السبت، 23 يوليو، 2011

د. نزار كريكش : ليبيا التى نحلم ... ( الجزء الثاني )


د. نزار كريكش


                          الايديولوجيا الحاكمه

الايديولوجيا  تعرف فى القاموس السياسى على انها مذهب اجتماعى , وهى فى فلسفة التاريخ عقيدة سياسيه تنظر إلى حتميات تاريخيه في الغالب ما تنبع من تصور تطورى للتاريخ .


هذا التصور الخطى التطورى ساد فى بدايات القرن العشرين فانتشرت العديد من النظريات التطوريه , فاساس المجتمع مثلا هو الفرد ومن ثم تطور المجتمع من الاباحيه الى الاسره الى المجتمع الى ان تشكلت الدوله (سبنسر) 
·        واساس حركة التاريخ هو التطور عبر جدل تاريخى يفضى لانتصار العنصر الاسمى وهو العنصر الآري كما فهم التاريخ هتلر وسعى لتحقيق هذا التصور فى الحرب الكونيه الثانيه  .

·        وكذلك كانت ادوات الانتاج هى الاساس عند ماركس من الرعى والزراعه فالاقطاع فالراسماليه  فالاشتراكيه الى الشيوع .

ومن هذه المقدمه نفهم التصور الذى تحرك به النظام السابق فحركة التاريخ فى نظر الزعيم !! انتقلت من الملكية الى الملكية الدستورية الى الجمهوريات بالديمقراطيه النيابيه ويتنتهى فى زعمه بالجماهيريه .

وعلى هذا الاساس بدا المجتمع فى الانتقال الى المرحله الاخيره من التطور التاريخى القذافى , و هى الجماهيريه  وهو لايؤمن فى هذا المجال حتى بالتدرج (حرق المراحل ) .

الى ما أوصلنا ذلك ؟ هذا هو المقصود من الحديث السابق- لان تصور الماضي هو الذي يمكننا بلا شك من فهم الحاضر والتطلع للمستقبل ....

اغلب المجتمعات التى عانت من الايديولوجيا فى القرن المماضى عانت من :
·        ضمور الوطنيه كإطار جامع لأفراد المجتمع ,  ويبقى الولاء للحاكم هو الأساس فى الانتماء , حتى المعارضه ستواجه الايديولوجيا بايديولوجيا مماثله .
·        بروز دور الولاء كاساس لتولى المناصب داخل الدوله على حساب الكفاءه .
·        ترفع الشعارات التى تمثل النظام وايديولوجيته على حساب التنمية  والتخطيط والدراسه العلميه , فتسخر كل الموارد لحماية النظام , وكل الافكار والمشاريع لارغام الاحداث داخل المجتمع لتكون صوره لما يتخيله الزعيم .
·        يبدأ تحليل الاحداث والعلاقات الخارجيه كلها وفقا لقرب او بعد الاخر من الايديولوجيا .
·        غياب معنى التجديد والتغيير او حتى الاصلاح  الا فى اطارات سطحيه لاتقترب من الايديولوجيا .
·        غياب اى نوع من الحوار ...

ليبيا بالطبع نموذجا يحتذى فى ذلك , فقد عاش الليبيون المستقبل المفترض قبل الحاضر و"طلقوا قبل ان يتزوجوا " , وكل الموارد والافكار سخرت لهذا الغرض: اقامة الجماهيريه.

التطوريه بانواعها  ظهرت مع التطوريه البيولوجيه مع تشارلز دارون فى القرن التاسع عشر(1858)  , وقد عانت اوروبا كثيرا من هذه التطوريه من الحروب العالميه التى ازهقت ارواح الملايين الى الحرب البارده والتخلف الذى اصاب اوروبا الشرقيه , وسرعان ماتصدى الكثير من العلماء فى  البيولوجيا والاجتماع لهذه النظريه .  فى الاجنماع ظهرت نظرية النظم وفى البيولوجيا ظهرت النسبيه ومبدأ اللاتعيين  , وكتب كارل بوبر كثيرا عن الاثر السيئ للايديولوجيا وسماها اسطورة الاطار فهى السجن الذى تؤسر به الامم وتمنع من خلاله الحوار والتقدم والبحث الدءوب عن الأفضل , فمادام الحل الذى تقدمه النظريه حلا نهائيا فلامجال للفكر او التفكير .
 لقد عاش الليبيون ماساه حقيقيه فاصبح المفكرون الثوريون "ببغاوات" لافكار القذافى , و هوية الدوله تبعا لتطلعات الزعيم , وعلاقاتها رهنا بتقلب مزاجه ,  او حتى اخطاء أبنائه كما حدث مع سويسرا مؤخرا .
اذا كل مساسبق يجعلنا بحاجه الى :
·        حوار جاد
·        نظام مرن قابل للتغيير والتجديد
·        تخطيط ودراسه للمستقبل
·        استعادة الهويه وتحديدها وابراز روح الوطنيه والمواطنه كاساس للانتماء .
·        اعادة النظر فى العلاقات الخارجيه والتحالفات التى لاتخدم مصالح الدوله الليبيه او كانت بناء على تطلعات الزعيم الفيلسوف الجاهل !!

سناتى الى ذلك بالطبع فى نهاية البحث لكن ما يهم هنا هو فهم ان البلاد عاشت وبشكل نموذجى يدرّس معضلة الايديولوجيا الحاكمه وبالطبع هى تخفى افكار وخيالات الزعيم التى تعبر عن رغباته فى المجد وشهوته للسلطة وحبه اللامحدود للجاه والثروه .

نشر في المنارة الورقية – العدد الخامس – 22-7-2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق