الاثنين، 30 مايو، 2011

صناعة السلم والطريق نحو المستقبل

الحديث عن السلم الاجتماعي ليس حديث عن مقومات استقرار الهيئة الاجتماعية وأمنها، بل حديث صميم في رهانات المستقبل أيضا، الأمر الذي يفرض علينا أن نتحلى بالحكمة في التأمل والتفكير والتدبير، والحنكة في الانتقاء والاختيار ومن ثم العزم والمبادرة والتحرك.

ليس فن الحرب في تسعيرها واشعالها فقد اشعلت الشمطاء البسوس حربا ما تركت من بيت وبر ولا مذر إلا وفيه شاهقة أو باكية أو نائحة، ولم تحسب في عداد حكماء الحرب،
ولا من يتقتفى اثرها ويهتدى بسننها ولا يسترشد برأيها، بل على العكس من ذلك ضربت مثل سوء في الشؤم لما جرته على قومها من الخراب ودمار وفساد ذات البين. ولكن فن الحرب في كيفية اتقاء اسبابها وسع الطاقة، وحل المأزق المؤدي إليها بكل سبيل، وعدم تمني أن تقع حرب ولا أن يموت أحد، هذه هي فنون الحرب، إما إذا ما كان من المكروه بد فصمود لها وخوضها دون هوادة، والبقاء في ساحها حتى يفتح الله بيننا وبين الباطل بالحق، فهو فن خوض الحرب، لذلك فثورة السابع من فبراير المباركة فن في خوض الحرب وليست نموذج في اشعال حرب، وهذا ما اشكل على الكثير من اخواننا العرب والمسلمين فهمه، فسلقنا متكئ على اريكته سالما في أهله مستريحا باله – ولا تثريب عليهم – بألسنة حداد اشحة على الانصاف والعدل في الحكومة، ولا بأس أن نذكرهم أن ثورة فبراير المباركة فن في خوض الحرب ولا علاقة لها باشعال الحرب لا من قريب ولا من بعيد.

ثورة فبراير الفن الثاني
الشجاعة انواع وانماط، ليس دائما الشدة في المصارعة مظنة الشجاعة، بل التحكم في الانفعال وامتلاك زمام النفس، والتحكم في كيمياء التفكير والبصيرة، وعدم الانسياق وراء النزعات الغريزية البحتة، الشجعان عند الانتقام كثير ولكن الشجعان عند العفو بعدد اصابع اليد، الشجاعة في التصدي للخطر كثيرة، ولكن الشجاعة في حسم مادة الخطر لا تكاد تجدها بين العدد الغفير من بني البشر، لذلك لم يسود الحسن السبط ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لشجاعته وحسمه لخلاف بين الناس، لقد كان الحسن رضى الله عنه نسيجا وحده في فن صناعة السلم، وقدم درسا لكيفية غزل السلم على منوال الحرب، لقد كان من الشجاعة بمكان أنه لم تأخذه في السلم الاجتماعي لومة لائم.
فالسلم كاختيار شجاعة اجتماعية، نحن في حاجة لعزائم اجتماعية توافقية تغزل لنا نسيجا جديدا على منوال من مفاهيم الفكر السياسي الجديد، لنكن شجعانا ونصنع السلم الاجتماعي لبلدنا، وليكن أساس هذا الفكر تعظيم حرمة الدم الليبي، وتعظيم حرمات الحرائر العفيفات.
منطلقات السلم الاجتماعي
نحن شعب بادر لاسترداد زمام الأمر، واسترجاع كامل سيادته الوطنية، وامتلاك القرار السياسي السيادي، والضرب على أيدي مغتصبيه بقوة، ومنطلقنا أننا طلاب وطن، ولسنا طلاب ثأر وانتقام، ما يزال ينتظرنا الكثير من الواجبات الصافنة على قائمة الأولويات، ليس هناك فائض من الوقت لتضيعه في الانتقام ولا من التشفي، وحتى إن تورط افراد في الرغبة في الانتقام، فإن العقل الجمعي لا يغتاله شيء مثل الانسياق وراء التشفي والانتقام، وراءنا مهمة حاسمة عنوانها اللحاق بركب الحضارة الجديدة، وهذا يتطلب أن نمر بمرحلتين الأولى تستهدف استنبات الحضارة في أرضنا، ثم الاقلاع الحضاري من خلال تطوير الحضارة والمشاركة فيها بإذن الله، وإني على الوثيقة من اليقين أن لدينا الخميرة الازمة والكافية لتحمل المهمة على اكتاف وكواهل رجال ونساء صنعوا ثورة فبراير المباركة بإذن الله، من هنا إذا كان إلى السلم من سبيل على الرغم من كل ما اصابنا من القرح والألم إلا أنه لا ينكر القبول بأي خطة سلم تفكك من خلالها سلطة سبتمبر، وترحل عن سمانا غير مأسوف عليها، وليكن إن كان من طلب لضمان أن نترك فرجة ومخرج لرأس النظام فاليخرج وليترك لنا البقية الباقية من الوطن لنستأنف من بعده الحياة التي لن تتوقف بخروجه وزبانيته، لتقدم الدولة التي يرغب في الخروج إليها ما يريد من ضمانات، فليس بلازم أن تكون نهاية الثورة مشهد المشنقة ولا المقصلة، وهذا لا يعني بحال هزيمة فبراير بل على العكس هي تجلى لشجاعة فبراير ودليل أنها تطلب وطنا وليست تنشد ثأرا.

مبادرة النداء الأخير
بعد مكوكيات الوطني الانتقالي للأنضول والكرملن والداون استريت والالزية، خرج علينا بشجاعة اجتماعية منقطعة النظير ليعلن على لسان رئيسه الترحيب بأي مبادرة للمخرج السياسي، شريطة أن لا يكون لرأس سلطة سبتمبر ولا زبانيته أي دور سياسي في المشهد السياسي المستقبلي، معطيا لتركية ميزة تفضيلة في التوصل إلى صيغة مرضية للشارع الليبي، واتصور أن هذا من أفضل التصريحات والاختيارات الموفقة.
قد يقول البعض ابعد كل ما قامت به سلطة سبتمبر نقبل أن نعطيها شرطا غير القصاص والمقصلة؟، من الناحية العاطفية قد يكون الأمر له تأثيره، ولكن شجاعة السلم وصناعته تعتمد على منطق المصلحة الوطنية، التي تقول أن كف الدم والوصول إلى محطة الاستقرار مصلحة وطنية عليا، كل قطرة دم اغلى من كل شعور بالتشفي والانتقام، وليس هناك من محيص عن المحاسبة، فحتى لو توهم من توهم أنه فلت من حساب الدنيا فلقاءنا بدون شك تحت ظل عدالة الهية الاحكام والميزان، يومها يتقص من القرناء للجماء.
المستشار السياسي

هناك تعليق واحد:

  1. شجاعة السلم وصناعته تعتمد على منطق المصلحة الوطنية، التي تقول أن كف الدم والوصول إلى محطة الاستقرار مصلحة وطنية عليا، كل قطرة دم اغلى من كل شعور بالتشفي والانتقام

    ردحذف