عبدالسلام الراجحي : بنغازي لم تتعافى بعد




العصية” أو “رباية الذايح ” كما يحب أبنائها تسميتها،  ليست  استثناءً  في الانفلات الأمني  الذي يعصف بالكثير من المدن الليبية.  “بنغازي تتعافى” هذه القناعة التي تعمل على ترسيخها المؤسسات الإعلامية الداعمة لعملية الكرامة. حيث يعمل هذا الإعلام على إظهار بنغازي واحة الأمن والأمان، وإقناع المواطن الليبي أن عملية الكرامة نجحت في ضبط الأمن بعد فشلها في السيطرة على المدينة بالكامل. وفي رصدي لعدد ست قنوات فضائية موالية للواء المتقاعد خليفة حفتر وعملية كرامته، وهي ” ليبيا الحدث – ليبيا روحها الوطن – ليبيا 24- ليبيا 218 – ليبيا الإخبارية – المستقبل” وجدت أنها لا تسلط الضوء على الاختراقات الأمنية وحالات القتل والخطف خارج نطاق القانون والإخفاء القسري، رغم تواجد مكاتب لها في بنغازي ومراسلين. المؤسسة الإعلامية الوحيدة التي تناولت وعلى استحياء هذا الانفلات الأمني هي مؤسسة “بوابة الوسط” التي يملكها ويديرها وزير الاعلام بالمكتب التنفيذي خلال الثورة والإعلامي ” محمود شمام ” ورغم أن بوابة الوسط ومالكها من أكثر الداعمين لعملية الكرامة، إلا أن ذلك لم يغفر لها، فقد قامت المكينة الإعلامية التابعة لحفتر بالتحريض على صحيفة بوابة الوسط، إذ اتهم الإعلامي فرج بورجعية على قناة “الرسمية” التابعة لعملية الكرامة، الصحيفة بدس السم في العسل. حسب وصفه. وبالفعل خلال 48 ساعة وبدون أي إجراء إداري قانوني، تم منع توزيع الصحيفة بجميع المدن التي تسيطر عليه قوات عملية الكرامة في شرق ليبيا.

فرج بورجعية، رغم أنه لم  يكن إعلاميا في السابق، إلا أنه كان له برنامج شبه يومي على قناة ليبيا الرسمية التابعة لهيئة الإعلام بحكومة مجلس النواب. منذ شهر تقريبا وفي مدينة طبرق شرق ليبيا تم إيقاف راديو الوسطfm  التابع لمؤسسة الوسط  بجميع المدن التي تسيطر عليه قوات حفتر، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقط ، فقد استحوذت هيئة الإعلام والإذاعة التابعة لعملية الكرامة على مرسلة وتردد راديو الوسط. حسب ما صرح به مالكه محمود شمام على صفحتيه في التوتير والفيسببوك. المفارقة أن راديو الوسط يبث بشكل طبيعي في العاصمة طرابلس وسبها ومصراتة وعدد من مدن الغرب الليبي التي لا تسيطر عليه قوات خليفة حفتر.

إذا بنغازي كانت مدينة آمنة والوضع فيها مستقر، فلماذا لا يستقر ديوان مجلس النواب ويباشر أعماله وجلساته من المدينة؟! فبحسب مخرجات لجنة فبراير التي ولد منها البرلمان، وأيضا الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات المغربية في السابع عشر من ديسمبر/أيلول، فإن مجلس النواب مقره هو مدينة بنغازي، وليست طبرق أقصى الشرق الليبي، حيث يتمتع رئيس البرلمان عقيلة صالح بغالبية قبلية، فثلث سكان طبرق تقريبا من قبيلة “العبيدات” التي ينتمي إليها رئيس البرلمان. المفارقة الأخرى الأشد غرابة أن مجلس النواب وإلى يومنا أن مجلس النواب مطبوع في أوراقه الرسمية اسم مينة بنغازي كعنوان لمقره.

وبما أن  بنغازي أحوالها الأمنية أفضل من العاصمة طرابلس -حسب زعم عملية الكرامة- فلماذا لا يتم إعادة تفعيل المؤسسة القضائية بالمدينة المتوقفة منذ أكثر من ثلاثة سنوات. مقارنة بمدن طرابلس والبيضاء ومصراتة وغريان التي تعمل فيها المؤسسة القضائية. صحيح ليست بالشكل المطلوب لكنها مازالت تعمل.

والطريف في الأمر  أن الآلة الإعلامية لعملية الكرامة دائما ما تصف حكم الدائرة الدستورية في المحكمة العليا بالعاصمة طرابلس، الذي قضى ببطلان انتخابات مجلس النواب، تصفه بأنه فُرض من قبل المليشيات، وفي نفس الوقت تجدها مهتمة جدا  بأحكام  قضائية صادرة من محاكم طرابلس التي تتماشى مع أجندتهم السياسية. بل ويطالب مقدمي برامج وضيوف قنوات عملية الكرامة، بضرورة التنفيذ  الفوري واحترام القضاء. وكان أخرها حكم قضى محافظ مصرف ليبيا المركزي، وآخر أوقف تنفيذ مذكرة التفاهم بين رئاسي الوفاق الليبية فائز السراج، ورئيس الوزراء الإيطالي باولو جينتيلوني بشأن مكافحة تهريب البشر والهجرة غير الشرعية ومساعدة ليبيا في تأمين حدودها الجنوبية.



وإمعانا في تأكيد أن الوضع الأمني في مدينة بنغازي ليس بالأفضل في ليبيا كما يسوق “الكرمنجية” فمثلا إحصائيات ضحايا المشاجرات والسطو المسلح الصادرة عن مكتب الإعلام في مستشفى الجلاء للجراحة والحوادث بمدينة بنغازي عن السنوات الأربع الأخيرة من عام 2013 وحتى سنة 2016،  تثير الفزع والرعب.  فقد استقبل المستشفى في سنة 2016 وحدها، 3039 حالة من ضحايا المشاجرات والسطو المسلح والاعتداءات، أي بمعدل تسع حالات يوميا. وهذه الإحصائية تشمل مستشفى واحد فقط. من أصل ثلاث مستشفيات تعمل في المدينة.  إضافة إلى أنها لا تشمل العيادات التخصصية الأخرى العامة، والقطاع الخاص.

وفي سنة 2016 أيضا قتل 36 مواطنا، وجرح 264 شخصا نتيجة الرصاص العشوائي في بنغازي. مع العلم أن ضحايا العمليات العسكرية والاشتباكات بين قوات الكرامة ولا قوات مجلس شوري ثوار بنغازي، غير داخلة في هذه الإحصائيات الرسمية.

وبحسب تصريحات لرئيس مكتب الإعلام في مستشفى الجلاء للجراحة والحوادث “فاديا البرغثي” التي قالت فيها إن الإحصائية مرعبة  في ظل انتشار السلاح  والفوضى بالمدينة، وإن هناك زيادة في عدد الضحايا الذين استقبلهم المستشفى في سنة 2015  إلى الضعف تقريبًا، حيت استقبل 1635حالة . و933 حالة سنة 2013.

وهنا وبلغة الأرقام وحدها، نجد أن بنغازي لم تتعافى، بل زاد الوضع الأمني سوءا.  فرغم العديد من حالات الاغتيال وتفجير السيارات التي استهدفت شخصيات عامة مثل محمد بوقعقيص، وشيخ قبيلة المغاربة صالح لطيوش، ووزير الداخلية الأسبق عاشور شوايل ومدير مدرية أمن بنغازي العقيد صلاح هويدي والقيادي بعملية الكرامة محمود الورفلي،  وخمس تفجيرات بمركز بنغازي الطبي  لم تشكل قيادات عملية الكرامة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية أي  لجنة  لتحقيق  في جميع هذه الحوادث.

ومن هذا المنطلق ننصح المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج بالمسارعة في إعداد الخطط لبسط سيطرته على المدينة، على الأقل نظريا.

أعتقد أن المستقبل الأمني لبنغازي في خطر.  حيت يرى الكثير أن المدينة سوف تشهد صارع مسلحا بين أجنحة عملية الكرامة. إذ أن جميع التفجيرات التي اتسهدف شخصيات أمنية وقيادالت مدنية داعمة لعملية الكرامة نُفذت بشكل محترف.


والجميع يعرف جيدا بالصراع الدائر علي تولي مديرية أمن بنغازي بين العقيد صلاح الخفيفي، والعقيد صلاح هويدي، أيضا الصراع بين صلاح هويدي ومحمود الورفلي، وصراع عائلة الورفلي وعائلة تويوتا، بسبب الاختلاف على تقاسم الأموال التي سرقت من مصرف الوحدة في المدينة. وعائلة تويوتا هم قادة للعناصر المدنية التي تقاتل مع قوات الكرامة المعروفة باسم الصحوات.

تعليقات