الاثنين، 28 مارس، 2011

ثورة 17 فبراير وإعادة بعث الشعب الليبي بعد الموت.


ثورة 17 فبراير وإعادة بعث الشعب الليبي بعد الموت.
إبراهيم محمد طاهر. 
في عالمنا العربي، وفي العالم كله، نجد انتشار انطباعات عن الشعوب في أذهان الناس، أنماط معينة يحكم بها الناس على من يقابلونه من هذه البلاد، أو من تلك المدينة، أو حتى من ذلك الحي، ولعل من أشهر هذه الصور: صورة المصري صاحب النكتة، وشديد الفخر بمصر، وصورة اللبناني المُتحضر، مُرهف الإحساس، وصورة اليمني بخنجره الأصيل، وصورة الفلسطيني المكافح على الدوام... وغيرها الكثير... تصوراتٌ كثيرة، بعضها صحيح مُشرِّف، وكثيرها تعميمٌ ظالم... ومع ذلك تبقى صورةً يبني عليها المرء توقعاته حين يقابل أحد أبناء هذه الشعوب.


    ولكن، ومع انتشار هذه الظاهرة، فالعالم العربي – بل العالم كله – لم يكن لديه أي فكرة أو تصور عن شعب ليبيا وطبيعته. لم يكن أحد يتوقع نمطاً معيناً من التصرفات حين يقابل أحدنا: لم يكن يترقب علماً أو جهلاً، تحضراً أو تخلفاً، تطرفاً أو انفتاحاً... لا شيء... لأن العالم لم يكن لديه أي فكرة عن شعبنا ليقيس تصرفاتنا عليها. نحن الليبييون كنا لغزاً مُبهماً، لم يكن لنا أي وجود في أذهان العالم، كنا فقط علامة استفهام تقع بين مصر وتونس. حتى لهجتنا المحلية غير معروفة. كل ما يعرفه الناس عن ليبيا كان ثلاثة أشياء: عمر المختار، النفط، والسفاح المجنون – الذي لا نتجرأ على ذكر اسمه في نفس السياق مع شيخ الشهداء عمر المختار. هذا كل ما يعرفه العالم عن ليبيا، ولا يعرفون عن شعبنا شيئاً: هل هم عرب؟ هل هم مسلمون؟ هل هم أفارقة؟ هل يتحدثون الإيطالية؟ هل يستحمون بالنفط، ويمشون على شوارعٍ من ذهب؟ لغزٌ صعب، استمر لمدة 42 عاماً…

    ولكن الآن تغير الوضع... وصلت ثورة الشعب إلى ليبيا، ووُلدت ثورة 17 فبراير، واقتدى الشعب الليبي بثورة (الياسمين) في تونس، وبثورة (التحرير) في مصر، ولكن – وللأسف – لم توصف ثورة شعب ليبيا بأسماء رومانسية، بل اشتهرت بكلمات مثل: (الميم-طاء)، (المرتزقة)، (المدفعية)، (الطائرات)، وتهديدات القذافي بالإبادة (زنقة، زنقة)...
    لقد أثبت القذافي للعالم كله شهوته للدماء بشنه حرباً شاملة على شعب ليبيا، وارتكب من البشاعات ما يُبكي العدو قبل الصديق. ارتكب في حق الشعب الليبي جريمة قتل جماعي مع سبق الإصرار والترصد... إبادة خطط لها وجهز لها العدة منذ 42 عاماً... لا توجد مؤسسات سياسية، لا يوجد جيش نظامي مستقل، لا توجد حتى هيئات إنسانية أو خيرية، حتى الدين يُقيده بالرعب والاضطهاد... القذافي تعمد تحويل ليبيا إلى سجن كبير، لا يوجد فيه شيء يستطيع الشعب الاستناد إليه... مجرد مقبرة عميقة، يعيش فيها الشعب وسط قبورهم، ويتشوقون لراحة الموت...

    ولكن القذافي، حين أراد نحر عنق الشعب الليبي والتضحية به في سبيل الدكتاتورية، لم يعلم أن أسطورة العنقاء ليست مجرد خرافة؛ لم يعلم أنه بقتله الشعب ساهم في إعادة بعثه، لم يُدرك أن شوق الليبيين للموت كان في الأصل حبهم للحياة، لم يفهم أن الشعب يجد الحرية، الاستقلال، الحياة، كلها يجدها بالموت...
    وعبر كل هذه المجازر، عبر كل هذه الدماء، انبعث الشعب الليبي كالعنقاء، انبعث عبر الرماد، وأثبت للعالم كله أنه موجود... انبعث من محرقة القذافي، وحلق نحو علياء الحرية.

    العالم كله أصبح يعرف الشعب الليبي، العالم كله أصبح يدرك حقيقة الشعب الليبي؛ فلأول مرة يتمكن العالم من رؤية الشعب الليبي على حقيقته عبر ثورة 17 فبراير... العالم كله عرف شجاعة الشعب الليبي الذي لم يتراجع أمام الرصاص ومضادات الطائرات، بل تزاحم على الصفوف الأمامية بصدورٍ عارية. العالم كله أصبح يُدرك أن عمر المختار لم يكن مجاهداً نادراً في تاريخ ليبيا، فقد أيقن العالم أن الليبيين كلهم عمر المختار – عمر المختار لم يعد مجرد ضريح لشعب ضائع، وشيخ لشهداء كفاحٍ يائس، بل أدرك العالم أنه جزء لا يتجزأ من روح ليبيا، ليس ضريحاً للماضي، بل نصباً معاصراً للشعب الليبي. العالم أصبح يُدرك أن الشعب الليبي شعب صبور، تحمَّل محنة السجن لمدة 42 عاماً، رزح تحت التعذيب في الزنزانة رقم 1-9-1969 لأربعة عقود، ولكنه لم ينكسر أبداً، واقتحم الشعب ظلمات زنزانته وفاجأ العالم كله برفع علم الاستقلال تحت شمس الكفاح، أخرج هذا العلم الذي كان يحفظه في سويداء قلبه – هذا التذكار لقصة حب اُجهضت في بدايتها حين اختطف القذافي ليبيا من شعبها – وأعلن الشعب للعالم كله أنه لم ينسى أبداً حبه لليبيا، ولن ينسى أبداً. العالم كله أدرك أن صمت الشعب الليبي لم يكن خضوعاً، بل كان موتاً، كان دعاء سر، صلاة جنازة – استعداداً لإعادة البعث. العالم كله أصبح يعلم أن الشعب الليبي قوي، متينٌ لا ينكسر، حتى وإن رماه الطاغية بكل ما يملك من قوة، فالشعب يزداد قوةً، ويعلو أكثر فأكثر حتى لم يجد القذافي المسعور مفراً من محاولة الوصول إلى الشعب بالطائرات، ومع كل هذا الحقد الأعمى، مع كل هذه القوة الهمجية، لم ينكسر الشعب الليبي، لم ينكسر في بنغازي، ولا البيضاء، ولا الزنتان، ولا إجدابيا، ولا مصراته، لم يستسلم أبداً، بل انكسرت عليه كل أسلحة القذافي. العالم كله أدرك أن الشعب الليبي لا يبيع شرفه، ولا تُشترى وطنيته بالمال والرشاوى. العالم كله أدرك أن الشعب الليبي شعب إنساني متسامح، تقبل كل من انضموا إلى الثورة، وكل من استسلموا لها، بصدورٍ ليبية واسعة، وبتعاملٍ إنساني رحيم. العالم كله أصبح يعلم أن الشعب الليبي شعب مُتحضر، مُتمدن، فلأول مرة في التاريخ يشهد العالم هذا التنظيم السريع لثورة شعب، هذا التنظيم الذي بلغ ذروته بتكوين مجلس وطني انتقالي في غضون أسبوع أو أسبوعين من انتفاضة الشعب، وهي سابقة تاريخية لا مثيل لها وسط التاريخ الفوضوي للثورات... العالم كله أصبح يعرف حقيقة الشعب الليبي النبيل.

    والآن، وبعد انبعاث الشعب الليبي عبر الدماء والرماد، بعد قيامته من الموت بثورة 17 فبراير، أصبحت صورة الإنسان الليبي واضحةً الآن، أصبح العالم كله – العربي قبل الأجنبي – يعلم حقيقة الشعب الليبي، وماذا يجب أن يتوقع من أبناء ليبيا. بعد عقودٍ من غموض هوية مجهولة، اكتشف العالم بطولة شعبنا الأبي، وتاريخنا النبيل، وحفِظ أسماء مُدننا الحبيبة.
    لم تعد ثمة حاجة لتحسين صورة الإنسان الليبي في الخارج أو حتى لمحاولة نشر أي صورة عن الليبيين. العالم لم يعد يسألنا عن بلادنا وشعبنا؛ فالعالم استبدل الأسئلة بالاحترام، لم يعد الناس يقولون: (أنت ليبي؟؟) بتعجبٍ وفضول، بل أصبحوا يقولونها بإجلال (أنت ليبي) أصبحوا ينطقون بها كوسام شرف من الكلمات. وبدلاً من أن يسألنا الناس عن شعبنا بحزن وكأنهم يقرأون الفاتحة ترحماً علينا، أصبح الناس يتأهبون احتراماً ويطلبون مصافحة أيدينا؛ فقط لأننا ليبيون؛ فالعالم كله أصبح يعلم ماذا يتوقع من الليبيين... العالم كله الآن أصبح يعرف الشعب الليبي.

فالحمد لله الذي أحيانا بعد مماتنا، وإليه سبحانه وتعالى النشور.

هناك تعليق واحد:

  1. صح اللسانك علي هدا المقال المشرف لكل الليبين

    ردحذف