الأربعاء، 17 أغسطس، 2011

د. أحموده خليفة : لا رفث و لا جِدال في فريضة الحريّة

بين الإنتصارات و فقدان الشُهداء الإعزاء تختلط علينا مشاعر الأسى و الأفراح في آن واحد و نقف عاجزين عن رسم الكلمات و الحروف لوصف ما يصنعه الرجال الثوّار في ساحات الحريّة الحمراء  وهم  متماسكين على قلب واحد لا ترى بينهم رفث و لا جدال و هم يؤدّون فريضة المسير على أبواب الحريّة.

الصورة لم تتغير كثيرا فلم تذهب من ذاكرتنا و لم ننسى بعد صرخات ضاربي الطبول بين أودية ليبيا في مواجة طغاة التاريخ و هم يرددون:

" أحنا طبلنا طبل صلاّح..عليه أدّل الذّهِيبة .. أحنا وطنا بعد ما راح..رجع فيه علاّم غَيبة" ، نعم طبولنا طبول الصلاح و الحريّة و على إيقاعها يستدل التائهون و يرجع الغافلون، و نعم فبعد عقود من الضّياع رجع هذا الوطن الى أبنائه بعون الله و إرادتهم.


كان الموعد 17 فبراير، فيه تعالت الصرخات و دقت طبول الحرّية في كل مدينة ليبية و بدّدت بصداها صمت القبور مّعلنة العزم على إسقاط جُدران الظلم و الطغيان، كان الموعد لرجوع ليبيا الحُرة الأصيلة من بين أنقاض الزمن الى عالم الحريات الفسيح لتعانق العالم من جديد تحت راية جميلة أحبوها و ألتفوا بها و حولها و رسمها الأطفال على وجوههم وهم يروا فيها مستقبلهم الجديد و الأمل يملأ قلوبهم. أما الماضي فلا حيلة لنا فيه إلا أن نرفع أيدينا و نسأل الله أن يعوّضنا على ما فرّطنا فيه و على ما أضاعه السُفهاء منا و أن لا يؤاخذنا بإجرامهم وإسرافهم. و يبقى من الماضي الدرس التاريخي الذي تعلّمه هذا الجيل وهو أن روابط التماسك و التآزر و توحيد الصفوف هي أطواق النجاة الوحيدة في المِحن عندما يسقط الوطن بين أيادي الطغاة و يتداول مصيره القراصنة و يذبّحه المرتزقة.

نعم هذا ما حدث لنا و دفعنا الثمن غاليا و غاليا و هل هناك أغلى من ضياع الأعمار في الإنتظار و اللهث في الصحراء خلف السراب الكاذب، و ضياع الأعمار في كتابة طلبات الأحلام والأوهام و تماما مثل ما صَرَخ في حرارة أحد شيوخ مدينة الزنتان: ضاع الزمن في تكديس الملفات التي تملأ الأدراج في كل مكتب ثم البقاء في قوائم الانتظار السنة بعد السنة، و يطول الإنتظار حتى العمر كُله. ضياع الأعمار و الإنكسار في طرق أبواب التوسّط و التسوّل من وجوه لا تعرف صِناعة الخير و لا تسعد إلا بإحتقار الآخرين و التباهي بإغتصاب حقوقهم لأنهم ليسو من الفئة التي يرضى عنها كبيرهم و قائدهم الذي علّمهم السِحر و فنون الزيف و التسويف.

و الآن و بعد الرجوع من ساحات الحريّة يبقى الشئ الجوهري الذي علينا إدراكه و مواجهة الحقيقة فيه وهو مواجهتنا لأنفسنا. و نتساءل هنا جميعا، مثلما صنعنا ثورة فاجئة العالم هل نرقى الى مستوى قيمتها التاريخية و نبني دولة في زمن قياسي؟ هل نوفي العهد لدماء الشهداء و نصنع ليبيا من جديد و نعوّض ما خرّبه الطغيان و أتباعه من السفهاء؟ نعم كانوا سفهاء و مجرمون فبعد أن كان لهم الوطن البقرة الحلوب شبعوا و أسرفوا و فسقوا ثم قطعوا الضرع و هلكوا الزرع.

و حتى لا تختلط علينا الأوراق فالذين صنعوا و قادوا هذه الثورة المجيدة بدون شك هم سيبقوا حرّاسها الأوفياء في ربوع العدل و الحريّة و التسامح الى أن تقف ليبيا الجريحة و تسترد عافيتها. نعم جرحى معركة الحريّة كثيرون و من كل أطياف المجتمع و علينا حِراسة الوطن. و هذا الواجب هو في الحقيقة جِهاد النفس وهو أكبر الجهاد مثلما علّمنا رسولنا الكريم، فلا رفث و لا جِدال و لا خِلافات و لا عنصريّة و لا تحاسد على المناصب، و علينا تذكّر تضحيات الثوّار الذين تركوا كل شئ من أجلنا و ان يوفقنا الله في إستقرار وإعمار بيتنا الكبير ليبيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق