارسوشيء من النقد الذاتي فعليهم أن يبدوبالمعضلة المتمثلة في استعدادهم للتحالف مع الشيطان، وتناقضها مع قول الله تعالى: "إن الشيطان لكم عدوفاتخذوه عدواً إنما يدعوحزبه ليكونوا من أصحاب السعير"! أما إذا ارادوا التحاور مع الإسلاميين فعليهم البدء بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، لأنه لا يمكن أن يتركهم يتحاوروا مع إخوانهم الليبيين، فوظيفته الدائمة هي بذر الشقاق بين الإخوة من المؤمنين، وشق صف البنيان المرصوص لجماعة المسلمين.

خامسا: إذا نظرنا إلى التنافس أوالتباغض، المخفي بإحكام، بين الأمريكيين والفرنسيين، نجد أن فرنسا -في وفاء منقطع النظير لروحها الصليبية- حاولت المراهنة على بعض الجياد الليبرالية-الليبية لتكتشف أن هذه الجياد لا تحقق غير الخسارة، المرة تلوا الأخرى! ولا أعتقد أن فرنسا ستتوقف قبل أن تظم الجنوب إلى مستعمراتها الأفريقية، لكن من المستبعد أن تستعين بالإسلاميين الحقيقيين لأن روحها الصليبية لا تخشى شيء خشيتها الإسلام وأهله.

وعلى كل حال ختاماً، لا تستطيع فرنسا عصيان أمريكا فهي من أدخلها مستنقع برقة، حسب إفادة الرئيس الفرنسي، الذي برر تدخله في ليبيا على أنه تعهد قطعته فرنسا على نفسها تجاه أمريكا. الامريكان والاوربيون متفقون على تقسيم ليبيا لكنهم مختلفون على من يأخذ ماذا، عندما تحين الفرصة، التي جعلها الثوار مستحيلة حتى الآن، وهذا ما يجعل النخبة الليبيية، اسلامية وليبرالية، في حاجة لتجاوز الخلافات الصبيانية، وهوما لايمكن أن يتم قبل أن تمارس النخب الليبية جميعها، والليبراليون على وجه الخصوص، شيء من النقد الذاتي.. اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وللإسلاميين والليبراليين.

محمد بن نصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق