السبت، 30 يوليو، 2016

د.عبدالعزيز التويجري: الدين والدولة: فصل أم وصل؟





من المنطقيّ أن التعدّد في المفاهيم الرائجة والتعصّب لها يضيّقان مساحة الفهم والتفاهم. وإذا كانت المفاهيم تنبع من الثقافة السائدة، وتستند إلى الخصوصيات الروحية والثقافية والقانونية، فإن التعامل مع المفهوم، وليكن «الدين»، أو «السياسة»، ينبغي أن يقوم على أساس من الاستيعاب العميق لتلك المضامين والبناء عليها.
وباستقراء التاريخ، نجد أن الإسلام لم يحدّد نمطاً معيناً للدولة لا يتجدّد ولا يتطوّر، بل وضع المبادئ وأرسى الأسس ورسم المعالم وحدد الإطار وترك للمسلمين انتهاجَ ما يرونه ملائماً لواقعهم، ومناسباً لمستجدات حياتهم، ومستجيباً لقضايا عصرهم، في ظل مقاصد الشريعة التي حدّدها العلماء في حفظ الكليات الخمس، وهي: الدين والنفس والعقل والمال والنسل، والتي تُقسّمُ إلى مصالح ضرورية، ومصالح حاجيّة، ومصالح تحسينية. ولأن الإسلام لم يأت بنموذج واحد للحكم وفي أي شكل محددٍ للسياسة، فإن إضفاء الصفة الإسلامية على أي نوع من الحكم أو على السياسة، هو تجاوز لا أصل له.
يقول ابن قيّم الجوزية: «إن الشريعة، مبناها وأساسُها، على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلُّها، ورحمةٌ كلُّها، ومصالح كلُّها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإنْ أُدخلت فيها بالتأويل». ويقول أيضاً: «فأيُّ طريق استُخرج بها العدلُ والقسطُ، فهي من الدين وليست مخالفة له، فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه».
أما الفقيه الحنبلي أبو الوفاء عليّ بن عقيل، فيقول: «السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقربَ إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي». وهذا يدل على عدم انغلاق مفهوم السياسة والحكم في الإسلام، فهو متسعٌ ومنفتح على كل جديد ومفيد ومحقق لمقاصد الشريعة، وجالب للخير وللصلاح وللفلاح للبلاد والعباد.
فعلى هذا الأساس، يُنظر إلى الجماعات والأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية التي ينسبها أصحابُها إلى الإسلام، والتي لا يجوز أن يُنسب الإسلام إليها، ويحكم عليها بالشروط المعتمدة في المنهج الإسلامي القويم، ولمعرفة ما إذا كانت المقاصد المرعية هي خدمة المجتمع الإسلامي والنهوض به من النواحي كافة، وحفظ المصالح العامة والحقوق الإنسانية، وحماية الهوية الروحية والثقافية والتشريعية والحضارية، وإقامة العدل، بالضوابط المحكمة وبالوسائل الحكيمة، في غير ادعاء وشطط، أو تشدّد وتعسف، أو تطرف وغلوّ.
فمفهوم الحكم كما هو متداول اليوم ومعتمد في العلوم السياسية، ليس هو المقصود ب «الحكم الشرعي»، الذي هو مفرد أحكام، وهي الكليات العامة والقواعد الجامعة في الشرع الإسلامي. وكذلك الشأن مع مفهوم «السياسة»، التي هي فن حكم المجتمعات البشرية، أو كما عرّفها ابن عقيل: «ما يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد».
وهكذا يكون احتكار الدين من لدن السياسة، بالفهم المنغلق، تأويلاً ليس له من موجبات الصحة نصيبٌ، وبالتالي يكون إقصاء الدين عن السياسة تعسفاً لا مبرر له. فالدين يمثل في تعاليمه وأخلاقه، مكوناً أساساً من مكونات الحكم في الإسلام.
وليس ذلك إقحاماً للدين في السياسة، أو احتكاراً لها، بمفهوم الاحتكار المتداول، لأن الدين، ونقصد هنا الإسلام، هو الهداية الربانية للإنسانية، بما تقتضيه الهداية من رحمة وتربية وتوجيه وخُلقٍ ورسم للمسار الذي يسلكه الإنسان في الحياة، ليعيش في عزة وكرامة وحرية وعدالة.
وفي المقابل، نجد أن من يتصدَّى للجماعات والتنظيمات والأحزاب التي تعلن مرجعيتها الإسلامية، بالردّ وبالمعارضة وبالعداوة في أحايين كثيرة، يحيدون عن جادة الحق والعدل، حين يرمون الإسلام بما ليس فيه وهو منه براء، وحين يهاجمون الإسلام ويشهرون الحرب ضد ما يسمونه «الإسلام السياسي»، وهو مصطلح خاطئ، فالإسلام واحد لا يتجزأ ولا يُحمَّل ما لا يحتمل، فيتسببون في إثارة الفتنة وإضرام نار الصراع، فيحمى وطيس الاحتراب السياسي، وتدخل المجتمعات في دوائر التجاذب والتصادم، فتخسر فرص النماء والبناء والاستقرار والأمان، والتقدم إلى الأمام.
فإذا كان احتكار الدين للسياسة بالمعنى السلبي المتداول، لا يجوز وفق المنهج الإسلامي في الحكم، فإن إقصاء السياسة للدين تعصّبٌ مرفوضٌ وضيقُ أفقٍ مذموم. لأن في ذلك عدواناً على الدين بقدر ما فيه من انتهاك صارخ لحقوق الإنسان.
والحق أن ما يجلب المنافع، ويحمي المصالح للمجتمعات الإسلامية، ويحقق أشواق الإنسان إلى الحياة الآمنة المستقرة التي توفر له الكرامة والحرية والعدالة والازدهار والتقدم في المجالات كافة، هو الاعتدال في الأمور كلها، والنظر إلى الدين باعتباره حقاً مُشتركاً لا يحقّ لأي فريق احتكاره، كما لا يحق لأي فريق ازدراؤه وإقصاؤه. وأن يحصل التوافق على المواءمة بين الديني والدنيوي، في معادلة تحفظ حقوق المواطنين، وتقيم العدل في المجتمع، وتصون هوّيته وخصوصياته الحضارية، في غير انغلاق وجمود، ولا انفلات وجحود.

نقلا عن  الخليج الجديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق