الأربعاء، 11 مايو، 2011

د.فتحي خليفة عقوب : الثورة وضرورة الوعي بالنضال الوطني المدني




إنَّ نشر ثقافة "النضال المدني" المشار إليها في المقال السابق، والذي ينبغي التأكيد عليه في الظرف الراهن جنبا إلى جنب مع العناية الكافيةِ بالنِّضَالِ الْمُسلَّح تكمن أهميته في أنه يستهدف عِدَّة أمورٍ أساسية، يُحقِّق عددا من المصالح الضرورية في هذه المرحلة، ولعل منها :

1-      دعم النِّضال المسلح – وهو الأساس في هذه المرحلة - ورفع قدرات الثوار على مواصلة المشوار، من خلال تعزيزيه للروح الوطنية ومعاني التضحية والفداء والبذل في سبيل الدفاع عن النفس والأهل والوطن.

2-      إِحداثُ توازن أو توافق اجتماعي من خلال الاحتكاك الثقافي والعملي المؤسسي المنظّم لأفراد المجتمع الذين غُيّبُوا لفتراتٍ طويلةٍ عن النمط الصحيح للحياةِ المدنية والاجتماعية.


3-      تَرسيخُ مفهوم الخدمة المدنية الاجتماعية والتي تعنى أولاً ببثّ روح العمل التطوعي بكل أشكاله وأهدافه الدينية والإنسانية والوطنية بين أفراد المجتمع بشرائحه المختلفة، ثم الممارسة المتواصلة حتى يصير منهجا عمليا مَقبولا ومعمولا به في المجتمع.

4-      إحداثُ التَّوازن المطلوب بين مُتطلبات العمل الوطني في هذه المرحلة، فهناك جَبهاتٌ عسكرية مُشتعلة تستهلك الأرواح والدّماء، وتحتاج لدعم وتدريب وتكوين، وهناك جبهات: اجتماعية، وسياسية، وثقافية، وغيرها. وبالتالي ومع عودة الكثير من الوجوه المعارضة من الخارج، قد تنشأ بعض الإشكالات الناتجة عن اضطرابٍ - بقدرٍ متفاوتٍ ربما - في تركيز الاهتمامات وتصنيف الأولويات، بل قد يتسعُ الأمرُ ويتطوَّرُ إلى نُشُوءِ نزاعات سياسية مُبكِّرةٍ تُشغل عن الأولى وتعجِّلُ بمواجهاتٍ لم يجهز ميدانُها الحقيقي، فشعار المرحلة يجب أن يكون هو "ليبيا" فقط. بإكمال عملية التحرير، وتغذية تلك العملية بالدعم المادي والمعنوي، وتعزيز ثقافة النّضال المدني تَمهيدا لمعركتنا الداخلية التَّالية معركة البناء والتأسيس. مع العلم هنا أن الثقافة المدنيّة المتينة والسليمة ستكون هي الأرضية الصلبة لبناء وعيٍّ سياسيٍّ واقتصادي واجتماعي متكاملٍ ومتوازن، يكفل سلامة الحراك الاجتماعي وتوازنه بطريقة صحية مستقبلاً، وصموده ضد مخطَّطاتٍ قد تُحاكُ لنا وتُنسج في الشرق أو في الغرب. كما أنَّها تُمهّد لصمّام أمان وضمانة سلامةٍ ضد أيّ استبدادٍ أو محاولة اختطاف للثورة قد تطل برأسها في الأجواء السياسية المشحونة وبخاصةٍ في بداياتِ تَكوّن الدولة الحديثة، وبخاصة في ظلِّ ضعفٍ في الوعي السياسي، وتراجع في الوازع الوطني النزيه لِحرصٍ على مكاسبَ شخصية أو قبليّة أو حزبيّة.

5-      انتهاز الفرصة التاريخية التي أنشأتها الأحداث بتوفيق من ربِّ العالمين أولاً، ثم بالتضحيات الجّمّة التي قدمها أبناء ليبيا وشبابها الأبرار في معركة التحرُّر. فرصة تتمثل في تنامي الشعور والانتماء الوطني وإحياء معاني الحرية والكرامة والعزة في النفوس. إلا أننا نرصُدُ غِياباً واضحاً لجانب التّأسيس والتأطير للوعي الملائم والمناسب الذي سيتحرك الناس مِن خِلاله بتلك الروح الوطنية العالية، بحيث يتم استيعابها وتوظيفها مِن جانبٍ، ودعمها وتغذيتها بالوعي مِن جانب آخرٍ، وهذا أهم أدوار ثقافة "النضال المدني"، من خلال عمليات التوعية المنظمة والتكوين الهادف والبناء الواعي بالعمل المؤسَّسي الاجتماعي. ولا يصلح مجرّد حشو العقول بالأفكارِ وحَقْنِها بالأحلام وتسييسها بالوعود، فلم يعد ذلك مُجدياً ولا كافياً في ليبيا ما بعد الثورة.

عُمُوما، وبعيداً عن تعقيدِ الأمور وإطالة حبال الأفكار، فإنَّ هذا التعبير المبسّط نسبياً عن مفهوم النّضال المدني والخدمة الاجتماعية المدنية وأهدافها، لا يمثل أيّة صعوبةٍ في الفهم ولا في التوصيف، لكنه عند التطبيق قد يواجه بعض الإشكالاتِ، منها :

1-      تراجع أو خفوت الوعي الجماهيري بأهمية هذا المفهوم وأهدافه الهامة، إضافة لغياب الوعي والاهتمام الرسمي به من قبل المجلس الوطني الانتقالي وأذرعه الاجتماعية الفاعلة حالياً.
2-      مَدى قدرة المؤسسات والهيئات الاجتماعية التي بدأت تتشكل على نقل المجتمع من صحراء التخلف التي كانت تعيش فيها، إلى واحة الرفاه والتطور والازدهار التي كانت تحلم بها.

والذي يُخشى حقيقةً هنا، هو أننا إذا حاولنا استكشاف أو قياس مدى الوعي الجماهيري والاهتمام الرسمي بمفهوم "النضال المدني" ومقدار ما يوجَّه له من جهود وما يُجنَّد مِن طاقات فإننا قد نصلُ إلى نتائج مخيبة للآمال فعلاً، وليس هذا مجرّد تخيّل أو انجرار وراء الظنون، بل هي إشارات الواقع الكثيرة، مما يُمكننا معه القول بأنّ البعض من القيادات الاجتماعية المتصدرة اليوم تفتقد إلى التقدير الصحيح وبالقدرِ الكافي لأهمية هذا "النّضال الوطني" ومكوناته وقبل ذلك أهدافه، على حساب عمليات الحشد والتعبئة العامة غير الفاعِلةِ أو الضعيفة الفاعلية، ناهيك عن تراجع واضح لدور الجمعيات والهيئات التي انتشرت وانتسبت إلى المجتمع المدني، سواء من حيث الإمكانيات أو من حيث التوجيه والكوادر القادرة على قيادة هذا العمل الاجتماعي والتصدي لهذا الدور التعبوي الفاعل في المراحل التالية.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا : كيف يمكن الاستدراك والتصحيح وسد الثغرات ؟

الإجابة المرتكزة على معطيات الواقع ستؤكد بصورة قاطعة على عدّة نقاط :

1-      إنَّ على المؤسسات والمنظمات المدنية المعنية بهذا الشأن أن تتخلص من ربقة الانكباب على المصالح الفردية والأسرية لمن يقومون عليها، وأن لا تتخذ لنفسها أبراجا عاجيّة وتتقمّص دور ما يعرف بـ "القيادة الملكية" والأشبه بالأدوار الفخرية الرمزية! إما طلباً لمكاسب سياسية مبكرة، أو لأغراض مادية رخيصة، أو لنعراتٍ وعصبيات قبلية أو عائلية ضيقة. بل إنَّ الجهد العملي في الشارع ومساعدة الناس وتدريبهم على التفاعل مع مشاريع الخدمة المدنية التّطوعيّة في حَمَلات البناء والتوعية وبرامج الرّعاية والتنظيف، ومشاريع الإغاثة الإنسانية بعامةٍ، فهذا هو ما سينقل المجتمع فعلياً من حالة الضمور والاضمحلال الاجتماعي والمدني إلى بحبوحة الرّقي والتَّمدُّن والتحضُّر، لذا وجب أن يتأكّد العاملون في مختلف تلك المجالات من منظمات ومؤسسات من حيازة عوامل القدرة على نشر ثقافة النّضال المدني العملية ماديا ومعنويا وتوافر مقومات ذلك لديهم.

2-      على المستوى "الرَّسمي"، فإنَّ على المجلس الوطني الانتقالي أن يؤكّد عملياً على أهمية هذا النوع من الثقافة لا أن يكون بعضُ أعضائه أوّل مَن يجهل أهميتها حين يغفلون عن تعزيز الروح الوطنية لدى الناس! تحريكاً للطاقات الكامنة وتعزيزاً لأبعاد المواطنة الإيجابية، وبالتالي فإنَّ عمل المجلس الوطني من خلال الهيئات والجمعيات المعنية على بناء النموذج المدني الواعي بظروف المرحلة ومتطلباتها، المؤمن بالعمل الوطني الجاد، الذي يُعتبر أقوى دعمٍ له على تحقيق الأهداف المرحلية المطلوبة منه، والتي هي سبب قيامه أساساً.

أعتقد أنه يكفينا رَمْياً لِلكرةِ في مَلاعِب الآخرين، والتَّركيز على طلب المساعدةِ من الآخرين، يجب أن نفرض أنفسنا، سواء في مرحلة التحرير أم البناء، فليبيا قضيتنا الليبيين، هم من بدأها وهم من ينهيها، مطلوبٌ أنْ يَتعَاضد الجميع من المجلس الوطني ومنظمات مَدنيَّةٍ مَعنيّة، ومع كافة الأطراف الأخرى بالداخل والخارج، على نشر وتَرْسيخ مفهوم وثقافة النِّضال الوطني وسلوك الخدمة المدنية بين الجميع، ويمكن وضع آليات وخطوات عمل اِجرائيّة مِن قِبَلِ لِجانٍ مُخّتصّةٍ تُطبَّقُ على الواقع لِنقل المجتمعِ إِلى حَاضِنة التَّمَدُّنِ كغيرهِ مِنَ الْمُجْتمعَاتِ، وبخاصةٍ أنَّ المجتمع قد قدَّمَ الكثير مِن التّضحيات وصبر على مِحَنٍ جمَّةٍ، لذا فإنّه يَستحقُّ أنْ يُعطَى فرصته ليتذوق طعم الحرية التي ضَحَّى لأجلها ودفع فواتيرها مِن دماء أبنائه وفلذات أكبادِه، لا يجوز بحالٍ الحيلولة دونهم ودون أن يعيشوا تلك الحرية واقعا ملموساً ويُعايشونَ فيه معاني الحرية والعزة والكرامة.


د. فتحي خليفة عقوب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق