السبت، 20 أغسطس، 2011

افتتاحية العدد التاسع من صحيفة المنارة : فتح بلا خسائر



تسارع وتيرة التقدم الذي أحرزه الثوار على الجبهات سمح بتجاوز العديد من الإشكاليات التي أحدثتها فترة الجمود التي لازمت المشهد العسكري في الأيام الماضية، كما أثبت الثوار قدرتهم على الصبر والحكمة التي تمكنهم من مواجهة التحديات التي تمر بها الثورة ،وقد كان لشهر رمضان المبارك دوره في إذكاء الروح المعنوية، والاستلهام من الانتصارات التاريخية التي جرت في هذا الشهر، فكانت رافداً آخر للوصول إلى النصراليقين والقدرة على حسم هذا الصراع وتحقيق الثورة أهدافها الرئيسة.
ومن الانتصارات التاريخية المهمة فتح مكة، وكيف استطاع النبي- صلى الله عليه وسلم - أن يحقق هذا الفتح من غير إراقة للدماء، فقد كانت الرؤية واضحة منذ اتخاذ قرار الزحف واتخاذه - صلى الله عليه وسلم - مجموعة من القرارات الاحترازية التي تمنع إراقة الدماء، ما يعطي فرصة للمشركين بعد الفتح للتفكير في الإسلام  واختيار القرار الصحيح المتعلق بالإيمان كون أن النفوس لم تكن موتورة ولا مكسورة، وكذلك ثورتنا التي جاءت بمبادئ الحرية والعدالة والكرامة، نجد أنها لم تقنع بعد بعض الفئات التي لا تزال موالية للنظام، ونحن إزاء هذا الوضع بحاجة إلى التأسي بالسيرة النبوية كي نشجع هذه الفئات لتفيئ وتنحاز لعموم الشعب، وذلك من خلال إرساء مبادئ التسامح والعفو وترك أي حسابات أخرى للقضاء والقانون فيما بعد.
قبل دخول مكة والجيش أثناء مسيره نحوها أخذ الزهو بقائد الأنصار سعد بن عبادة فتفاخر بقوله :(اليوم يوم الملحمة) فرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - : بل (اليوم يوم المكرمة) ، وأخذ راية الأنصار منه ودفعها لابنه قيس بن عبادة، وما ذلك إلا لتحقيق هدفين، الأول:- ترسيخ الروح الحضارية التي تمكن من إنجاز مهمة الدعوة والتبليغ، والثاني إرسال رسالة واضحة للجيش تمنعهم من الافتخار والزهو الذي قد يصيب الفاتحين عند دخول المدن ما قد يترتب عليه من مفاسد تلحق بالبلاد والعباد.
 نربط ذلك بالثورة التي انتقلت من ثورة سلمية إلى ثورة مسلحة بسبب عنف النظام وجرائمه، مما جعل هذا الانتقال حتمياً، لكن بالمقابل نريد أن نقلل من آثار هذا التحول في مسار الثورة وتأثيره على الشخصية الليبية التي تتبنى أهدافاً ومبادئ تؤسس لدولة تعددية ومدنية تبنى على المشاركة ونبذ الإقصاء والتهميش، على ذلك فنحن في حاجة إلى العودة إلى المنطلقات السلمية لثورتنا لنبني عليها مرحلة ما بعد انتصار الثورة، وذلك على اعتبار أن المسار المسلح الذي أرغمت الثورة على انتهاجه ليس هو الأصل، وإنما الأصل هو سلمية الأهداف والمبادئ والتي بلا ريب ستجعل من فرصة التحول إلى الديمقراطية أكبر بكثير، بخلاف الاستناد الكامل على الروح المسلحة التي لن تخلو من انحرافات قد تدفع نحو تعقيدات نحن في أمس الحاجة إلى  تجنب التورط فيها، وفي المثال السابق أمثلة مهمة يجب الاقتداء بها. 
ومن هنا فإننا ندعو إلى وجوب فتح الباب والدعوة الصريحة لأتباع النظام بالتخلي عن القذافي والانحياز إلى الشعب، وهذا نراه متمثلاً في تبني خطاب إعلامي متوازن يحث المترددين ويطمئنهم ويشيع جو التسامح والعفو، وهذا ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- في فتح مكة عندما قال من دخل دار أبي سفيان كان آمناً، ومن كان في الحرم فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ولقد كان لكل هذا أكبر الأثر في حقن الدماء وسهل مهمة  الفتح.
في هذه المرحلة نحتاج خطاباً إعلامياً يراعي ما ذكرناه، الأمر الذي سيسهل عملية التخلي عن النظام وسرعة تحرير بقية المناطق والمدن، وهذا الخطاب لابد أن يتطور في مرحلة ما بعد التحرير لتأكيد أهداف الثورة ومنهجها التغييري السلمي لتحقيق الحرية والعدالة والمساواة التي نتطلع إليها جميعا، ولقد كان لخطاب مكة بعد فتحها مساهمة كبيرة في دخول الناس في دين الله أفواجاً ، ولا نرى سبباً في هذا الدخول - بعد رحمة الله - إلا انتهاج منهج العفو والصفح والكرم قولاً وعملاً، أما فيما يتعلق بحقوق الناس فسوف يكون للقضاء العادل دوره في حفظ الحقوق، بالإضافة إلى دور الدولة في جبر الخواطر وترميم أضرار الحرب.
عليه فمن المهم في هذه الفترة تكثيف الاتصال بأتباع النظام وحثهم على تركه وضمان ممرات آمنة لأسرهم، كذلك فتح قنوات للتفاوض مع النظام تنتهي بإسقاطه في إطار يحقن الدماء ويحفظ العاصمة من الدمار.
 إن التفاوض من مركز القوة المتمثل في التأييد الشعبي والانتصارات على الجبهات لا يعد نكوصاً أوتراجعاً، ولا تفريط في دماء الشهداء بل يسمح بتوازي الحلول ومعاضدتها لبعضها ولتحقيق الأهداف الكبرى وتسهيل العملية الديمقراطية المرتقبة.
 افتتاحية العدد التاسع من صحيفة المنارة الورقية 19/8/2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق