المنارة 19-1-2026
تبدو التقارير المالية السنوية التي يصدرها مصرف ليبيا المركزي للوهلة الأولى وثائق معقدة، مليئة بالجداول والأرقام المخصصة للخبراء الاقتصاديين. ولكن عند تحليل هذه الأرقام، نكتشف أنها تكشف عن حقائق مدهشة ومؤثرة حول الاقتصاد الوطني، وكيفية إدارة الأموال العامة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على حياة كل مواطن. فخلف الإيرادات التي تعتمد بشكل شبه كلي على النفط، تكمن قصة الإنفاق التي تحدد أولويات الدولة.
اضغط على الصورة لتكبيرها
في هذا التقرير ، سنبسط لغة الأرقام ونكشف عن أبرز الحقائق الصادمة والمؤثرة التي وردت في بيان الإيرادات والإنفاق لعام 2025، والتي ترسم صورة واضحة لوضعنا المالي كدولة ومجتمع.
الحقيقة الأولى: أكثر من نصف الميزانية يذهب للرواتب
يكشف التقرير أن بند الرواتب وحده (الباب الأول) استحوذ على أكثر من نصف إجمالي الإنفاق العام، حيث بلغ 73.3 مليار دينار ليبي من أصل ميزانية إجمالية قدرها 136.8 مليار دينار. هذا يعني أن الرواتب تشكل حوالي 53.5% من كامل ميزانية الدولة.
لكن ما يعنيه هذا الرقم حقاً يظهر عند مقارنته ببنود الإنفاق الأخرى. فقد خصص التقرير 20 مليار دينار فقط لمشاريع التنمية (الباب الثالث)، أي البناء والاستثمار في المستقبل. بعبارة أخرى، مقابل كل دينار واحد يتم إنفاقه على بناء البنية التحتية والمشاريع التنموية، تنفق الدولة ما يقارب 3.6 دينار على رواتب القطاع العام. يعكس هذا النمط تحدياً هيكلياً عميقاً في توزيع الموارد، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الاقتصاد على النمو وخلق فرص حقيقية خارج رحم الدولة.
الحقيقة الثانية: فاتورة الدعم الضخمة وأسرارها
بلغ الإنفاق على بند الدعم (الباب الرابع) 34.5 مليار دينار ليبي، أي ما يعادل ربع الميزانية تقريباً. لكن الملاحظة الأكثر أهمية في التقرير تكشف أن هذا الرقم ليس شفافاً كما يبدو. فبحسب ملاحظة المصرف المركزي: "القيمة الواردة في بند الدعم بالباب الرابع تشمل مرتبات لصالح بعض الشركات والجهات العامة، بالإضافة إلى علاوة الزوجة والأبناء، وبند دعم المحروقات".
هذا يعني أن بند الدعم يشمل ما يلي:
• مرتبات لصالح بعض الشركات والجهات العامة.
• علاوة الزوجة والأبناء.
• دعم المحروقات.
إن إدراج مرتبات جهات عامة تحت بند "الدعم" بدلاً من بند "الرواتب" يعقد فهمنا الحقيقي لهيكل الإنفاق العام. هذا التداخل يثير تساؤلات جدية حول الحوكمة المالية، ويجعل من الصعب على المواطنين وصناع السياسات تقييم التكلفة الفعلية لتوظيف القطاع العام مقابل الدعم الحقيقي الموجه للمواطنين. ومما يؤكد حجم الدعم الهائل لقطاع المحروقات هو أن جدول الإيرادات يوضح أن "إيرادات بيع المحروقات بالسوق المحلي" كانت صفرًا، مما يكشف عن التكلفة الباهظة لهذه المنظومة.
لغز الـ 9 مليارات دولار: كيف تنفق الدولة أكثر مما تجني بالعملة الصعبة؟
يطرح التقرير لغزاً مالياً مثيراً للاهتمام. فقد بلغت إيرادات الدولة من النفط والإتاوات بالعملة الصعبة حوالي 22.1 مليار دولار، في حين بلغ إجمالي استخدامات النقد الأجنبي (الإنفاق) مبلغ 31.1 مليار دولار. هذا يخلق عجزًا ظاهريًا يبلغ حوالي 9 مليارات دولار.
فكيف تمكنت الدولة من سد هذه الفجوة؟ الحل يكمن في الدور الذي يلعبه المصرف المركزي. حيث يوضح التقرير أن هذا العجز تمت تغطيته بالكامل من "عوائد استثمارات المصرف المركزي من الودائع والسندات والذهب"، بل وتم تحقيق فائض قدره 1.7 مليار دولار. وبينما يبدو هذا إيجابياً على السطح ويُظهر القوة المالية الحالية للمصرف، إلا أنه يطرح سؤالاً استراتيجياً مقلقاً: هل يُعد استخدام دخل استثمارات الأجيال القادمة – أي مدخرات الأمة – لتغطية الإنفاق السنوي استراتيجية مستدامة على المدى الطويل؟ وماذا سيحدث عندما تتضاءل هذه العوائد أو تنضب؟
قفزة تاريخية: ثورة الدفع الإلكتروني الصامتة
في خضم الأرقام المتعلقة بالإنفاق التقليدي، يبرز جانب مشرق ومدهش يعكس تحولاً اقتصادياً واجتماعياً متسارعاً. فهذه القفزة الرقمية ليست مجرد رفاهية، بل هي حل محتمل لأزمة السيولة المزمنة التي تواجهها البلاد، حيث يكشف التقرير أن المصرف المركزي قام بتوزيع 98 مليار دينار من العملة الورقية عبر المصارف. يؤكد التقرير هذه الحقيقة في نصه:
شهد حجم التداول بواسطة أدوات الدفع الالكتروني تطوراً كبيراً خلال عام 2025 حيث بلغ إجمالي التداول مبلغ 389 مليار دينار مقارنةً بمبلغ 136 مليار دينار خلال عام 2024، بزيادة قدرها 253 مليار دينار، أي بارتفاع نسبته 186% تقريباً.
تدعم هذه القفزة أرقام أخرى لا تقل إبهارًا:
• تضاعف عدد نقاط البيع (POS): ارتفع عددها من 76,356 إلى 150,205 نقطة بيع.
• نمو تطبيقات الهاتف النقال: ارتفعت قيمة التعاملات عبرها من 111 مليار دينار إلى 272 مليار دينار.
• انفجار التحويلات الفورية: قفزت قيمة التحويلات عبر خدمات مثل (LYPAY و ONEPAY) من 1.4 مليار دينار فقط في 2024 إلى 74.7 مليار دينار في 2025.
تشير هذه الأرقام بوضوح إلى تحول مجتمعي واقتصادي عميق وسريع نحو الاقتصاد الرقمي، وهو التطور الأكثر إيجابية في التقرير.
الخاتمة: ما بين اقتصاد الأمس واقتصاد الغد
يلخص تقرير مصرف ليبيا المركزي لعام 2025 صراعاً واضحاً بين اقتصاد الأمس واقتصاد الغد. من جهة، لدينا "الاقتصاد القديم" الذي يثقله الإنفاق الهائل على الرواتب ومنظومة دعم معقدة وغير شفافة. ومن جهة أخرى، ينمو "اقتصاد جديد" بسرعة مذهلة، ممثلاً في الثورة الرقمية التي تفتح آفاقًا جديدة للمعاملات المالية وحل أزمات السيولة.
هذه الأرقام ترسم صورة معقدة لاقتصادنا، فإلى أي مدى يعكس هذا التقرير واقعنا اليومي، وما هي الخطوات الجذرية التي نحتاجها لتحرير مواردنا من قيود الإنفاق التشغيلي والاستثمار بجرأة في مستقبلنا؟
.png)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق