السبت، 22 أكتوبر، 2016

عبد النور بن عنتر*: الأزمة الليبية... فشل جماعي







على الرغم من تعدّد المبادرات وتواليها، لم يتمكّن أي طرفٍ محلي، أو إقليمي، أو دولي، من إيجاد تسويةٍ سلميةٍ للأزمة الليبية. وعموماً لا يساهم تعدّد المسارات والمبادرات التفاوضية في تسوية الأزمات، لأن أطراف الصراع المحلية تكون لها تفضيلاتٌ سياسية لهذا المسار أو ذلك، وفقاً لمصالحها الآنية ولتموقع خصومها. فالمبادرة الأممية، على الرغم من الزيارات المتتالية، ودعمها مختلف المبادرات الإقليمية، لم تأت أُكلها، فممثل الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بالملف الليبي لم يتمكّن من إحراز تقدّم كبير يُذكر في التسوية السياسية. وربما المساهمة الأكبر له هي تموقعه في حرب الشرعيات في ليبيا، ودعمه المتواصل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الليبي، بموجب الاتفاق السياسي المتوصّل إليه بين الأطراف الليبية. من ثم يمكن القول إن الجهود الأممية تأتي تدعيماً لجهودٍ محليةٍ وإقليميةٍ، لكنها لا تشكل قاطرة لمختلف الجهود، ما يجعلها قليلة التأثير على مسار الأحداث في ليبيا. ثم لا ننسى أن الفواعل الدولية النافذة لم تترك للأمم المتحدة هامشاً للمناورة، وذلك لا يبشر بخير، لأنه يكون دائماً دلالةً على عدم اكتراثها بالأزمة المعنية أو على عجزها على تسويتها، أو الاثنين معاً، فالتكفل الأممي بأزمةٍ ما قد يبدو، من الوهلة الأولى، أمراً إيجابياً للغاية، لكنه، في واقع الأمر، مؤشرٌ على غير ذلك. لنقارن، مثلاً، موقع الأمم المتحدة من الأزمتين، الليبية من جهة والسورية من جهة أخرى.
فشلت المبادرات الإقليمية هي الأخرى، ويعود فشلها إلى التفضيلات المتناقضة، في غالب الأحيان، بين الأطراف الإقليمية المنخرطة في هذه المبادرات المتعدّدة هي الأخرى، فقليلةٌ هي الدول الإقليمية التي بقيت على المسافة السياسية نفسها من الأطراف الليبية المتناحرة. إذ اختار معظمها معسكره المحلي. وأصبح مجرد التموقع لهذه الدولة أو تلك عقبةً جديدة أمام تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين. والأهم من ذلك الخلاف الواضح بين الأطراف الإقليمية حول طبيعة التسوية في ليبيا، فإذا كانت تقول جميعها بضرورة الحل السياسي، فإن بعضها يتصرف عملياً نقيض ذلك، حيث يدعم عسكرياً أطرافاً ليبية ضد أخرى، بل لم تتردّد دول إقليمية في التدخل عسكرياً في الصراع الليبي البيني.
إضافة إلى هذا الخلاف الذي أصبح هو الآخر عقبةً أمام تسويةٍ جادة للأزمة الليبية، هناك

تنافسٌ بين بعض الأطراف الإقليمية هو التسوية السياسية نفسها، فهناك مسار تفاوضي برعاية المغرب، وآخر برعاية الجزائر، ما يعني، بصرف النظر عن نيات الطرفين، تشتيتاً للجهود الإقليمية وإعطاء الانطباع للأطراف الليبية بأن لها أكثر من بديل تفاوضي... بالطبع، هنا توافق بين مختلف االفواعل الإقليمية على دعم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية. ولكن، لم تقطع كلها الأوصال مع ممثلي الحكومتين الليبيتين المتصارعتين. قد يبدو هذا مفيداً لأنه يسمح لها بإقناعهم بضرورة العمل على دعم حكومة الوفاق، والمثول لقراراتها. أي أن الإبقاء على قنوات الاتصال معهم يسمح بتدعيم شرعية حكومة الوفاق، إلا أن محاولة الاستيلاء، أخيراً، على مقر المجلس الأعلى، تشير إلى عجز الأطراف الإقليمية على كبح جماح الأطراف الليبية المناوئة لحكومة الوفاق الوطني.
أما الأطراف الليبية المتناحرة فأوصلها صراعها على السلطة في بلد منهار تماماً إلى تشكيل حكومتين وبرلمانين يتعارضان في كل شيء، ما عدا أمرين: الصراع بل الحرب بينهما ومعارضة حكومة الوفاق الوطني. وقبول بعض مكونات الطرفين السياسية حكومة الوفاق كان على مضض، وليس على قناعة سياسية، ما يفسّر جزئياً عجز الأخيرة عن بسط نفوذها واحتكار السلطة واستعمال العنف في البلاد، وما يفسر كذلك محاولة الاستيلاء على مقر المجلس الأعلى. ما يعني أن أطرافاً معارضة لحكومة الوفاق تمر بفترة انحناء إستراتيجي في انتظار اللحظة المواتية للانقضاض عليها. ومن ثم فوصفها بحكومة الوفاق يكون مجازياً فقط، لأن الحكومة موجودة، أما الوفاق فشيء آخر.
إذن، عجز الأطراف الدولية والإقليمية على فرض سلوك معين على الفرقاء الليبيين لتبني تسوية سياسية لأزمة البلاد ودعمها نقطةٌ تحسب على هذا الأطراف. لكن، كيف بها أن تنجح مع فرقاء لم يجمعهم حتى التهديد الإرهابي؟ بغض النظر عن توظيف قضية الإرهاب، محلياً وإقليمياً ودولياً، واستخدامه من بعض الأطراف فزّاعة لخدمة مصالح سياسية، لا علاقة لها به أصلاً، فإن نشاط الجماعات الإرهابية يشكل تهديداً للكيان الليبي الهشّ والمنكشف، وخطراً على نسيجه الاجتماعي. فمع مرور الوقت، قد تولّد الظاهرة الإرهابية ديناميةً اجتماعيةً، تجعل جزءاً من الشباب الليبي، ينخرط في جماعات إرهابية، ويتخذ من الإرهاب سبيلاً للتعبير السياسي. وهذا ما يجعل مهمة الخصوم السياسيين الليبيين في غايةٍ من التعقيد، حتى ولو توصلوا، في نهاية المطاف، إلى تسوية سياسية حقيقية. بيد أن الدرس المستخلص من الأزمة الليبية، إلى حد الآن، هو أن الأطراف السياسية التي لا تتفق في ما بينها لمواجهة تهديد حقيقي مشترك (الإرهاب)، فإن حظوظ اتفاقها على تسويةٍ سياسيةٍ حقيقيةٍ تبقى ضئيلة.

نقلا عن العربي الجديد
* كاتب وباحث جامعي جزائري في فرنسا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق