السنوسي بسيكري : النخبة الليبية: هل من يقظة توقف العبث؟





أحتاج أن أستهل مقالي هذا بتعريج عن لبس يتعلق بلفظ "النخبة"، والتنويه هنا يتعلق بالدلالة العامة للاصطلاح، وليس الشق الإيجابي فقط. بمعنى أن النخبة تطلق ويراد بها كل من له دور ظاهر ومؤثر في الوسط المحيط الاجتماعي الصغير أو المجتمع الكبير أو دوائر أوسع، بغض النظر عن طبيعة التأثير وإذا ما كان إيجابيا أو سلبيا، حيث يختلف التقييم باختلاف الآراء ويتباين الحكم مع اشتداد الأزمات وحدة الخلافات والانقسامات.

أكد أجزم أن أغلبية ساحقة من الليبيين بمختلف مستويات وعيهم ومتابعتهم للشأن المحلي يتفقون على أن الانحدار من سقف الثورة التي ارتفعت بمعنويات شريحة واسعة من الليبيين إلى الحضيض الذي نشاهدة اليوم في الواقع الليبي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا إنما يرجع في جزء كبير منه إلى النخبة.
   
الانحراف بدأ مع التئام المؤتمر الوطني العام، حيث تلقى الليبيون صدمتهم الأولى مع مواقف وتصريحات وممارسات عدد كبير من أعضاء المؤتمر الوطني العام من كل الاطياف مع تفاوت نسبي في انحطاط المواقف والتصريحات، وأسهم العديد منهم في رسم ملامح الواقع المتردي الراهن بأقوال وأفعال صادمة كانت لها تداعياتها الخطيرة.

لا شك أن الانحدار النخبوي في ظل التأزيم يقود إلى مستوى أدنى من التردي، وبالفعل كانت النخبة التي شكلت البرلمان أكثر انحطاطا من سابقتها.

ابحث اليوم أخي القارئ عن صوت العقل ونداء الحكمة في ركام الخطاب النخبوي اليوم، وستجد نفسك كالباحث عن الإبرة في كومة قش.

فتش عن الفكر الناضج الذي يغوص في أعماق جذور التأزيم الراهن ليسهل على الفاعلين فهم ما جرى وما يجري، ففهم الأسباب المباشرة وغير المباشرة للأزمة الراهنة ضروري للوصول إلى معالجات سلمية، لكنك لن تجد.

ابحث عن التحليل الضليع للواقع والربط بين قسامات المشهد السياسي والاجتماعي، فستجد نفسك تشمئز من القراءات السطحية والشاذة والتفسيرات الغريبة والتشخيص المأزوم للوضع وذلك لتلبس من يطلق عليهم الإعلام محلليين بعصبيات مقيتة وعجزهم عن الفصل بين اتجاهاتهم والموضوعية التي يتطلبها التحليل العلمي.

الواقع المؤلم اليوم يؤكد على أن من نعتبرهم قامات في تخصصاتهم ومعارفهم يتورطون في مواقف وتصريحات تصطدم ببديهات معالجة الأزمة الراهنة وتشذ عن أساسيات الانتقال السليم والبناء الصحيح للدولة.

يمم صوب الغرب حيث التعدد البغيض من مجلس رئاسي إلى المجلس الأعلى للدولة وبقايا المؤتمر الوطني وحكومة الإنقاذ والمؤسسات السياسية والإعلامية والنخب الدينية والمدنية والتي شغلت مناصب كبيرة فلن تقف إلا على ما هو صادم وهادم، لتزداد حيرتك ويتأكد لك أن المصيبة بدأت وتطورت وانتهت بالنخبة وإلى النخبة.

التفت صوب الشرق حيث البرلمان والجيش والحكومة المؤقتة والإعلام المصاحب فتجد العجب العجاب. تدليس بل وانحطاط في التصريحات ضللت قطاع واسع من الرأي العام وجعلت قسما منه مهيئ لدرجة عالية من العنف ومتمرس خلف جهوية تجعل بينه وبين الانفصال كليا خطوات معدودة.
 حتى الرموز التي قادت مرحلة الثورة لم تسلم من السقوط في تصريحاتها وتفسيراتها للواقع الراهن وأسباب الانتفاضة لدرجة الشعور أنهم غير مؤهلين للتفكير والتنظير وأن ظهورهم في هذه الوقات أشبه بصب البنزين على النار.

أزمة النخبة تتجلى بالنظر إلى المتصدرين للمنابر الرسمية خاصة الناطقين الرسميين منهم، والذين باستثناء القليلين منهم تدفعك تصريحاتهم إلى الضحك المر إن جاز التعبير. وتخيل معي أن ناطق رسمي للمؤسسة العسكرية لا يتورع عن التدليس المفضوح في تصريحاته، والمشكلة أنه ومع تكرار عبثه مرات ومرات فهو محتفظ بمنصبه ويفاجأ الجميع، الأصدقاء والأعداء، كل يوم بالجديد من عبثه، فهل من تفسير لذلك إلا الانحطاط المتغلغل في كل المستويات؟

من هنا فإن وقف منحى الانحدار والانعطاف صعودا باتجاه الاستقرار ثم التنمية لا يمكن أن يتحقق والصوت الأعلى والأكثر تأثيرا هم النخبة المأزومة، وما لم يتصدر أصحاب العقول والنهى المبرؤون من التعصب والغلو والانتهازية وينتشر الخطاب الموضوعي الرصين فإن الأزمة مستمرة والتدهور لا قاع له.
 نقلا عن مدونات الجزيرة


تعليقات