السبت، 28 مايو، 2016

السنوسي بسيكري : جدل العملة الجديدة وأزمة السيولة

الخلافات السياسية بالقطع لها تداعيات عدة من بينها الآثار الاقتصادية والتي عادة ما تكون الأكثر حدة وخطورة بعد التداعيات الأمنية. طرفا النزاع لجأا إلى توظيف ما يتاح لهما من أدوات لتعزيز موقفهما وتثبيت موقعهما والبحث عن مكاسب جديدة، ومن بين هذه الأدوات والوسائل كان الاقتصاد والمؤسسات الاقتصادية وما يلحقها من سياسات وقرارات.




اليوم نراقب أثرا من آثار النزاع المتمثل في طباعة العملة وضخها في التداول، وذلك كسبيل لتخفيف من حدة أزمة السيولة التي استفحلت مؤخرا. فقد لجأ كلا المصرفين المركزيين في طرابلس والبيضاء إلى التعاقد لطباعة كميات من النقد المحلي، حيث تعاقد المركزي طرابلس مع شركة بريطانية هي الشركة المتعهدة بطباعة العملة الليبية منذ عقود، وقيمة التعاقد كانت 2 مليار دينار ليبي، فيما أقدم مركزي البيضاء على طباعة 4 مليار دينار ليبي مع شركة روسية، وبشكل مستقل باعتبار أنه المصرف المركزي الشرعي المستمد شرعيته من البرلمان في طبرق.

الأزمة الجديدة تفجرت مع إعلان مركزي البيضاء عن قرب طرح الـ 4 مليارات دينار للتداول، حيث تحفظ المجلس الرئاسي الذي حظي بدعم الأطراف الدولية والإقليمية في اجتماع "فينا" الأسبوع الماضي على النقود الإضافية واعتبرها "مزورة" واستند المجلس الرئاسي على أن المجتمع الدولي ضمن في بيان فيينا تأكيد ضرورة تبعية المؤسسات السيادية الثلاث: المصرف المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، والمؤسسة الليبية للاستثمارات الخارجية، للمجلس الرئاسي، فيما أكد بيان مركزي البيضاء أنه تعاقد بصفته المؤسسة الشرعية المخولة من البرلمان.

محافظ مركزي البيضاء اعتبر في بيان مطول أن سياسته كانت صحيحة، وأن النقود التي من المفترض أن تصدر خلال أيام، خالية من أي شائبة، وأن تنسيقا وتوافقا قد وقع خلال اجتماع تونس مطلع الشهر الجاري الذي ضم محافظي المركزيان بطرابلس والبيضاء، فيما رد مركزي طرابلس بأن ما جاء في بيان مركزي البيضاء محض افتراء، وأن ما حاجج وتذرع به تزوير للحقائق.

إذا جدل حاد لا يختلف عن جدل السياسيين المتنازعين، وقد أقحمت السلطتان النقديتان السياسة في خلافهما باتهام مركزي البيضاء أنه يتحايل لتوفير الأموال للبرلمان وللحكومة المؤقتة، التي من المفترض أنها خارج الحلبة بعد توقيع الاتفاق وبعد اجتماع فيينا.

ما ميز الخلاف بين السلطات النقدية في طرابلس والبيضاء وجدل العملة المطبوعة حديثا، دخول الولايات المتحدة على الخط بدعمها موقف المجلس الرئاسي بالقول إن العملة مزورة، وفي رأيي أن الموقف الأمريكي لا مبرر له، ويصدر بخصوص مسألة سيادية من المفترض أن التدخل فيها ربما يكون عبر مؤسسة مختصة كصندوق النقد الدولي، مع قناعتي بأنها ليست معنية في هذه الجزئية وفي المستوى الراهن منها اليوم.

أيضا تعكس أزمة العملة مدى تعقيد التوافق، وأنه ليس موجودا على الأرض، بل إن ما وقع من جدل حول طباعة العملة المحلية، يؤكد أن في الجعبة الكثير مما يعرقل التوافق ويجعله متعذرا في المدى القصير.

النقطة الأكثر أهمية وفي الوقت نفسه أكثر خطورة، هي الاتجاه في معالجة الأزمات ومنها الأزمة الاقتصادية، التي من أهم مظاهرها النقص الشديد في السيولة، حيث يقع التركيز على الحلول المؤقتة والسهلة، التي هي بمنزلة مسكنات. فالأربعة مليارات دينار ليبي بالكاد تغطي مرتبات موظفي الدولة لمدة شهرين فقط، وإذا نظرت إلى أثرها السالب فالجميع يدرك أن ضخها سيقود إلى مزيد من الضغوط التضخمية، وبالتالي فإنه ما لم يتم التركيز على سياسات فاعلة من شأنها إعادة الثقة في الجهاز المصرفي ليتمكن من جذب الـ 25 مليار دينار إلى المصارف، فإن العملة الجديدة يمكن أن تنضم إلى المليارات المكتنزة والمتداولة خارج البنوك، ولتستمر أزمة السيولة، وربما تتفاقم بشكل كبير مع نفاد احتياطي المصرف المركزي.

أما فيما يتعلق بالحل الآني، فإن هناك حاجة للتفاهم بين مركزي طرابلس ومركزي البيضاء لتجاوز هذا المختنق، وهو ممكن إذا وضعا بين أعينهما أن شهر رمضان على الأبواب، وأن جموع الليبيين يعانون الأمرين في ظل شح المال، على أن يعود النظام المصرفي إلى سابق عهده من خلال إدارة موحدة وسلطة نقدية واحدة.

نقلا عن عربي 21

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق