الاثنين، 3 أبريل، 2017

عبد السلام الراجحي: " فرج نجم " حالة مؤرخ ليبي يزور التاريخ تبعا للسياسة ...




من الطبيعي و المقبول في حالات الانقسام السياسي أن تتغير الآراء السياسية و التحالفات و الاستقطابات، ومن الممكن أن ينتكس وينقلب المثقف و الأكاديمي والنخب على التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان وحرية التعبير ورفض حكم الفرد والعسكر وعودة منظومة الاستبداد. فقد حدث هذا بالكثير من الدول و آخرها دول الربيع العربي بمصر و سوريا و اليمن و ليبيا.

لكن أن يكون الانقسام سببا في تغيير وتزوير تاريخ انتهت أحداثه، وماتت شخوصه منذ عشرات بل مئات السنين ؟ للأسف نعم لقد حدث هذا.

من أيام عدة تم إعادة نشر مقطع فيديو لمحاضرة قديمة للكاتب و الباحث في التاريخ الليبي ” فرج نجم ” ويعتقد أن المحاضرة كانت في عام 2012 بمدينة مصراتة غرب ليبيا.

أثارت المحاضرة جدلا كبيرةا. حيث أن فرج نجم في المحاضرة التي ألقاها بمدينة مصراتة، أثنى وثمن كبار قادة الجهاد الليبي من غرب ليبيا، خاصة من مدينة مصراتة، مثل رمضان و سعدون السويحلي، والدهاء السياسي والعسكري لرمضان السويحلي في مقارعته للاحتلال الإيطالي. و كيف خدع الجيش الإيطالي في ملحمة القرضابية العظيمة. وعقد نجم في تلك المحاضرة مقارنة بين ما قدمه مجاهدي مصراتة في الجهاد الليبي من ملاحم، وبين ما سطروه في سنة ألفين وأحد عشر في مدينة سرت وسط ليبيا، التي حاصروا فيها القعيد الراحل معمر القذافي، ثم قتلوه. مخلصين ليبيا من أعتى وأندر الحكام الشموليين الذين عرفهم التاريخ.

إلى هنا والأمر طبيعي ولا مفارقات فيه، فالكثير من المؤرخين تكلموا عن الفترة التاريخية، سواء بشكل منفرد، أو بعقد مقارنة بين فترة تاريخية وأخرى.

إلا أن الأمر غير الطبيعي هو تغير ري ” فرج نجم ” بسبب الانقسام السياسي، وليس بسبب اكتشافات أو أبحاث تاريخية جديدة، تدحض تلك النظرية أو تعلي من شأن هذه.

فقد تحول المجاهدين بالغرب الليبي و قادته العظماء بين عشية وضحاها الي “باندات “, و الباندات هم قوة رديفه للجيش الإيطالي “Banda” هي كلمة إيطالية وتعني عصابة، وعناصرها من الليبيين الذين تعاون مع إيطاليا في مقاتلة المجاهدين مقابل المال و النفوذ.



لم يقف “فرج نجم” عند هذا الحد من التزييف والتزوير، فالرجل زاد في شططه ليصف أبناء و شركاء الوطن بمدن الغرب الليبي بالمستعمر” الإنكشاري” و الإنكشارية هي قوة عسكرية عثمانية .

وبسبب من هذا الانقسام السياسي أيضا، وصف الحكم العثماني بأنه استعمار. وأضحى يقص أساطير المعارك بين الليبيين و قوات الجيش العثماني.

هو فرج نجم ذاته الذي كان سابقا يصف التدخل التركي في ليبيا بأنه جاء لتحرير الشعب الليبي من فرسان مالطا و الإسبان. بل كان من أشد المدافعين عن الدور العثماني في ليبيا. وكان يقول إن الأتراك أتوا لليبيا ليس كاستعمار أو احتلال، بل جاء العثماني بطلب أهل البلاد لنجدتهم من الصلبيين، وأن المؤرخين بدول المشرق العربي خصوصا المسحيين هم من شوهوا التاريخ العثماني العظيم بالمنطقة العربية. وأن العثماني جاهد ولأخر لحظة لصد العزو الإيطالي لليبيا .

أما عن الحركات الإسلامية فقد كان “فرج نجم” أكثر الداعمين فكريا لحركة الإخوان المسلمين.

فقد كان دائم المديح لها ووصف مشروع جماعة الإخوان بأنه هو الأفضل في الساحة العربية، وكان دائما يفتخر بالنجاح الكبير للإخوان بتركيا و ماليزيا، ودائم التقرب إلى رئيس حركة النهضة التونسية ذات المرجعية الإسلامية، راشد الغنوشي.” و كان يصفه بالشيخ و المجدد للمشروع الإسلامي الوسطي.

أما الأن فهو يصنف الإخوان كجماعة إرهابية، بعد الانقلاب الذي أعلنه اللواء المتقاعد خليفة حفتر بمدينة بنغازي في مايو 2014.

نجم المؤرخ والمقيم في أحد ضواحي العاصمة البريطانية لندن، كان من كبار المستفيدين من المشروع الإصلاحي ” ليبيا الغد ” الذي يقوده نجل العقيد الراحل معمر القذافي ” سيف الإسلام ” وقد كانت له مساهمات فكرية وتنظيرية عدة ضمن أدوات هذا المشروع.

أما اليوم فهو يصف مشروع الغد بأنه مشروع توريث، ويصب اللعنة على من كل شارك فيه ولو بنصف كلمة.

يجب وضع النتاج الفكري لفرج نجم على المسطرة الأكاديمية البحثية.

فرج نجم الذي سطع نجمه بتقمصه دور المؤرخ في العديد من كاتباته في السابق، إلا أن مواقفه الأخيرة تكشف عن انحيازه وليه لنصوص التاريخ حسب وجهته السياسية، وهذا بدوره يطعن في كل ما يصدر عن نجم أو غيره الذين بسرعة كبيرة ينحازون سياسيا.


اعتقد أن التغير الكبير في مواقف نجم هي حالة جماعية لكثير ممن يتصدر المشهد الإعلامي في الشرق الليبي. وهم يقتاتون على هذا الخطاب المزيف. فقد استطاع الكثير مما استخدموا الخطاب الجهوي و استعطاف المواطن بأن برقة الشرق مهمشه و مظلومة للوصول للسلطة. وكانت أخر شطحاته “نجم ” هي طلبه المستمر بإيقاف إنتاج وتصدير النفط من الموانئ و الحقول بالشرق، بسبب أن إيراداته تذهب لغرب ليبيا. وهنا يجب الإشارة إلى أن تم تكليف نجم بتوطين مجلس النواب الليبي في مدينة بنغازي، بعد انتخابات يونيو/حزيران 2014. وهذا لم يحدث إلى يومنا هذا رغم تحويل مبلغ يقدر بقرابة 25 مليون دينار ليبي. لا يُعرف على وجه الدقة في أي اتجاه ذهب، وفي أي حساب بنكي استقرت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق