الأحد، 1 فبراير 2026

حرب القانون في ليبيا: كيف أصبحت المطرقة أقوى من السلاح؟

 



عندما يفكر معظمنا في الصراع الليبي، تتبادر إلى الذهن صور الميليشيات المسلحة، والانقسامات السياسية العميقة، والتدخلات الخارجية. لكن منذ عام 2021، تحولت المعركة بهدوء. لم يكن هذا تحولًا عرضيًا، بل كان انعطافًا استراتيجيًا متعمدًا من قبل الأطراف السياسية التي، بعد أن فشلت في تحقيق نصر حاسم في ساحة المعركة، سعت إلى تسليح المؤسسة الوحيدة القادرة على منح سلطتها غطاء الشرعية: القضاء.
نشهد اليوم ما يمكن تسميته بـ "حرب القانون" (Lawfare)، وهي مرحلة جديدة انتقل فيها الصراع من "شرعية البندقية" إلى "شرعية المطرقة". أصبحت المؤسسة القضائية، التي كانت يومًا الحصن الأخير للدولة، هي الأداة الرئيسية التي يستخدمها الفاعلون السياسيون لفرض أجنداتهم وتحقيق مكاسب عجزوا عن تحقيقها بالسلاح.
في هذا المقال، سنكشف عن خمس لحظات حاسمة شكلت ملامح هذه الحرب الخفية، وحولت القضاء الليبي إلى ساحة الصراع الأهم في البلاد.




1. دستور مؤقت أصبح "دستور الأمر الواقع"
حجر الزاوية في الأزمة القانونية الليبية هو وثيقة ولدت لتكون مؤقتة. ففي 3 أغسطس 2011، صدر الإعلان الدستوري كوثيقة انتقالية قصيرة المدى لإدارة البلاد بعد الثورة. لكن بعد مرور أكثر من 14 عامًا، لا يزال هذا الإعلان هو "دستور الأمر الواقع" في ليبيا.
المشكلة الأكبر تكمن في أن هذه الوثيقة عانت من "سيولة تعديلية" مفرطة، حيث تم تعديلها أكثر من 13 مرة. هذه التعديلات لم تكن نابعة من رؤية تأسيسية متماسكة، بل كانت ردود فعل على أزمات سياسية. وهذا حوّل الوثيقة القانونية التأسيسية للبلاد إلى أداة سياسية تكتيكية، يتم تعديلها ليس لبناء دولة، بل لكسب معركة اليوم. وكان التعديل السابع في مارس 2014 بمثابة "نقطة بداية" الأزمة الدستورية الكبرى التي لا تزال ليبيا تعيش تداعياتها.
2. "زلزال 2014": الحكم القضائي الذي قسم البلاد
في 6 نوفمبر 2014، وقع "زلزال" قضائي هز أركان الدولة الهشة. أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا حكمها التاريخي الذي قضى بعدم دستورية الانتخابات التي أفرزت مجلس النواب. كان هذا الحكم بمثابة الشرارة التي أشعلت انقسامًا مؤسسيًا لم تلتئم جراحه بعد.
كانت التداعيات السياسية فورية ومدمرة. رفض مجلس النواب المنتخب حديثًا الحكم، واعتبره باطلاً لأنه صدر "تحت تهديد السلاح". وبهذا الرفض، وُلدت شرعيتان متنافستان في البلاد: شرعية برلمان منتخب يرفض حكم القضاء، وشرعية قضاء يرى أن البرلمان غير دستوري. هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل كان شرخًا مؤسسيًا كاملاً لا تزال ليبيا تدفع ثمنه حتى اليوم.





3. حين قرر القضاء "تجميد العدالة" بنفسه
في خطوة مفاجئة، قررت الجمعية العمومية للمحكمة العليا في عام 2016 تعليق عمل الدائرة الدستورية. المبرر الرسمي كان "النأي بالنفس عن التجاذبات السياسية"، في محاولة لتحصين القضاء من الاستقطاب الحاد.
لكن النتيجة كانت عكسية تمامًا. فغياب الرقيب الدستوري خلق فراغًا هائلاً سمح للسلطة التشريعية بالعمل دون حسيب. استغل مجلس النواب هذا الفراغ على مدى سنوات، وبدأ في إصدار قوانين جدلية ومصيرية وهو في حالة من "الإفلات التشريعي من العقاب"، مدركًا تمامًا أنه لا توجد جهة قادرة على الطعن في دستورية قراراته. لقد كان قرار "النأي بالنفس" بمثابة فتح الباب أمام سيطرة السياسة على القانون.


4. خطة البرلمان المحكمة: هندسة "الكيانات الموازية"
عندما قررت المحكمة العليا إعادة تفعيل الدائرة الدستورية في أغسطس 2022، كان رد فعل مجلس النواب، بقيادة عقيلة صالح، سريعًا ومدروسًا. فبدلاً من المواجهة المباشرة، اتبع البرلمان استراتيجية محكمة من ثلاثة أبعاد تهدف إلى تحييد القضاء بشكل كامل:
• السيطرة على "عقل القضاء": مرر البرلمان قوانين تهدف إلى تعديل رئاسة المحكمة العليا والمجلس الأعلى للقضاء، في محاولة للتحكم في قمة الهرم القضائي.
• إنشاء محكمة بديلة: أصدر قانونًا لإنشاء محكمة دستورية جديدة وموازية في بنغازي، بهدف سحب الاختصاص الحصري من المحكمة العليا في طرابلس.
• التحصين الدستوري: حاول تضمين هذه التغييرات في التعديل الدستوري الثالث عشر، لجعلها دائمة ومحصنة ضد أي طعن مستقبلي.



5. "الإعدام التشريعي": انتفاضة القضاء التي قلبت الطاولة
في 28 يناير 2026، شهدت ليبيا ما يمكن وصفه بـ "انتفاضة قضائية" تاريخية. ففي جلسة واحدة، وجهت المحكمة العليا في طرابلس "ضربة قاضية" للبنية التشريعية التي بناها مجلس النواب على مدى سنوات. في سلسلة من القرارات التاريخية، فككت المحكمة بشكل منهجي سنوات من التجاوزات القانونية لمجلس النواب:
1. إبطال السيطرة على القضاء: قضت بعدم دستورية القانون رقم 32/2023، المعدل للقانون رقم 11/2021، الذي منح مجلس النواب سلطة تغيير قيادات الهيئات القضائية.
2. إلغاء العفو العام: أبطلت قانون العفو العام المثير للجدل رقم 6/2015، مما يفتح الباب مجددًا أمام محاكمة المتورطين في جرائم.
3. إحياء قرارات المؤتمر الوطني: ألغت قرار مجلس النواب بإلغاء القوانين التي أصدرها المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق)، وأعادت تفعيلها.
جاءت هذه الأحكام بعد أن كانت المحكمة قد حذرت بلهجة شديدة في بيان لها في ديسمبر 2025 من محاولات البرلمان.
حذرت المحكمة من أن عقيلة صالح "يهدم ركن العدالة" ويجر البلاد إلى "فوضى قانونية"، مؤكدة أن باب الطعون سيظل مفتوحاً لردع التجاوزات.
نتيجة "حرب القانون" هذه هي واقع أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. تعيش ليبيا اليوم في حالة من الشلل المؤسسي التام، أبرز معالمه "معضلة الرأسين" بوجود رئيسين متنافسين للمجلس الأعلى للقضاء. هذا الانقسام القضائي يخلق حلقة انتخابية مستحيلة؛ فالمرشح الذي يتم استبعاده من قبل محكمة في طرابلس يمكن أن تتم إعادته للسباق من قبل الهيكل القضائي الموازي في بنغازي، والعكس صحيح. مع عدم وجود حكم نهائي واحد، فإن أي نتيجة انتخابية ستكون عرضة للطعن إلى ما لا نهاية، مما يجعل عملية التصويت نفسها بلا جدوى.
لقد أغلقت الحلول القانونية أبوابها، وأصبح القضاء نفسه جزءًا من المشكلة لا الحل. يضع هذا الوضع البلاد أمام خيارين فقط.
ليبيا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تسوية سياسية شاملة تعيد بناء العقد الاجتماعي، أو الانهيار المؤسسي الشامل.
يبقى السؤال الأهم: بعد أن أغلقت الحلول القانونية أبوابها، هل يملك الفاعلون السياسيون في ليبيا الإرادة لاختيار التسوية قبل فوات الأوان؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق