السبت، 8 أكتوبر، 2011

المرجعية الإسلامية .... لماذا ؟


المرجعية الإسلامية .... لماذا ؟
 

م/ محمد شكرى علوان


لقد سجلت أمتنا في العقود الأخيرة – وفي القلب منها مصر - أكبر غياب لها عن عصرها، وجعلت بينها وبينه أمدا بعيدا وسدا متينا، وفجوة شاسعة من الضعف والعجز والتخلف الحضاري والثقافي في جميع مجالات الحياة، حقوقا وواجبات وعدالة وحريات، ومنعة وندية لغيرها من الأمم والشعوب ، ولعل من أكبر الأسباب التي أوقعتنا في هذه الهوة السحيقة :-
 
** تسلط أنظمة الحكم المستبدة:- التي صادرت أمر الأمة الجامع وعجزت عن توفير العيش الكريم لها داخليا، وحمايتها من الغزو الأجنبي خارجيا.

** وكذلك الآفة الفكرية:- التي يتحملها بعض العلماء في كل فن من خلال تبريرهم لأعمال الظلمة والمستبدين وسير كثير منهم في ركاب الطغاة من الحكام ، بل ودعوتهم الشعوب إلي الاستكانة والرضوخ إلي الأمر الواقع .

وبعد هذه المنة العظيمة من الله علي مصر وغيرها من بعض الدول العربية ، وبما سماه البعض ربيع الثورات العربية ، فإننا نكرر ما قاله الأخيار من أبناء هذه الأمة بأن : -
نقطة البدء ينبغي أن تكون معالجة الشأن السياسي الذي اختل فكرا وتنظيرا وتطبيقا لدي أبناء امتنا بفعل فاعل طوال عقود من الزمن كبيرة ، دون اللجوء إلى تبريرات ودعوات لاستبداد سلطاني جديد ، أو الانخلاع من هويتنا وتراثنا وحضارتنا ، أو الانخداع بأفكار ودعوات تنتج حلولا هجينة عاجزة - على مقاس - أصحاب الأهواء ووفق مصالحهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ونظرتهم الفكرية والثقافية والعقدية، تحت غطاءات متعددة بلغت اتهام الشعب بالتخلف وعدم الفهم والإدراك ، بسياسة أقرب إلي سياسة الذئاب مع الخرفان.

ونعتقد أن البيوت تؤتى من أبوابها، والترميم يكون لما انهدم من البناء، وقد كان تدمير العقول وإفساد الأخلاق وتقييد الحريات أول ما انفرط من العقد وانهدم من الصرح، فليكن ذلك مقدمة ما يصحح وأول ما يصلح، وفاتحة ما يعاد تشييده.

ونحن نقول إن منظومة القيم الإسلامية في الشأن السياسي إن قامت في الأمة، انحلت عقد شعوبها، وتحررت طاقات علمائها وفقهائها، وانطلقت من عقالها عبقرية مبدعيها ومنتجيها، واستحثت الخطو نحو الإصلاحات الكبرى المنشودة، واختزلت مراحل الطريق نحو العزة والمنعة وحماية الذات وتطوير الحياة.

إن مصرنا وبعد ثورتها المجيدة تواقة إلى:

- منظومة سياسية تجعل قرارها بيدها تأسيسا وتنفيذا ومراقبة ومحاسبة وتطويرا، منظومة تبني بها حياة كريمة تضمن الحريات العامة رأيا وتعبيرا واجتماعا وتنقلا وتعليما وتكافلا، على قواعد تسود فيها إرادة الجماعة على إرادة أجهزة التسيير والتنفيذ والترويض .

- منظومة أخلاقية في مجال السياسة تستوعب النظم الحديثة والمتطورة، غايتها بناء الدولة الخادمة للأمة ، بمؤسساتها العامة وزارات وهيئات، وقواعدها المعقدة للتوظيف والترقية والمحاسبة، وإداراتها المركزية والمحلية منشآت ومرافق ومراكز تجارية واقتصادية وصناعية وعلمية، وتشريعاتها المتطورة ميزانية وضرائب ومستحقات وديونا وقروضا وطنية وأجنبية، ومراكزها المتخصصة في تطوير العلوم والصناعة والاقتصاد والبيئة بما يوفر للدولة احترامها وسيادتها ومكانتها اللائقة بها بين الدول .
- منظومة متطورة تستوعب مناشط الحياة وخاصة في مجال العدل ، بنظامه القضائي التي اتسعت شعبه ومراتبه، فعرف القضاء الجالس والواقف، والتقاضي الابتدائي ولاستئنافي ومراجعات النقض والإبرام ، واتخذت له القواعد المكتوبة المنشئة للأحكام والمنظمة لمساطر الإجراءات، واستحدث فيه نظام الاختصاص في المنازعات الجنائية والمالية والتجارية والأسرية… ضمانا للعدل والمساواة والحرية والأمن والحقوق.

وإذا كان الإسلام قد نظم دقيق شؤون الفرد والجماعة وجليلها، في جميع مجالات العبادة والمال والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، نصوصا واستنباطا من النصوص وقواعد وتنزيلا للقواعد، فمن غير المنطقي أن يكون قد أهمل أخطر آلية لبناء الأمة الشاهدة، والعبادة الكونية الشاملة، وتركها للعفوية والارتجال أو للاقتباس من أمم لا تدين بدينه ولا تتجه صوب قبلته، ألا وهو الشأن السياسي للأمة .

إن النظام الإسلامي بصفة عامة وفي الشأن السياسي خاصة - وعلى عكس النظم الأخرى – تماثل نشأته نشأة النبات، تدفن بذرته في التراب أولا، لأن مبدأ الحياة دائما أن تنغرس بذرته في عمق الأرض والأرحام، وما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ولا تنبعث فيه حياة، ثم يرمي جذوره ويخرج شطأه، ويمد فروعه في الفضاء الرحب، ينشر الفيء والظلال، ويغدق على الكائنات الحية الخير والثمار والغلال، فهو بذلك مائدة الله للكون، مهداة بخير عميم، وتعايش حر كريم، لا خوف ولا غبن ولا ظلم ولا غصب، للمؤمن وغير المؤمن، للأسود والأبيض والأحمر على السواء. ودون احتكار للخيرات، أو مصادرة للرأي والحريات، أو سقوط في شراك الفتن الطائفية أو المذهبية أو العرقية أو الطبقية أو الحزبية، لأن كافة المواطنين في دولة الشرعية سواسية أمام عقيدة سمحة وشريعة عادلة ونظام هو ملك لهم جميعا. ( لهذا كان أساس النهضة في فكر حزبنا بناء الإنسان الصالح بناءا متكاملا ثقافيا وفكري وجسديا ...............)

هذا النظام مبني على الشورى الجماعية التي تعيد الاعتبار للإرادة الشعبية التي لا تخرج عن الكتاب والسنة ، إننا نؤمن بأن شرعية أي نظام لا تتأتى من عبارات تدبج في الدساتير، أو يرطن بها في الخطب والتصريحات، أو تعرض جيدة التنسيق في المجلات والصحف، ولكنها تتحقق من طبيعة نشأته وبداية أمره ومراحل نموه وتفاعله مع مجتمعه، وتعامله مع منهج ربه.

ذلك ما نصت عليه وعملت به أول وثيقة إنسانية نظمت حياة الناس في الأرض، وثيقة المدينة التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول هجرته إلى يثرب، تنظيما لساكنتها من المسلمين وغير المسلمين، لجما لطغيان الطوائف والعصبيات على بعضها، وإقرارا لمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، في سماحة وعدالة لم تعرفهما أحدث القوانين الوضعية المعاصرة ولم تقترب من سموها ، لقد كانت هذه الوثيقة المدونة أول تعاقد سياسي رسمي أسس للدولة في الإسلام أركانها وقواعدها ومنهج سيرها.والتي تمثلت في :-

1 – مبدأ المواطنة المشتركة في الدولة الإسلامية

2 – مبدأ التكافل الاجتماعي

3 – مبدأ المحافظة على أمن الدولة والمجتمع

4 – مبدأ المساواة والتسيير الذاتي للمجتمع

5 – مبدأ الدفاع المشترك بين جميع أطياف المجتمع

6 – مبدأ سيادة الشريعة وحاكمية الكتاب والسنة

7 – مبدأ حرية الاختيار وتقرير المصير للمخالفين

وكانت خطبة الوداع بمثابة تأكيد لهذه الأسس والقواعد حيث أكد الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم علي ذلك:
1 – وحدة أعضاء المجتمع المسلم ومساواتهم بقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت....اللهم فاشهد، قالوا: نعم ، قال: فليبلغ الشاهد الغائب. )

2 – تكريس العدل ونبذ الظلم حيث قال صلي الله عليه وسلم (اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، ألا وإن كل دم مأثرة ومال كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة. فدماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم وهذا اليوم إلى يوم تلقونه) (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب،)

** وعليه فإننا نقول إن الإسلام باعتباره منهجا متكاملا للحياة، وضع منظومة قيمه في الشأن السياسي متمثلا في أمة عدل موحدة، يشارك أعضاؤها جميعا في التقرير والتسيير والتنفيذ والمراقبة والمحاسبة، بما لا يمكن أن يعرفه أي نظام وضعي فوقي معزول عن شعبه، معرض للفساد والتحلل، ومهدد بما يحتمل أن يؤول إليه أمر رئيسه منتخبا كان أو معينا أو وارثا، من انحراف أصيل أو طارئ.

فالكيان السياسي للإسلام يكمن في ثلاثة عناصر:-

- شكل الدولة : وهو الأمة الشاهدة.

- جوهر رسالتها : وهو الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( المجتمع الفاضل )

- وغاية سيرها : العمران والتنمية والسعادة لكل البشر .

ومن هنا نخاطب الجميع ، وندعو الجميع ، ونعلن للجميع ، أن مرجعيتنا كانت وستظل هي الإسلام.
ـــــــــ
*عضو أمانة حزب الحرية والعدالة بالغربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق