الخميس، 2 فبراير، 2012

محمد الشيباني في الهيرة نعبده هبلْ ونرتلْ سفرَ الصعود إلى الأسفلْ



أو

الدرس الواحد والعشرين من دروس سنة أولى ديمقراطية.



ديدنُ أي حاكم طاغية مستبد نصف إله، هو محاولة محاكاة الله جلَّ وعلا. وتزداد محاولاته هذه قوة وجرأة وجموحا عند امتداد إمهال الله الحليم له.



حاكمنا السابق، القذافي، مدَّ الله له حبل الإمهال، مما حفزه على إدمان المحاكاة الساذجة المستحيلة لخالقه الذي سواه من طين وماء مهين، وها قد أرجعه ترابا تذروه الرياح!



ما من مواطن ليبي عايش بعض أو كل فترة حكم الدكتاتور نصف الإله القذافي، ولو أنه كان من أنصاره ومريديه، إلا ويدرك بينه وبين نفسه أن ما من قرار اتخذ، أو  إجراء أبرم، على مستوى الإدارة العامة للدولة الليبية، بكل وزاراتها وهيئاتها وشركاتها وأجهزتها المختلفة، إلا وتم إبداعه من بنيات أفكار القائد، أو أن أحدا ممن هم حوله أوحى له بفكرته، فاستحسنها القائد وأمضاها، أو غير ذلك من آليات اتخاذ القرارات الدكتاتورية التي لوَّنت كل شبر من رقعة تراب الوطن، ومسخت كل خلية من خلايا نسيج العقل والذهن.




بلغ بالقذافي الهوس، وهو يمارس لعبة نصف الإله الأثيرة لديه، تصوره إمكانية متابعة وتقييد ورصد كل حركة يقوم بها أي ليبي وليبية، وعلى مدى الليل والنهار، سواء كان هذا الليبي في بيته الصغير يمارس دوره الشخصي المعروف، أو في عمله موظفا في أجهزة الدولة وهيئاتها ومؤسساتها المختلفة، أو طالبا في مدرسته وكليته، أو ماشيا بطريق، بل وحتى مريضا يتلقى العلاج بمشفاه!



حال لطف الله بالليبيين دون إنفاذ رغبة القذافي في جعل الليبيين جميعهم، يعيشون في معسكرات وتجمعات سكنية مغلقة، ذات نظام معيشي صارم، تقوم فيه الدولة بإسكان الناس وإطعامهم وفق نظام واحد، مقابل ما يقدمون من عمل، وفق ما كان يجرى في بعض الدول الشيوعية المتطرفة سابقا. وهي فكرة شيطانية تم بالفعل التهامس بها خلال سبعينيات القرن الماضي، وذلك تساوقا مع أطروحات الكتاب الأخضر وتطلعات القائد الدكتاتور التي بلغت آنئذ ذروة ثورتها وشططها وجموحها.



ما لا يدرك كله لا يترك جله أو حتى أقله، وإذا لم يتحقق لنصف الإله، القذافي، الهيمنة الكاملة على الليبيين على مدى الأربع وعشرين ساعة، فلا يمنع ذلك من الاكتفاء بالهيمنة عليهم في معسكرات عملهم وكانتونات سخرتهم، في المعسكرات والمؤسسات والشركات والأجهزة الحكومية المختلفة.



وفي خلوات الفرعون مع نفسه تارة، وتارة أخرى مع هاماناته، وعلى إيقاع مكر الليل والنهار الذي أدمنه عتاة النظام الجماهيري وعرابوه طوال فترة تسلطهم وحكمهم، تفتقت أفكار القائد وأعوانه على ضرورة تغيير وبعثرة خريطة الإسكان الإداري لكل قطاعات الدولة الليبية المعروفة، وهو ما يضمن تفريغ العاصمة، وتطويعها أمنيا، من جهة، ومن جهة أخرى يجعل الليبيين يركضون كالمجانين دونما هدف أو غاية، إلا غاية إشباع نزعة السيطرة المرضية لدى الدكتاتور. وكان للدكتاتور ما أراد!



الوزارات التي يربطها بالعاصمة طرابلس أكثر من رباط تنقل إلى سرت! القوات المسلحة جميعها تجلى إلى الجفرة! شركة القرطاسية تتقرطس في صرمان! شركة الأجهزة المنزلية تتزلزل وتزاح إلى زوارة! الإدارة العامة لمصرف الجمهورية تصرف إلى غريان! شركة الاستثمارات الخارجية تخرج إلى أعالي الجبال! وهلم جرا.



لو أن مجنونا فاقد عقل، تصور بطريقة أو بأخرى هذا العبث الدكتاتوري، لهزه هذا المشهد الغريب المريع،  ولصعقه ما يفعله البهلوان الجماهيري بكيس فئرانه الذين يتلذذ بقتلهم راقصين.



كاتب هذه السطور موظف بسيط بشركة الاستثمارات الخارجية، الشركة المالية الاستثمارية الصرفة، والتي ولدت وترعرعت في قلب المدينة، طرابلس، حيث البيئة الطبيعية لهذه الشركة، وحيث المؤسسات المالية وغير المالية، والتي لا يمكن للشركة أن تزاول عملها دون أن تطرق بابها أكثر من مرة يوميا.



وفجأة وبدون سابق إنذار صحوت ذات صباح لأجدني وزملائي المائتين مجبرين على السفر يوميا ضعف المسافة التي كنت أقطعها من بيتي إلى مقر عملي أكثر من عشر مرات، أي مائة وعشرون كيلومترا بالتمام والكمال فقط لا غير، وبمعدل وجبتين في كل نهار!



لعن الله السفهاء الظلمة وأخزاهم، بما جرّوه من ويلات على الضعفاء. آمين.



وفي الأجواء المحمومة لحملة الإجلاء المرعبة المفاجئة، دار هذا الحوار بيني وبين أحد الزملاء:



ــ لماذا يفعلون هذا، ويقذفون بنا بعيدا؟



ــ توجيهات القائد.



ــ ولماذا هذه السرعة؟



ــ الحويج (المدير المدلل، ولاحقا الوزير المبجل)، اختار أكثر شركات النقل سرعة لتقوم بهذا العمل المجنون، وذلك رغم تكلفتها النسبية الزائدة على منافساتها في عملية الإجلاء المرعبة.



ــ نحن نقتسم، والمصرف الخارجي المُضمَّن بنفس قرار النقل والترحيل عن طرابلس، البرج الإداري رقم اثنين بذات العماد، إلا أن المصرف لم يحرك ساكنا بعد. لماذا؟!



ــ لأن مديرنا خفيف ومتحمس جدا للنقل. (يعني بالفلاقي يحفظه ويزيد فيه)!



ــ لماذا؟



ــ لإثبات الولاء، وكسب الأوراق.



ــ ولكنه هو أيضا سيعاني من هذا المشوار المرهق؟



ــ كلا، فلذة تلبية رغبة القائد المحبوب، تُنسي ما في المشوار من آلام وكروب! ثم إنه، المدير العام، لن يمارس هذا العمل الشاق سوى بضعة أيام في الشهر، وبقية الشهر سوف يقضيها في أجوائه المخملية، إما في مكتبه بطرابلس، أو فنادق الخمس نجوم ضيفا على مدراء شركاته بالخارج، والذين له عليهم جميل سابق سابغ.

...............



كنا ذات يوم شتوي بارد الطقس، وملبد بالغيوم وممطر أيضا، مسافرين راكضين لاهثين من طرابلس إلى غريان، وكنا نصعد، وبالصعوبة المعروفة، جبل (تنية بوغيلان) الشاهقة، ولاحظ أحد الزملاء تذمري وشكواي البالغين من ممارسة طقوس عبادة هُبل اليومية بالسفر العبثي اليومي المضني، ولدرجة تفكيري بالبحث عن مكان عمل آخر، وسألني:



ــ ما أكثر شيء يضايقك في هذه الرحلة العبثية اليومية؟



أجبته:

ــ الصعود إلى الأسفل!



وبرغم أن زميلي السائل هذا تخصصه رياضة وكمبيوتر، وخلايا دماغه مهيأة للتعامل مع المعضلات المنطقية، من مثل الصعود إلى الأسفل، إلا أن فكرة الصعود إلى الأسفل الذي صدمته بها صدمته، وشقَّ عليه فهمها، وحاول تمثل هذه الفزورة بتحريك يديه إلى الأعلى وإلى الأسفل كما لو أنه حوذي أو بهلوان، ثم التفت إلي قائلا:



ــ الصعود الذي أعرفه، ويعرفه كل عاقل، يكون دائما إلى الأعلى، أما الصعود إلى الأسفل، فلا أعرفه، ولم أستطع فهمه!



ــ أنت الآن يا صديقي صاعد إلى قمة الجبل. أليس كذلك؟



ــ بلى، وسأصل إلى قمته، ثم أعود وأنحدر منه عصرا، وهكذا أفعل كل يوم، وكل أسبوع، وكل شهر، وكل سنة، وربما كل العمر!



ــ لماذا؟



ــ لأمارس عملي بالشركة التي أتعيش منها.



ــ ولكنك كنت تمارس عملك هذا بكلفة أقل، ودونما الحاجة إلى قطع قرابة المائتين وأربعين كيلو مترا مع مشرق شمس كل يوم، وكذا حرق ثلاث ساعات نهارية غالية يوميا. أليس كذلك؟



ــ هذا صحيح، ولكنني مع مرور الوقت تعودت على هذا العمل العبثي الشاق، حيث أنني وبمجرد صعودي السيارة، وتكوري في مقعدها، للقيام بالماراثون اليومي، انخرط في حالة شبيهة بالإغماء الإرادي، حيث أكاد أفقد خلالها التحكم بمؤشرات جسمي البيولوجية والنفسية والذهنية.



ــ هل يمكن تشبيه هذه الحالة، حالة الإغماء الإرادي التي تعتريك، بحالة انعدام الوزن المعروفة؟



ــ لم أمر بحالة انعدام الوزن من قبل، ولكنني حقا أحس بانعدام وزني المعنوي والإدراكي على أقل تقدير.



ــ باعترافك بفقدان وزنك المعنوي، تكون قد أثبتت حالة الصعود إلى الأسفل التي أعنيها، وما صعودك كل يوم وأنت مجرد كتلة مادية بيولوجية فاقدة لكل وعي وإدراك، إلا خصم تراكمي لمحصلة الصعود المعنوي إلى الأعلى التي يجب أن تتناسب طرديا مع كل فعالية تملأ بها حيز زمكانك المحسوب المحدود. فزمانك أو عمرك، يا صديقي،  يسرق وبشكل متعمد ممنهج، ومكانك لا تملك السيطرة عليه، كما أن إدراكك يتعطل في كل مشرق شمس ثلاث ساعات. أبعد هذا التصاعد المضني  نحو التساقط المدوي من مثل لحالة الصعود إلى الأسفل؟



تلك مجرد عينة واحدة فقط من عينات وحالات العبث الجماهيري، فعلى مدار الأربعة عقود التي عشناها في ظل الديكتاتورية السفيهة، كنا نمارس مكرهين الصعود إلى الأسفل، لا لشيء إلا لمطاوعة نزعات الدكتاتور الموغلة في الجهالة والحماقة.



إن أي يوم يمر علينا بعد قيامنا بسداد أكبر وأبهظ فاتورة دماء ومقدرات، ونحن لا زلنا نمارس بقايا طقوس السفاهة والطغيان، لهو بحق إجهاض لثورة التغيير، وخيانة لمن ضحوا بأرواحهم من أجل هذا الخلاص المكلف.



إن أي يوم نقوم فيه بهذا المشوار العبثي، يعني أننا نمارس عملا غير مجدي البتة، ولا يتناسب إطلاقا مع مفهوم الجدوى الذي تقوم الشركة كلها على فلسفته، وتسير وفق معادلاته وآلياته.



إن مشوارنا الصباحي والمسائي العبثي هو طقس من طقوس عبادة هبل، وإن ممارسة عبادة هبل ميتا، ولعقنا صباحا ومساء ما تقيأه هو وعصابته السفيهة، لهو أشنع وأنكى وأخزى من ممارسة عبادته وهو حي!



رجاء أيها المسئولون، لا تسخروا من عقولنا، وتقولوا لنا إن هبل مات ودفن، ثم تجبرونا على إحياء ذكراه، ومواصلة السير وفق هواه.





لا نطلب منكم التسرع المخسر وغير المدروس، ولكن يجب أن نلمس منكم السرعة في طمس ودفن كل معالم وروائح الحقبة الدكتاتورية البائدة.



نطلب منكم حساب جدوى بقاء مقر شركتنا في بيداء الهيرة، حيث لا مصرف ولا مؤسسة خاصة أو عامة، وحيث يتوجب على الغالبية العظمى من الموظفين قضاء أكثر من ساعتين يوميا ليصل كل واحد منهم إلى مكتبه، وحيث يتحتم أيضا قضاء نفس المدة يوميا مع كل إجراء إداري أو مالي له علاقة بمصرف أو وزارة أو سفارة أو أية جهة أخرى، والتي جميعها تبعد على مقر الشركة ما لا يقل عن ثمانين كيلو مترا.



مقالات ذات صلة:









محمد الشيباني


Libyanspring.blogspot.com



          

هناك تعليق واحد: