حين تتصارع العواصم… تُستَخدم الحروب بالوكالة: حفتر بين الإمارات والسعودية ومصر
بقلم : سعيد القماطي
في الشرق الأوسط، لا تُدار الصراعات بالبيانات الرسمية، بل بالخرائط السرّية وخطوط الإمداد. وما يجري اليوم بين السعودية والإمارات ليس “سوء تفاهم” عابرًا، بل تصدّعٌ استراتيجي ينعكس مباشرة على ساحات مفتوحة مثل ليبيا والسودان، حيث تُستخدم الأطراف المحلية كأدوات نفوذ أكثر منها شركاء قرار.
وفي قلب هذا المشهد يقف خليفة حفتر، لا كقائد ليبي فقط، بل كأحد مفاتيح لعبة إقليمية أكبر مما يحتملها اسمه أو جغرافيته.
الإمارات: من الشراكة إلى إدارة الفوضى
لسنوات، قدّمت أبوظبي نفسها كصاحبة مشروع “الاستقرار الصلب” في المنطقة، لكنها اليوم تواجه كلفة هذا الدور. التباين مع السعودية حول اليمن لم يعد قابلًا للإخفاء، ومعه بدأ الانكشاف:
الإمارات تريد نفوذًا بلا كلفة سياسية، وسيطرة بلا تورط مباشر، وتأثيرًا دون مساءلة.
وهنا تصبح الشخصيات مثل حفتر أدوات مثالية: نفوذ بلا علم رسمي، وسلاح بلا توقيع مباشر، وصراعات تُدار من الخلف.
لكن هذه الاستراتيجية، مهما بدت ذكية، تحمل في داخلها بذور الفوضى.
حفتر… من حليف إلى ورقة ضغط
لم يعد حفتر مجرد “رجل الإمارات في ليبيا”، بل تحوّل إلى لاعب يتقاطع مع ملفات أخطر: السودان، تشاد، الساحل الإفريقي.
وتتقاطع هنا تقارير متعددة – لا يمكن تجاهلها – تتحدث عن دور غير مباشر لقواته في تسهيل وصول السلاح إلى قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، بدعم أو تغاضٍ إماراتي.
حتى لو لم يكن ذلك قرارًا رسميًا معلنًا، فإن مجرد السماح به يكشف حجم الانفلات في إدارة النفوذ.
السؤال الأخطر ليس: هل يدعم حفتر حميدتي؟
بل: من سمح بأن تتحول ليبيا إلى ممر إقليمي للسلاح خارج أي رقابة؟
مصر: الحليف الذي بدأ يضيق صدره
القاهرة، التي طالما دعمت حفتر باعتباره خط دفاع أول عن حدودها الغربية، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مقلقة.
فدعم أي طرف يُسهّل تسليح ميليشيات في السودان يعني تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، خصوصًا في ظل الفوضى جنوبًا والانكشاف الاستراتيجي في البحر الأحمر.
مصر لا تريد كسر تحالفاتها، لكنها أيضًا لا تقبل أن تُدار المنطقة بمنطق “الفوضى المضبوطة”. ولذلك بدأت المسافة بينها وبين بعض تحركات حفتر تتسع، ولو بصمت.
السعودية: انسحاب تكتيكي أم إعادة تموضع؟
الرياض، التي دفعت ثمن المغامرة اليمنية، تبدو اليوم أقل شهية للمواجهات بالوكالة. وهي ترى بوضوح أن انفلات اللاعبين الإقليميين – حتى الحلفاء منهم – يهدد استقرار المنطقة ككل.
من هنا، يصبح الخلاف مع أبوظبي ليس صراعًا على النفوذ، بل على المنهج:
هل تُدار المنطقة بالتحكم من الخلف أم بضبط الإيقاع والتهدئة؟
الخلاصة: المنطقة تُدار بلا بوصلة
ما يحدث اليوم ليس مجرد تباين سياسي، بل انكشاف استراتيجي.
حفتر لم يعد ورقة رابحة، بل ورقة محفوفة بالمخاطر.
الإمارات لم تعد قادرة على التحكم بمسارات كل من دعمتهم.
ومصر تجد نفسها مضطرة لإعادة الحسابات قبل أن تتورط في فوضى لا تخدم أحدًا.
الخطير ليس في تعدد اللاعبين… بل في غياب القواعد.
وحين تُدار الصراعات بلا خطوط حمراء، يصبح الجميع قابلًا للاستخدام، ثم الاستبدال.
في هذا الشرق الأوسط، لا أحد ينتصر… بل الجميع يدفع الثمن لاحقًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق