الثلاثاء، 17 فبراير 2026

كلمة المحرر : اليوم الذي انهار فيه جدار الخوف: ثورة 17 فبراير في سياق التاريخ العالمي للمقاومة السلمية

 



 في صباح 17 فبراير 2011، شهدت بنغازي حدثًا لم تعرفه ليبيا منذ أكثر من أربعة عقود.

بعد سنوات طويلة من الخوف والقمع والمراقبة، بدأ المواطنون يتجمعون بهدوء أمام محكمة شمال بنغازي. بلا لافتات، بلا هتافات، بلا شعارات. مجرد حضور صامت، سلمي، يواجه الظلم بشجاعة أخلاقية.  

وعلى بُعد خطوات قليلة، يفصلهم شارع ضيق، كان يقف المبنى الذي أرهب أجيالًا من الليبيين: مقر جهاز الأمن الداخلي، مركز التعذيب الأشهر في عهد القذافي. لعقود طويلة، كان المكان الذي يختفي فيه الناس، حيث تنتظر العائلات أخبارًا لا تأتي، وحيث ارتُكبت أبشع الانتهاكات.

أن يقف الناس سلمياً أمام هذا المبنى كان عملاً بطوليًا بكل معنى الكلمة. وبحلول الظهيرة، كان الحشد قد ازداد.

يروي أحد المتظاهرين: "نظرت حولي، فوجدت أنني لست وحدي. مئات من الناس. غرباء تمامًا، لا أعرفهم. احتضنّا بعضنا والدموع تنهمر. لقد كسرنا جدار الخوف".

لم تُطلق رصاصة واحدة. لم تُرمَ حجارة. لم يُهتف بشعار واحد. ومع ذلك، كان هذا المشهد الهادئ هو نقطة التحول في ثورة فبراير.

لقد حكم النظام الليبي بالخوف، النفسي والجسدي، حتى أصبح الناس يخشون أقرب أقربائهم. لكن في ذلك الخميس، استعاد الليبيون إرادتهم. اكتشفوا أن الخوف سجن داخلي — وأنهم قادرون على الخروج منه معًا.

هذا الحدث يضع ليبيا ضمن تقليد عالمي طويل من المقاومة السلمية، يشبه لحظتين مفصليتين في التاريخ.

 في عام 1913، قاد غاندي آلاف العمال الهنود في مسيرة سلمية في جنوب أفريقيا. وعند بوابات مناجم نيوكاسل، تقدّم المتظاهرون في صفوف صامتة. هاجمتهم الشرطة بالهراوات. ومع سقوط كل صف، كان صف جديد يتقدم ويحمل الجرحى. لقد صدمت شجاعتهم السلطات، وكانت تلك اللحظة أول اعتراف عالمي بقوة اللاعنف.

وبعد 17 عامًا، وخلال عصيان الملح في الهند، تقدّم مئات المتطوعين العزّل نحو مصانع ملح داراسانا. ضربتهم الشرطة البريطانية الهندية بهراوات معدنية. الصحفي الأمريكي ويب ميلر شاهد المشهد ونقله للعالم. نُشرت تقاريره في أكثر من ألف صحيفة، وكشفت وحشية الحكم الاستعماري، وسرّعت مسار استقلال الهند.

وكما حدث في نيوكاسل وداراسانا، شهدت بنغازي لحظة واجه فيها الناس نظامًا قائمًا على الخوف — ليس بالعنف، بل بإيمانهم في حقهم في حياة كريمة كباقي الشعوب.

لم يهاجم المتظاهرون مبنى الأمن الداخلي. لم يستفزوا أحدًا. وقفوا فقط، بصدور عارية، أمام المؤسسة التي أرعبتهم لعقود.

كان حضورهم إعلانًا واضحًا: “لم نعد نخاف.” هذه كانت اللحظة الأخلاقية للثورة. لكن على عكس الأنظمة الاستعمارية التي واجهها غاندي، رفض نظام القذافي الاعتراف بشرعية الاحتجاج السلمي. رفض دعوات نقل السلطة. اختار العنف. هدد بـ“تطهير ليبيا”. وحوّل انتفاضة سلمية إلى حرب انتهت بمقتله في 20 أكتوبر 2011.

ومنذ ذلك اليوم، تعيش ليبيا تداعيات هذا القرار. ضابط آخر من بقايا النظام السابق يسيطر اليوم على مساحات واسعة، ويحكم بنغازي بالأدوات نفسها. بل أعاد إحياء جهاز الأمن الداخلي الذي تم تفكيكه عام 2011.  

هذا التاريخ يهم اليوم لأن ليبيا تقف أمام مفترق طرق. درس 17 فبراير ليس أن العنف حتمي، بل أن الشجاعة المدنية السلمية هي أقوى سلاح ضد الاستبداد.  

أثبت الليبيون في 2011 أن الأنظمة القمعية تنهار عندما يرفض الناس الخوف. وتُظهر تجارب جنوب أفريقيا والهند أن اللاعنف قادر على إسقاط أعتى الأنظمة. وتُظهر التجربة الليبية أن الثورة بدأت بالإيمان بالحق في حياة حرة كريمة — لا بالحرب.  

إن استعادة روح ذلك الصباح — حين احتضن الغرباء بعضهم أمام مبنى الأمن الداخلي — هي المفتاح لإنهاء أحلام الطغاة الجدد، ووضع ليبيا على طريق الاستقرار. كانت تلك اللحظة داراسانا ليبيا. ونيوكاسل ليبيا. ونقطة التحول التي لا تزال تحمل مفتاح المستقبل.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق