الخميس، 10 نوفمبر، 2016

ما قبل الانفجار الليبي: 3 سيناريوهات لأزمة الهلال النفطي



طرابلس ــ عبد الله الشريف

تتفاقم الأزمات السياسية والعسكرية التي تعاني منها ليبيا نتيجة فشل جهود إنهاء الانقسام في أبرز مؤسسات الدولة، واتساع دائرة الأطراف المتنازعة على السلطة، فيما تشكل المخاوف من عودة المعارك إلى منطقة الهلال النفطي في الشرق الليبي، الهاجس الأمني الأبرز، نظراً لتداعيات المعارك على البلاد سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
انقسام سياسي متزايد
سياسياً، تشهد ليبيا تشظياً جديداً نتيجة استمرار تعنت برلمان طبرق (المطعون بشرعيته من المحكمة الدستورية)، وجناحه العسكري (ممثلاً باللواء المتقاعد خليفة حفتر)، ورفض تنفيذ بنود الاتفاق السياسي الموقع في ديسمبر/ كانون الأول 2015، أي قبل نحو 11 شهراً من الآن.
كما يوجّه المجلس الرئاسي، المعترف به دولياً، اتهامات إلى معسكر طبرق بدعم زعزعة استقرار العاصمة الليبية طرابلس، من خلال الترحيب بعودة حكومة الإنقاذ التي يترأسها خليفة الغويل المناوئة للمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. ولم يكن الأسبوع الماضي سوى محطة إضافية في تصاعد حدة الخلاف بين المجلس الرئاسي برئاسة فائز السراج وبرلمان طبرق. وترجم الخلاف بوصف السراج لرئيس برلمان طبرق عقيلة صالح وحفتر بأنهما "مفسدا ومعرقلا" الاتفاق في ليبيا.

ويبدو المجلس الرئاسي حالياً وكأنه الخصم الجديد لبرلمان طبرق، بعد أن كانت حكومة الإنقاذ خصمه السياسي والعسكري. ويتعزز هذا الاعتقاد بعدما أصبحت حكومة الإنقاذ أخيراً، الحليف الجديد لبرلمان طبرق، عقب عودتها إلى المشهد السياسي، وإعلانها عن استئناف مباشرة مهامها من مقر المؤتمر الوطني السابق في العاصمة طرابلس، والتي شغلها المجلس الأعلى للدولة في الفترة الأخيرة كوريث للمؤتمر الوطني بحسب نصوص الاتفاق السياسي الموقّع في الصخيرات. وتترافق هذه العودة مع معلومات تسربت عن تفاهمات عقدتها حكومة الإنقاذ مع الحكومة التابعة لبرلمان طبرق.


تجدد أزمة الهلال النفطي
عسكرياً، يعود الحديث عن صدام مسلح وشيك في منطقة الهلال النفطي، ليفرض نفسه بصفته الحدث الأبرز، نظراً لتداعياته العسكرية والسياسية والاقتصادية على البلاد. ويقع الهلال النفطي الذي يضم أربعة موانئ تصدير رئيسية هي: راس لانوف، والسدرة، والبريقة، والزويتينة، في منتصف الطريق بين مدينة بنغازي (ألف كيلومتر شرق طرابلس) وبين مدينة سرت (450 كيلومتراً شرق طرابلس). وشهدت منطقة الهلال النفطي في سبتمبر/ أيلول الماضي، معارك عدة أدت إلى فرض قوات موالية لحفتر سيطرتها على المنطقة، فيما تجددت المخاوف من عودة المعارك في الأيام الأخيرة.

قبيل وبعد انعقاد مؤتمر لندن، مطلع الأسبوع الماضي، لم يخف رئيس المجلس الرئاسي اتهاماته لمحافظ البنك المركزي، الصادق الكبير، ورئيس مؤسسة النفط مصطفى صنع الله، معتبراً أنهما انحازا لجبهة معرقلي حكومته. كما لم يتردد في الإشارة إلى أن "الدعم الدولي لحكومة الوفاق سيكون عاملاً مهماً في نجاح الاتفاق السياسي". ويضاف إلى ذلك قوله إن المجتمع الدولي ترجم دعمه بالوقوف عسكرياً مع قواته في سرت واقتصادياً من خلال مؤتمر لندن.
ووفقاً لمراقبين للشأن الليبي، فإن السراج يسير في هذا الاتجاه بعد فقدانه الأمل في إمكانية قبول حفتر وبرلمان طبرق بسلطته السياسية عليهما. ويعتبر المراقبون أنفسهم أن تصريحات وزير الدفاع المفوض في حكومة الوفاق، المهدي البرغثي، تعد مؤشراً أساسياً على ذلك. وكان البرغثي قد هاجم، في مؤتمر صحافي يوم الأحد الماضي، قائده السابق خليفة حفتر، معتبراً أن الأخير "لا يمتلك جيشاً"، وأن قواته مؤلفة من "مدنيين في بنغازي ومرتزقة في الهلال النفطي". كما وصف "حرب الكرامة" في بنغازي (أطلقها حفتر في مايو/ أيار 2014)، بأنها "صناعة للإرهاب". وعلى الرغم من أن البرغثي أكد أنه لن يقود جيشاً لتحرير موانئ النفط التي سيطر عليها حفتر أخيراً، إلا أن كلامه يحمل إشارات إلى إمكانية حدوث صدام مسلح، بما في ذلك قوله إن "الهلال النفطي لم يسقط بعمل عسكري وإنما بخلاف اجتماعي وسيعود للشرعية من الداخل". ويعكس حديثه إمكانية حدوث انقلاب بعض المجموعات المسلحة القبلية في الهلال النفطي، لا سيما في راس لانوف والزويتينة، والتي عبّرت عن قلقها في الأيام الماضية، متسائلة عن مصير عائدات النفط بعد عودة تدفقه عقب سيطرة حفتر على منطقة الهلال النفطي.

وفي الجانب الآخر، لم تتأخر بعض المصادر الإعلامية المقربة من حفتر في بدء الحديث عن وصول تعزيزات عسكرية إلى عدد من المواقع، خصوصاً في السدرة والبريقة، استعداداً لصدّ أي هجوم عليها من قبل موالين لوزارة دفاع حكومة الوفاق التابعة للمجلس الرئاسي. وتعزز تصريحات المتحدث باسم قوات حفتر، أحمد المسماري، هذا التوجه، بقوله: "قواتنا على استعداد للدفاع عن الهلال النفطي، ونتابع عن قرب استعداد البرغثي لشن حملة عسكرية عليها".
وتتيح هذه التطورات الحديث عن العديد من السيناريوهات حول مآلات الأوضاع في منطقة الهلال النفطي. أولها إمكانية حدوث صدام مسلح تشارك فيه العديد من المجموعات المسلحة إلى جانب المجلس الرئاسي، على غرار فصائل تقاتل ضمن عملية البنيان المرصوص في سرت. وقد انضمت كتيبتان على الأقل من حرس المنشآت النفطية بقيادة إبراهيم جضران إلى "البنيان المرصوص". ولا تزال الكتيبتان تسيطران على مناطق النوفلية، وهراوة، وبن جواد، التي تقع بين سرت والهلال النفطي. ويعني هذا الأمر عملياً وجود حرس المنشآت النفطية في مناطق متاخمة للهلال النفطي. وتضاف إلى ذلك مرابطة من تبقى من قوات حرس المنشآت في قاعدة الجفرة.

وفي السياق نفسه، لا يُستبعد انقلاب بعض الفصائل المسيطرة على مواقع في الهلال النفطي، التي تخلت سابقاً عن جضران وانتقلت إلى موالاة حفتر، وتحديداً الكتيبة 302، وكتيبة المدفعية والدبابات. وتعالى صوت الكتيبتين أخيراً للسؤال عن عائدات النفط بعد سيطرة حفتر على منطقة "الهلال". وفي موازاة ذلك، يدور حديث عن توتر عسكري حول قاعدة براك، جنوب الهلال النفطي، بين قوات موالية للمجلس الرئاسي (الأكثر عدداً وقوة) وبين القوات الموالية لحفتر. وبينما تسيطر قوات حفتر على القاعدة، تتواجد بالقرب منها قوات تُعرف باسم "القوة الثالثة" تابعة للمجلس الرئاسي. وتعتبر القاعدة العمق الأهم لحماية حفتر وقواته من أي خطر يتهدد وجودهم في الهلال النفطي من ناحية الجنوب. وإذا ما سيطرت قوات المجلس الرئاسي على القاعدة، يسهل عليها مهاجمة حفتر من الجنوب لأنها خاصرته الرخوة.
ولا يمكن التكهن بنتائج المعركة العسكرية إذا اندلعت، لا سيما أن المجتمع الدولي يولي أهمية كبيرة لهذه المنطقة الاستراتيجية.
وفي السياق، يعتبر البعض أن حدوث صدام مسلح في المنطقة قد يقود إلى سيناريو ثانٍ، يتمثل في تسريع تدخل دول كبرى عسكرياً في ليبيا لحماية مصالحها، لا سيما فرنسا، التي تمتلك نصيب الأسد من خلال شركاتها النفطية في الهلال النفطي. كما أن دولاً أخرى كبريطانيا، وإيطاليا، والولايات المتحدة، لم تألُ جهداً في دعم المجلس الرئاسي في مناطق غرب ليبيا التي تملك فيها هي الأخرى مصالح كبيرة تدر عليها مليارات الدولارات.
أما السيناريو الثالث والأخير، فيتمثل في حدوث تغيّر في مواقف برلمان طبرق وحفتر، بما في ذلك إمكانية قبوله بالمجلس الرئاسي كسلطة سياسية، لا سيما أن التهديد بعمل عسكري ضد حفتر في الهلال النفطي يعني فقدانه أكبر مكاسبه خلال حربه منذ عامين. وتعزز من هذا السيناريو الخلافات التي تعيشها جبهة حفتر عسكرياً من خلال الانشقاقات المتوالية في صفوفها. سياسياً أيضاً، يتصاعد الخلاف بين برلمان طبرق وحكومته التي يرأسها عبد الله الثني بسبب رفض رئيس الحكومة طلب البرلمان التحقيق معه على خلفية إقالته لعدد من وزراء حكومته، خصوصاً وزير الداخلية، محمد المدني، الذي يعد أبرز حلفاء حفتر.


العربي الجديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق