الاثنين، 16 مايو، 2011

عبدالعزيز طاهر : الذئب ولسان حال القذافي



تَرَكتُ ضأني تَوَدُّ الذئب رَاعيها * وأنها لا تَراني آخر الأَبد     
الذئب يَطرُقها في الدهر واحدة * وكل يوم تراني مُدْيَةٌ بيدي

         لم أكن أتوقع يوما أن يكون الذئب أرحم من الراعي على رعيته، ولم أكن أتصور لحظة بأن تستنجد الأغنام بالذئب خوفاً من راعيها كونه يخاف على رعيته أكثر من أي شيء آخر؛ فما بالك بأن يكون الذئب؟!
      لم ولن يكون الذئب هو الرحيم العطوف على الأغنام إلا في ليبيا؛ فبعد كل هذه المجازر التي ارتكبها _ومازال يرتكبها_ القذافي ضد الليبيين (رعيته)- ولا أقول شعبه - تذكرت هذه الأبيات ،التي استدرجتني إلى ذلك الأعرابي الذي كان يتفاخر بكرمه وكثرة الذبح لضيفه. لكن  الحال هنا  بالعكس تماماً ؛ فقد عبرت هذه الأبيات أصدق تعبير عن حالنا مع هذا المعتوه، حتى غدونا نستغيث بالغرب من ذلك الرئيس بل الملك ملك ملوك إفريقيا  كما يدعي ، الذي قتّل العباد وأكثر في الأرض الفساد ويتَّم الأطفال واغتصب النساء، وأهلك الحرث والنسل ، فلم يسلم من جرائمه الصغير و لا الكبير، ولا الشيخ ولا المعاق . حتى الحيوانات كانت هدفا لتسلية كتائبه، بل ذهب إلى أبعد من هذا،  فهدّم المساجد وأسقط المآذن، و عطل الآبار وسمَّمها وزرع الألغام، وعاث في الأرض الفساد.


   و لعلّ أصدق ما قاله القذافي الابن إن ليبيا ليست تونس أو مصر، وإن القذافي ليس بن علي ولا مبارك ؛ إذ قال له شعبه ارحل فأبى أن يكون من الراحلين، و خرج علينا بخطاب خشبي أجوف، وعنتريات صبيانية ، وأخذ يرغي ويزبد، ويتوعد بحرق كل شيء ،وأن يجعل ليبيا جحيما  مستعراً . و كشر عن أنيابه، وتوعد بحرب لا هوادة فيها، وبزحف أممي ( مقدس)، وتطهيرٍ شاملٍ لكلِ بيتٍ وشارعٍ وزنقة؛ (خطاب زنقة زنقة الشهير)، ورد الثوار قائلين إن أقصى ما يمكن أن تفعله بنا تفريق أرواحنا عن أجسامنا، بعد أن قتلت فينا روح الوطنية والانتماء لهذا التراب الغالي،  ولن تعود ليبيا أبداً إلى ما قبل السابع عشر من فبراير .

     وسرعان ما تحولت ثورة السابع عشر من فبراير، والتي بدأت بمظاهرات سلمية مطالبة بحقوق اجتماعية واقتصادية، ورفضٍ لطاغية جثم على صدر الوطن لأربعة عقودٍ ونيف ، سرعان ما تحولت إلى مواجهات مسلحة مع قوات القذافي المدججة بأسلحة تستعمل عادة ضد الآليات الطائرات لا البشر.
      وتفننت كتائبه في قتل المدنيين وتهديدهم وترويعهم بكل ما أوتيت من قوة، واستخدمت في ذلك الأسلحة البرية والبحرية والجوية، و ضد من؟ ضد شعبٍ أعزل لم يحمل السلام يوماً، اللهم إلا سلاح العزيمة والإيمان القوي بحريته وكرامته المهانة ، وكانت العاقبة للمجاهدين، كما كانت من قبل، ضد أعتى قوة في ذلك الوقت. تلك القوة الفاشية التي نصبت المشانق في كل شارع من شوارع ليبيا على أمل تركّيع شعبنا وإذلاله  كما يفعل القذافي اليوم، ولكن الشعب قال كلمته وأنّا له ذلك؟! 
     هذا الشعب الذي ذاق الأمرّين طيلة الأربعين سنة ، فكانت سنين حكمه كسنين يوسف؛ فقر وجهل، وتهميش ووعود زائفة ووعيد وتخويف وتهديد، فوصفهم بأحقر الأوصاف، بالجرذان تارة والمهلوسين الضالين الخارجين على ما اعتاد عليه تارة أخره.
    لم يتصور هذا الحاكم الفرد، الذي يرى في نفسه رسول الصحراء وعميد الحكام وملك الملوك... _والألقاب أكثر من أن تحصى_ أن يثور عليه شعبه، بعد أن كمم أفواههم بالحديد والنار.لقد كانت خطبته العصماء الشهيرة واضحة جدا خاصة عندما سأل نفسه: من أنتم؟ وأجاب بكل تكبر وغرور أيها الجرذان ؟! نعم نحن جرذان بالنسبة له لأكثر من أربعين سنة  ،يشهد الجميع تلك النظرة المتعالية والرؤية الفوقية  التي تسيطر على (الرجل) ألم يؤلف تحيا دولة الحقراء؟ ألم يمسح كل ما يعارض كتابه المزعوم؟ ألم يقتل كل من يشكك في نظريته الفذة ومنهجه الفريد؟! إذا جنون هذا الرجل لا يخفى على سويّ ولا يغيب على عاقل.   
     هذا الجنون الذي وصل بصاحبه إلى مرحلة التأله والربوبية ، وعلّ الشعار الذي يرفعه مؤيدوه أكبر دليل على ذلك، فجاءت مرتبته بعد الله وقبل الوطن ، فهو_ عندهم _الصقر الأوحد والمعلم الأول، وهو النور الذي لولاه ما بزغت الشمس (كما يدندن محمد حسن)، بل هو المعلم والملهم والمجد والزعيم _كما يزعم_ والرسول كما قالها، ويصر عليها دونما استحياء في محاولة منه صريحة لأن يحشر نفسه في زمرة الأنبياء والرسل حينما سئل : أنت من البادية فهل كنت ترعى الغنم؟!! فأجاب _وبكل وقاحة _ما من نبي إلا وقد رعى الغنم. . فجنونه إذا لا يستحق الدليل والشرح، أو كما يقول المتنبي:
 وليس يصحُ في الإفهام شيء... إذا احتاجَ النهارُ إلى دليل.
    وبلغت ردة فعل القذافي ضد شعب أعزل مصمم على انتزاع حقوقه، حداً من الوحشية، دفع الليبيين إلى طلب التدخل الدولي لحماية المدنيين، من بطش آلة عسكرية تقودها عقلية العصابة المدفوعة بروح الانتقام وجنون العظمة، والتلذذ بتعذيب المدنيين دون رحمة أو شفقة ، حتى لا يدع مجالا للشك بأنه ليس من أصل    عربي أو حتى مسلم ، حتى وفصه البعض باليهودي المندس،و حامي حمى إسرائيل، بل ذهب آخرون  – وهو الأرجح في رأيي-  إلى أنه من حزب كاهانا اليميني المتطرف، الذي كان يتهم شارون  بأنه متعاطف مع الفلسطينيين،وهو من  فعل بهم  ما فعل.
     ومهما يكن من أمر، فإن شأن القذافي شأن الهالكين من قبله، الذين ضرب الله بهم الأمثال، وجعلهم عبرة وآية، إلا أن الفارق بين أولئك الطغاة و القذافي أنهم لم يقتلوا شعوبهم ولا أبناء أوطانهم ؛ فهتلر النازي حرق (اليهود) من أجل ألمانيا، وكذلك ستالين الشيوعي  قتل المسلمين وشردهم وهجرهم وقطع أوصالهم من أجل أمن واستقرار الاتحاد السوفيتي، و موسليني الفاشي  فعل بالليبيين أشنع الجرائم، ونصب المشانق في كل شارع من شوارع ليبيا ، حتى تسود الفاشية وتنتصر إيطاليا ، فهؤلاء _إلى حد ما_ لا نلومهم لسبب واحد أنهم يرتكبون جرائمهم تحت غطاء الوطن، أما القذافي فبالطبع لا؛ فهو يرى ليبيا مزرعة ورثها عن أجداده  لا نقاش فيها ، أما الشعب الليبي المسكين فهم أغنامها ودوابها ، يذبحها متى شاء وكيفما شاء، بدك أعناقهم كأعنف جزار عرفته البشرية. فجاءت النهاية المأسوية لأولئك الطغاة بمثابة نذير له يهتف في أذنه، وتخبره أن لكل طاغية جبار نهاية، ولكن إن في صدورهم إلا كبرٌ ما هم ببالغيه.




هناك تعليقان (2):

  1. بارك الله فيك ياعبدالعزيز على هذه الكلمات المعبره فعلاً عن واقع وطناً الحبيب الذى حاول القذافى نزع الروح الوطنية منا خلال 42 عام ولكن ان شاء الله راجعون بعد هذه الثورة المباركه.ومزيداً من العطاء ياعبدالعزيز لاننا فى هذه الايام نحتاج الى كتابتكم المعبرة لاحياء روح ليبيا الجديدة.صديقك على البكوش

    ردحذف
  2. بارك الله فيك ياعبدالعزيز على هذه الكلمات المعبره فعلاً عن واقع وطناً الحبيب الذى حاول القذافى نزع الروح الوطنية منا خلال 42 عام ولكن ان شاء الله راجعون بعد هذه الثورة المباركه.ومزيداً من العطاء ياعبدالعزيز لاننا فى هذه الايام نحتاج الى كتابتكم المعبرة لاحياء روح ليبيا الجديدة.صديقك على البكوش

    ردحذف