الخميس، 7 يوليو، 2011

صالح بن عبدالله السليمان : الثورة الليبية وصياغة الخبر



اليوم, وأنا تصفح الأخبار استرعى انتباهي  صياغة وكالة رويتر لخبر المسيرة المليونية التي حصلت بالأمس في بنغازي , وشاهدها الكثير منا  .
الخبر تمت صياغته بحيث يكون هناك "خبر" وهناك "إيحاءات" ,
وحتى لا يكون كلامي مبهما سأضرب أمثلة من الخبر نفسه . ونرى كيف تمت صياغته , وما هي الإيحاءات التي توحيها تلك الصياغة  ولئلا  يخرج احدهم ويتهمني بالخطأ في النقل, سأرفق صورة من الخبر نفسه .
في أول فقرة بل وفي أول جملة من الخبر يقول صائغ الخبر :-
"" بنغازي (ليبيا) (رويترز) - سار عشرات الآلاف من الليبيين ملوحين بأعلام أوروبية وأعلام الاستقلال الليبية في أنحاء مدينة بنغازي التي يسيطر عليها المعارضون ""
وهنا نلاحظ أن العدد قدّر بعشرات الآلاف وان النشاط الرئيسي الذي قاموا به هو التلويح بأعلام أوربية و أعلام الاستقلال الليبية .
القارئ للخبر سيركز أولا على إن المتظاهرين رفعوا الأعلام الأوربية  وركزت صياغة الخبر عليها , مما يوحى أنها الأكثر أو لنقل إنها كثيرة جدا بحيث تترك أثرا ملموسا و كبيرا في المظاهرة , وان المظاهرة خرجت و احد  أهم أهدافها التلويح بهذه الأعلام .
ولكن من شاهد المظاهرة التي يتكلم عنها الخبر و التي خرجت في بنغازي يوم الأربعاء 6/يوليو/2011  (للتنديد بحكم القذافي والمطالبة بخروجه , وردا على المظاهرة التي حشد لها القذافي في وقت سابق من نفس الأسبوع )  رأى أن الأعلام الأوربية كانت قليلة جدا , ورفعها بعض الأشخاص  كعرفان للدول صاحبة الأعلام , وشكرا لها على مواقفها حيال الثورة الليبية . ولم تكن ظاهرة بحيث يكون لها من الأهمية بحث توضع في الجملة الأولى في الخبر, أو يكون التلويح بها هو النشاط الرئيسي للمتظاهرين .
ثم نجد في ثنايا الخبر يقول الكاتب :-
"في المدينة التي تضم 700 ألف نسمة خرج مئة ألف من مؤيدي المعارضة إلى الشوارع مرددين "الشعب يريد إسقاط النظام" حاملين رسوما كاريكاتيرية مرتجلة مناهضة للقذافي."
وهنا نأتي للأرقام وذكر 700 ألف مقابل 100 ألف . ما المقصود منها ؟
المقصود بالطبع أن يفهم القاري أن هناك 600 ألف لم يخرجوا  هذا أولا , ثم أن نفكر في موقف أل 600 ألف الذين لم يخرجوا وما موقفهم .. هل هم مؤيدون للثورة أم معارضون لها أم من القلة التي لا رأي لها ممن يسميهم الاصطلاح السياسي "الكتلة النائمة أو الصامتة" وعادة تكون لا تؤيد هذا ولا ذاك .
بالطبع تكلم الخبر بعد ذلك عن المائة ألف اللذين خرجوا رافعين وملوحين بالأعلام الأوربية وكيف مشاعرهم .
ولكن المفهوم من الخبر أن المسيرة المليونية التي يتكلم عنها الثوار لم تحدث  بل خرج 100 ألف فقط . ولاحظ أن الأرقام ذكرت قطعية فلم يذكر كلمات تفيد عدم قطعية الأرقام مثل  "يقل عن" أو "يزيد عن" أو "حوالي" أو "ما يربوا على"  بل أرقام محددة . والنهاية التي يخرج بها قارئ الخبر هي :-
" في مدينة ثائرة سكانها 700 ألف خرج 100 ألف يلوحون بأعلام أجنبية  , وبقى 600 ألف لم يخرجوا "
ويعلم كل عامل في مجال الإعلام إن صياغة الخبر تعطيك خبرا آخر .  وفي بعض الأحيان تكون مدلولات الخبر لها من الأهمية ما يفوق الخبر نفسه , ويكون المهم ليس الخبر بحد ذاته بل مدلولات الخبر وهذه المدلولات يؤثر عليها طريقة الصياغة .
وهذا الصياغة التي ذكرتها سابقا مثال , وهناك العشرات من الأمثلة .

الجمود الميداني
من الملاحظ خلال الأيام الماضية تكرار كلمة "الجمود الميداني" في ما يخص التقدم العسكري الميداني . وتتكرر هذه الكلمة كثيرا في الإعلام .
ولا أعلم كيف نتكلم عن جمود ميداني بينما ثوار الجبل يحررون مدينة أو قرية يوميا . وآخرها مدينة "الغواليش" او "القواليش" وما حولها وهم يتجهون إلى مدينة "غريان" الإستراتيجية .
وثوار مصراتة  يدخلون إلى مدينة زليطن . وثوار الزاوية وطرابلس يقضون مضاجع الكتائب بعمليات نوعية .وكذلك ثوار "ككلة" و "نالوت" . بحيث أضحت مدينة طرابلس محاصرة .
وفي نفس الوقت  يحقق المجلس الوطني الانتقالي الانتصارات السياسية  الواحدة تلو الأخرى .
هل يظن صائغو  الأخبار أن نظاما دمويا أسريا دمر الجيش والثقافة والتعليم وأثار النعرات الجهوية والقبائلية ونشر الجهل والتعصب خلال ما يزيد عن أربعة عقود .
نظاما يملك من المال أكواما, ومن الذهب أطنانا, ومن الأسلحة و القوات أرتالا , والكثير الكثير من العملاء والوكلاء في الداخل والخارج  سيسقط بسهولة ؟
لنعد في الزمن قليلا . قبل أربعة أشهر فقط .
كانت الثورة جنينا في رحم الأمة الليبية وفكرة في وجدانها وحلم يراودها في أحلامها . كانت لا تملك الرجال ولا المال ولا الأرض ولا الدعم .
ونقارنها بما هي عليه اليوم . الشرق الليبي محرر, الجبل الأخضر محرر, مصراتة وما حولها محرر,  . والثوار أصبحوا يحاصرون طرابلس . 
أصبح للثوار حكومة وجيش وطني ومراكز تدريب ومحطات إعلام وخطط تطبق على ارض الواقع واستراتيجيات ترسم وتتحقق كما رسمت , العالم كله يعترف بالثوار , كله اقصد كله , وليس فقط بعضة  فالبعض أعترف به ممثلا  رسميا وحيدا والآخرون اعترفوا به مفاوضا , حتى نظام القذافي يتوسل ويبث الإشاعات ويرسل الإشارات انه يجري المباحثات مع الثوار أو يرغب في الجلوس معهم على طاولة المفاوضات .
لا أعلم ما هو التقدم والتحرك إذا لم يكن هذا الذي تحقق في الشهور الماضية هو التحرك .
لو سئلت أكثر المتفائلين قبل ستة أشهر عن توقعه للسنوات القادمة , لما حلم أن يتحقق هذا الذي تحقق الآن .

المقصود من مثل هذه الصياغات هو بث روح الانهزام في الثوار ودفعهم دفعا إلى مفاوضات مع النظام يتنازلون فيه عن ثورتهم مقابل دخول سيف الإسلام أو خميس  أو أي من أبناء القذافي كبديل عن أبيه . وان يخرج الناتو منتصرا , يدّعّي بعدها انه حقق مشيئة الشعب الليبي .

أتمنى على ثوار ليبيا أن يعرفوا الحقائق على أرض الواقع . الحقيقة أنهم حققوا خلال الأشهر الماضية دولة حرة  يتساوى فيها جميع الليبيين . الدولة الجديدة ما زالت في حرب مع قوى الظلام بالسلاح في الداخل وبالإعلام في الخارج , وهي بأذن الله منتصرة في الداخل ولكن أتمنى أن يعي الإعلام الليبي الحر أهمية الحرب الإعلامية الخارجية . وأن يكون لهم وكالة أنباء وناطق رسمي , وليعذرني سيدي وأستاذي محمود شمام( فلي عليه دالة النسب وعشم الأخ) . فانه يعمل الآن كأعلامي وليس كمسئول عن الإعلام ,
ولي عودة إن شاء الله في هذا الموضوع

صالح بن عبدالله السليمان
كاتب مسلم عربي سعودي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق