الجمعة، 4 يوليو، 2014

أنس الفيتوري : حققوا واتهموا ..

لن أكون متشائما عندما أقول أن حيرة المواطن ستطول في ظل سياسات إعلامية فرضت عليه حالة من التناقض بين الواقع وما يريده ملاك الفضائيات، فهناك أجندات واضحة تعمل على إحداث إنقسام في المجتمع على غرار ما حصل في مصر وبذات الأدوات والوسائل.
(1)

لقد مثل اغتيال الناشطة المدنية سلوى بوقعيقيص فصلا جديدا في حالة الصراع المحتدم بين ملاك الفضائيات والثوار والسياسيين من أبناء التيار الإسلامي والوطني.


فما أن أعلن عن حالة الاغتيال حتى هبت أقلام تتقلد مناصب تحريرية في تلك القنوات أو مواقعها الإلكترونية تكشف عن الجهة التي تقف وراء جريمة الاغتيال، فنسجت رواية للحادثة قصد من ورائها توجيه الرأي العام وتحريضيه على الثوار وبخاصة الإسلاميين منهم.

أداء ملاك الفضائيات يشابه إلى حد كبير إخراج  هواة  لمسرحية هزلية، لم يتمرسوا الصناعة الإعلامية ولم يستوعبوا تحولات المجتمع ، وتغير موازين القوى، ومن باب أولى فهم أبعد عن فهم الفروق بين ما يمكن نقله حرفيا في التجارب السياسية  وما لايمكن تطبيقه في الواقع الليبي.

لقد دأبت تلك الفضائيات على استمرار استضافة من لديه موقف من الثوار أو الإسلاميين العاملين في الجانب العسكري أو السياسي، ثم حين تطال أيدي الغدر الضحية تهرع تلك القنوات إلى تغطيات خاصة ، فتفتح بابا واسعا تستضيف من خلاله شخصيات هي أبعد ما تكون عن الموضوعية ،وأقرب إلى الرأي والتأويل. لتخرج تلك التغطيات بنتيجة واحدة وهي مسؤولية الإسلاميين والسياسيين منهم عن تلك الاغتيالات.

لاغرو أن تغيب الأسئلة الصحفية (من ومتى وكيف وأين ولماذا) وستكون الإجابة في غاية اليسر والسهولة وبعيدا عن تعقيدات وتشابك وتضارب المصالح، لكن ملاك الفضائيات هم الخصم والحكم والاغتيالات ليست إلا أداة لتضييق الخناق على خصومهم السياسيين  تمهيدا لإقصاءهم سياسيا واجتماعيا .

(2)
بالرجوع بالتاريخ إلى الوراء يتضح تكرار ملاك الفضائيات لأغرب التناقضات فهم من جهة يغضون الطرف عن الحكومة المسؤولة قانونيا وعمليا عن الاغتيالات والانفلات الأمني، بالمقابل يوجهون الاتهامات الصريحة إلى الجهة التشريعية،  ثم يدعمون رئيس الحكومة علي زيدان  ومن جاء بعده ولم يكلفوا أنفسهم عناء سؤاله عن الاغتيالات التي وعد ت الحكومة بالكشف عن من يقف وراءها.

لقد احترت في تقدير فهم ملاك الفضائيات لمبدأ (الفصل بين السلطات)، فهم من جهة يحملون المسؤولية كاملة للمؤتمر عن الاغتيالات ، بالرغم أن الكشف عن الاغتيالات لايتطلب قانونا أو تشريعيا من المؤتمر، بل هو اختصاص أصيل للحكومة.

لقد خرجت الحكومة عن صمتها في جلسة المؤتمر بتاريخ 6 أغسطس 2103م ليعلن وزير الداخلية المكلف من زيدان الصديق عبدالكريم عن معرفته بالجهة الضالعة في الاغتيالات، ثم تمضي الأيام من غير أن تقدم أي معلومات أو تقارير للجهة التشريعية، ولم نسمع أن عبدالكريم قدم شئ يذكر لزيدان، واستمر مسلسل الضحك على الذقون برعاية ملاك الفضائيات ورؤساء تحريرهم.

ووزير العدل في حكومة علي زيدان السيد صلاح المرغني وعد هو أيضا بتقديمه للاستقالة إذا ما فشل في تحديد هوية من اغتال الناشط السياسي عبدالسلام المسماري، لكن مر ذلك الوعد مرور الكرام وتجاهل مذيعي برامج القنوات  دور وزارة العدل والداخلية ومسؤوليتهما عن استمرار الاغتيالات في ظل تقعسهما عن أداء أدوارهما.



(3)

لقد كان ملف الاغتيالات ملفا سياسيا بامتياز، ففي الوقت الذي كانت تسقط فيه الضحايا التي طالما حلمت بوطن تحقق فيه العدالة والمساواة كان هناك من ينتظر تلك الحوادث ليحولها إلى فرص لإقصاء خصومهم، مع تجاهل لأبسط بديهيات العمل الصحفي.

إن ارتباك أعضاء المؤتمر في بلورة خطاب سياسي يستوعب مغالطات القنوات الفضائية هو ما سمح باستمرار ذات السيناريو خروج مستمر للضحية على شاشة القناة ثم اغتيال يتبعه تغطية إعلامية تحمل الإسلاميين المسؤلية.

ومن جهة سياسية أخرى لم يتفطن السياسيون لتقارير عدة من مؤسسات إعلامية محلية وأخرى دولية أوضحت أمرين أولهما :
 تغيير كبير في معدل الاغتيالات بعد شهر يوليو أي بعد الإنقلاب العسكري في الجارة مصر ففي مطلع يوليو الماضي شهد ثلاث عمليات اغتيال كان أولها اغتيال الناشـط السياسي  عبدالسـالم المسـماري , واستمرت بعد ذلك بوتيرة متصاعدة, حتى نهاية ديسمبر الذي سجل ذروة عمليات الاغتيال في السنة حيث بلغت 32 عملية.
 وثانيهما :  عدم إجراء أي تحقيق جدي في الاغتيالات المتكررة وهذا ما أكده تقرير هيومن رايتس واتش بتاريخ 7 أغسطس 2013.

(4)
موت الشاهد الوحيد في حادثة اغتيال الأستاذة سلوى بوقعيقيص رحمها الله فتح الباب واسعا على  كل الاحتمالات التي كان يهون من شأنها ملاك الفضائيات على صفحاتهم الشخصية ، بل هذه الاحتمالات التي كان يطرحها البعض ووجهت بالاتهامات والسخرية بحجة أن هذا الطرح هو تبرير للفاعلين المعروفين سلفا!!

ما استنكره ملاك الفضائيات بالأمس، هاهو يكتب اليوم على صفحاتهم، مع كثير من الحذق والدهاء لكي لايستفيد منتقديهم من هذا التراجع، ومثلما كانت أراء ملاك الفضائيات متطرفة واقصائية لأعضاء المؤتمر والثوار هاهم اليوم يتطرفون في دعواهم للتحقيق من قبل الأطراف الدولية بحجة أن الحكومة وأجهزتها الأمنية لاتستطيع البت في مثل القضايا.

ختاما سيستمر مسلسل الكذب والخداع والتزوير من ملاك الفضائيات، الذين ما فتئؤا ينشرون الأكاذيب والافتراءات والتي من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار والعبث بالنسيج الاجتماعي بدوافع عدة منها ما هو أيدلوجي تاريخي وآخر ارتبط بمصالح ملاك الفضائيات وتطلعلهم لميزانيات الدولة ومشروعاتها وضاع المواطن في خضم هذه الفوضى وذهبت أحلامه أدراج الرياح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق