الخميس، 10 نوفمبر، 2016

السنوسي بسيكري : مفارقات المشهد السياسي والأمني الليبي





النظرة المتفحصة للواقع السياسي والأمني في غرب البلاد وشرقها؛ يكشف عن مفارقات مهمة تساعد على فهم المشهد والتحولات المحتملة الوقوع خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة القادمة.

قامت ثورة 17 فبراير وكان من أبرز سماتها أنها أزاحت فكرة القائد الأوحد المتصرف في كل الشؤون، والذي يحوز على ثقة وتأييد الرأي العام حتى وإن اتجهت سياساته ضد مصالحهم.

أغلق حفتر فجوة القيادة التي ظلت تؤرق الجميع، وقدم مشروع واضح الملامح بالنسبة لأنصاره وهو القضاء على "الإرهاب" وبناء الجيش كضامن للاستقرار.

هذا ما بدا للعيان في الأشهر الأولى لتفجر الثورة، وكان يمكن أن يتخلص المجتمع من آفة التعلق بوعي وبلا وعي بالأشخاص والرموز لو أن مسار التحول اكتمل وانتهى إلى استقرار سياسي وأمني وازدهار اقتصادي ورفاه اجتماعي.

لكن الانقطاع السريع والمرير عن الأهداف التي جاءت من أجلها الثورة، ثم الانزلاق إلى دهليز مظلم ومخيف أيقظ الاعتقاد في الرمز المخلص المتسم بالقوة والسطوة والمتفرد بالقرار والقادر على ضبط الأمور والعودة بها إلى سابق العهد، إذ لا يوجد في مخيلة الناس وعقولهم إلا النموذج التسلطي لفرض الاستقرار.

برز خليفة حفتر على الساحة السياسية والأمنية بقوة بعد الانفلات الأمني في بنغازي، ونجح حفتر في أن يوظف النزوع والرغبة في الاستقرار ولو بالعودة إلى الحكم الفردي المطلق، وقدم نفسه كمخلص وهو المؤهل لنيل الحظوة بحكم توفر سمات أساسية يعرفها ويطمئن لها الجمهور كونه عسكري مخضرم، وعاصر المنظومة السابقة التي فرضت الاستقرار الأمني لعقود، فسرعان ما التف حوله جموع منوعة.

أغلق حفتر فجوة القيادة التي ظلت تؤرق الجميع، وقدم مشروع واضح الملامح بالنسبة لأنصاره وهو القضاء على "الإرهاب" وبناء الجيش كضامن للاستقرار، ونجح في الترويج لمشروعه بغض النظر عن صدقيته ودقة المعطيات التي قامت عليه.

لقد كان الهم الأكبر للمواطن الليبي بعد تدهور الأوضاع منذ منتصف 2013 هو الأمن، وربط الرأي العام حالة الفوضى الأمنية بوجود المجموعات المسلحة الكثيرة والمنفلتة، فرأى في حفتر نموذجا للانضباط ووسيلة للقضاء على فوضى السلاح والمجموعات المسلحة، فكان توقيت ظهور حفتر متناغما مع هذا الإحساس الجارف، فلقي هذا الترحيب الواسع خاصة في المنطقة الشرقية.

توفرت الزعامة ولكن لم تتوفر الأدوات المكملة لها وهي القاعدة الصلبة القادرة على تحقيق الأهداف وتنفيذ المشروع، فعدد الضباط والعسكريين الذين أيدوا حفتر قليل، وكفاءتهم محدودة، الأمر الذي استدعى فتح باب التطوع لكل من يسهم في المشروع بما في ذلك أصحاب السوابق والمتشددين دينيا والمتعصبين جهويا وقبليا فكان ذلك من أبرز عوامل الإخفاق.

بالمقابل، وعلى الضفة الأخرى من الخارطة الجيوسياسية وحيث مركز الثقل طرابلس العاصمة والمدن المحيطة بها توجد قوة عسكرية ضاربة، ومقاتلون متمرسون أثبتوا أنهم قادرون على تحقيق نتائج عسكرية كبيرة وفي زمن قياسي، فقد كان دحر كتائب القعقاع والصواعق ولواء المدني المعروفة بكثرة عددها وعدتها مثالا على القوة العسكرية والقدرة على التغيير على الأرض، أيضا الحرب على تنظيم الدولة في سرت والانتصار عليه كان مثال آخر للمكنة العسكرية.

ديناميكية التفاعل مع الأزمات إيجابية نوعا ما في الشرق ومحدودة الجدوى في الغرب.

هذه القوات التي تمتد في مدن الساحل الغربي من زوارة وحتى طرابلس، وتشمل القوة المسلحة والمتمرسة في الجبل الغربي خاصة مدن الأمازيغ، ثم القوة المتمركزة في طرابلس وتاجوراء، يضاف إليها كتائب مدن غرب طرابلس والتي تمتد حتى مصراتة، تشكل قوة جبارة إلا أنها في حالة عجز لسببين رئيسيين هما:

- الافتقار إلى الزعيم السياسي والعسكري الذي يلتف حوله الجميع ويذعن له العسكري والمسلح قبل السياسي.

- الافتقار إلى مشروع يجتمع عليه الفرقاء السياسيون العسكريون، فقد كان الموقف من الوفاق مثلا من أبرز أسباب تشظي القوة الضاربة في الغرب الليبي، بينما كان الموقف شبه موحد من الوفاق في الشرق.

المشهد ليس ثابتا، بل يتصف بالتحول السريع، حيث يواجه معسكر الكرامة هزات عنيفة وتصدعات قوية، بالمقابل فإن التحديات الجديدة تدفع بجبهة الغرب إلى البحث عن مشتركات للتقارب وتوحيد الموقف، غير أن وجود الزعيم والمشروع عاملان مهمان في احتواء التصدعات، وغيابهما يعرقلان التقارب، لهذا نرى أن ديناميكية التفاعل مع الأزمات إيجابية نوعا ما في الشرق ومحدودة الجدوى في الغرب.
الجزيرة نت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق