الثلاثاء، 16 أغسطس، 2011

د.يونس عمر فنوش : قضية الانتخابات مرة أخرى ..


قضية الانتخابات مرة أخرى ..

د.يونس عمر فنوش
منسق الهيئة التأسيسية لتجمع ليبيا الديمقراطية

لا تزال قضية الانتخابات من أهم القضايا التي يدور حولها الجدل والنقاش في الساحة السياسية، فقد اختلفت الآراء ووجهات النظر حولها، بين قائل بضرورتها واستعجالها، ومن يرى أنها يمكن، أو بالأحرى يجب أن تُؤجل حتى تُهيأ لها كل الظروف المناسبة وعوامل النجاح المطلوبة.

وقد تابعنا من خلال ما تسرب أو نشر حول الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس الوطني الانتقالي أن مسألة الانتخابات ما زالت تُلقي بظلالها على المشهد المتعلق باستحقاقات المرحلة الانتقالية، وإن لوحظ على الصيغة التي أعلنت أن المجلس الوطني يحاول من خلالها أن يوجد نوعاً من الحل الوسط، فيستجيب لقدر مما يطالب به كل طرف، فيستجيب لوجهة النظر الأولى بتأجيل الانتخابات إلى أجل 8 أشهر من إعلان التحرير، يواصل فيها المجلس الوطني ممارسة السيادة والسلطة، ويستجيب لوجهة النظر الثانية فينص على انتخاب مؤتمر وطني، يستلم السلطة من المجلس الوطني الانتقالي، ويشرف على إدارة القسم الثاني من المرحلة الانتقالية حتى إجراء الانتخابات النهائية كما ينص عليها الدستور الدائم.
وقد سبق أن عبرنا –أعني نحن في تجمع ليبيا الديمقراطية- عن وجهة نظرنا في هذه القضية، وقلنا إننا ندعو بكل وعي وقوة إلى تأجيل الانتخابات حتى نضج الظروف والمعطيات المادية والمعنوية لإتمامها بنجاح وشفافية ودقة، وذلك لأننا نرى أننا سوف نحتاج إلى وقت طويل، وجهود شاقة ومكثفة، حتى نعيد أمور الحياة العادية لمواطنينا إلى الحد الأدنى من طبيعتها، ويكون من الممكن ومن اللائق دعوتهم للمشاركة في أية عملية انتخابية. وقلنا أيضاً إننا نرى أن من غير المعقول دعوة مواطنينا إلى خوض عملية الانتخاب، بكل ما تعنيه من إجراءات تنظيمية وإدارية، وما يلزمها من تكاليف مادية، وما تستغرقه من وقت، ثلاث مرات في فترة لا تتجاوز، كما ورد في الإعلان الدستوري، 18 عشر شهراً. هذه المرات الثلاث هي التالية:
الأولى: انتخاب ما يسمى المؤتمر الوطني.
الثانية: الاستفتاء على الدستور (وهو عملية انتخابية كاملة لا تختلف من حيث متطلباتها وإجراءاتها وتكاليفها عن العملية الانتخابية الأولى والثالثة).
الثالثة: انتخاب المؤسسات الدستورية بناء على الدستور الدائم.
وإذا كنا نقر بأن العمليتين الانتخابيتين الثانية والثالثة لازمتان ولا يمكن الاستغناء عنهما، فإننا نرى أن العملية الانتخابية الأولي لا لزوم لها، وأنه يمكن الاستغناء عنها، وذلك للأسباب الآتية:
1-  أن المبرر الأساسي الذي يستند إليه الداعون إليها هو القول بأن المجلس الوطني الانتقالي ليس هيئة منتخبة، وأن هناك حاجة لوجود هيئة منتخبة تكون لها شرعية تمثيل إرادة الأمة. ونرد على هذا القول بأن المجلس الوطني، على الرغم من أنه ليس منتخباً، إلا أنه حظي بقبول غالبية ساحقة من المواطنين، ولقي مبايعة خولته صلاحية تمثيل الشعب في الداخل والخارج، وعلى الرغم من كل الملاحظات، بل الانتقادات، التي وجهت له أو لبعض أعضائه، على عدم كفاءتهم، أو تقصيرهم في أداء بعض واجباتهم، إلا أن المنصفين لا يملكون إلا الاعتراف بأن المجلس الوطني قد قام بدور مهم، وأنه تمكن من تطوير أدائه مع مضي الأيام وتوالي التجارب، وتطور الممارسة.
2-  أن القائلين بالانتخابات يقدمون لموقفهم حجة أخرى تقول إن الصيغة التي يتركب منها المجلس الوطني بشكله الحالي غير كافية وغير عادلة فيما يتعلق بتمثيل كل مناطق البلاد، وخاصة المناطق المحاصرة التي لم تتحرر بعد، ويمثلها في الوقت الحاضر أفراد لم يتم اختيارهم من قبل المجالس المحلية في مناطقهم. والرد على هذا أن الحل يمكن أن يكون في العمل على توسيع عضوية المجلس الوطني بإضافة أعضاء إليه، تختارهم المجالس المحلية في مناطقهم، أو استبدال الأعضاء الذين يمثلون تلك المناطق في التركيبة الحالية بآخرين تختارهم المجالس المحلية.
3-  أن كل ما هو مطلوب في المرحلة الانتقالية هو إدارة شؤون البلاد الضرورية العاجلة، وإدارة عملية الحوار الوطني، التي تهدف إلى الرفع من مستوى وعي المواطنين بالمفردات والخيارات التي سوف يطلب منهم القرار بشأنها، وهاتان العمليتان: إدارة الشؤون العاجلة وإدارة الحوار الوطني عمليتان فنيتان، تتطلب الأولى حكومة مهنيين مختصين وخبراء، لا يشترط أن يكونوا منتخبين انتخاباً، وتتطلب الثانية أيضاً مهنيين متخصصين وخبراء في برامج التوعية والتثقيف والإعلام، وهو المطلوب في مرحلة التهيئة للاستفتاء على الدستور ثم الانتخابات النهائية.
4-  أن الحديث عن ضرورة أن تكون الهيئة التي تضع الدستور منتخبة فيه نظر، فليس ثمة إجماع، حتى بين المختصين في القانون، على ضرورة ذلك، من جهة أن وضع الدستور هو بدوره عملية فنية، يمكن أن تقوم بها على أكمل وجه لجنة مختارة من خبراء ومختصين، تتحدد مهمتها في صياغة ما يتبين من عملية الحوار الوطني ومن الدراسات العلمية واستطلاعات الرأي وما شابهها أنه يستجيب لخيار أغلبية معقولة من المواطنين.
خلاصة القول أننا نرى أنه لا ضرورة مطلقاً لمؤتمر وطني منتخب، يستلم السلطة من المجلس الوطني، فقط كي يدير شؤون البلاد في المرحلة الانتقالية ويشرف على صياغة الدستور والاستفتاء عليه، ثم يشرف على انتخاب الهيئات الدستورية الدائمة، ونرى أن المجلس الوطني بتركيبته المطورة بعد اكتمال التحرير، بإضافة أعضاء مختارين من المناطق المحررة، يمكنه أن يقوم بالمهمة خير قيام، وكل ما قد نحتاج إليه هو مساهمة الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني في دعم المجلس الوطني بالآراء والمشورة، وبمراقبة الأداء وتصحيحه وتقويمه عند الحاجة، ثم مساهمتها في إثراء عملية الحوار الوطني حول مختلف القضايا المطروحة على النظر والحوار، التي سوف تكون مطروحة على المواطنين لاتخاذ القرارات النهائية بشأنها. ومن هذا المنظور اقترحنا في ورقة طرحناها على الرأي العام في تجمع ليبيا الديمقراطية، أن يوجد إلى جانب المجلس الوطني بعد التحرير مؤتمر وطني للحوار، تكون مهمته القيام بكل ما يلزم لإدارة عملية الحوار الوطني تمهيداً لصياغة مشروع الدستور، وحتى عرضه على الاستفتاء وإقراره. ورأينا أن هذا المؤتمر يمكن أن يتم تكوينه بالاختيار من قبل المجالس المحلية وأن تتمثل فيه الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وذلك كي نتجنب إقحام البلاد والناس في انتخابات قبل أوانها، وقبل أن يتهيأ لها الحد المعقول من مقومات النجاح والشفافية.

هناك تعليق واحد: