الخميس، 2 فبراير، 2012

إسماعيل القريتلي : أزمات على طريق الديمقراطية في ليبيا نحو تيار سياسي اجتماعي جديد .





خلافا للكثير من التوقعات التي قالت إن ليبيا ستحظى بفرصة تحول سريعة نظرا لتماسكها الاجتماعي النسبي ومواردها الكبيرة وقلة عدد السكان، تعيش بلادنا منذ إعلان تحريرها أزمات عدة لا يبدو في الأفق قدرة السلطة على حلها لأسباب تتعلق بــ:



1- ضعف الحكومة الانتقالية وانشغالها بالحلول المنتجة من وراء المكاتب

2- وعدم وضوح دور المجلس وفرضه لأنماط غير نظامية في تحليل المشاكل واقتراح الحلول،

3- ورفض الثوار المسلحين العودة إلى الحياة المدنية،

4- وبروز مطالب المجتمعات المحلية بعيدا عن الرؤية الوطنية الغائمة عن الجميع،

5- وغياب مستمر للتيارات السياسية عن المشاركة المنتجة في الحياة العامة رغم اختلافها الطويل مع نظام القذافي.




ولم تكن مصادمات طرابلس بين مجموعات من مصراتة وأخرى من الزنتان إلا واقعة ستتكرر في ظل غياب كامل لسلطة الحكومة الانتقالية الأمنية والشرطية والعسكرية فعدد التشكيلات المسلحة بالمئات ويزداد بشكل مطرد ولم تنجح هيئة المحاربين في إقناعهم جميعا ومن جاء إليها قدم غالبا طلبا لأجل الحصول على المقابل النقدي.



وأينما التفت بنظرك تجد إما صراعا بين المتنافسين داخل أروقة السلطة حتى السابقة منها فلا يزال قطاع الإعلام مثلا يعيش صراعا متسعا بين مجموعات بعضها يتبع عضو المجلس الوطني الانتقالي عبد الحفيظ غوقة وأخرى تتبع مسؤول ملف الإعلام السابق محمود شمام إلى جانب محاولات من شخصيات جديدة وقديمة على الوسط الإعلامي لينتج عن كل ذلك عجزا كاملا للصحافة والإعلام الرسمي عن القيام بأي دور يذكر أمام سيل الأزمات التي تجتاح ليبيا.



أغلب الفاعلين في واجهات وخلفيات مشهد السلطة في ليبيا اتخذوا من المال وسيلة وحيدة لحل الخلافات أو مواجهات الأزمات فالدفاع والداخلية وهيئة المحاربين والمجلس الوطني ورئاسة الوزراء كلهم يتحدثون عن أموال ستنفق لأجل دمج الثوار وكأن المشكلة الوحيدة هي عشرات الآلاف من شباب ورجال حملوا السلاح إبان أو بعد الثورة على نظام القذافي. ولم يدرك كل هؤلاء على ما يبدوا أن الأموال والموارد يؤتى بها لتنفيذ رؤية وطنية في مسألة محددة أو إستراتيجية وطنية متكاملة بعد أن تتمظهر هذه الرؤية أو الاستراتيجية في برامج تفصيلية منظمة عبر خطة زمنية واضحة المعالم ودقيقة المعايير بهدف تقييم التنفيذ ومعالجة أي أخطاء قد تطرأ.



إن طرح السلطة السابق أدى إلى انتشار المطالبين بالمال العام في مختلف الجهات والشرائح والفئات حتى قرأنا أن الأردن وحدها فيها أكثر من 17 ألف مريض يتعالج على حساب ميزانية الجرحى لتكشف التقارير والشهادات أن أحد المرضى لست متأكدا إن كان جريحا قد رحل معه 24 مرافقا والكثير من المتعالجين لم يصابوا في جبهات القتال، مع فرض إجراءات للعلاج أدت إلى إنفاق غير مسؤول للمال العام مثل الأموال التي تعطى للمتعالجين تحت اسم مصروف الجيب رغم توفير كل الاحتياجات من علاج ودواء وإيواء.



لم تنته مسائل الصرف بلا رقابة أو قيود عند هذا الحد بل تعرض هيئة المحاربين الآن قروضا للمسلحين لتأسيس مشاريع قد تنتهي لتكون مشاريع وهمية لا تنفذ كما تم ذلك عشرات المرات في عهد نظام القذافي.



ويلاحظ على كل تلك المخططات والخطط أنها لم تتأسس وفق قواعد التخطيط المنهجي فلا توجد لأي خطة مسوحات ودراسات تفصيلية ودقيقة فإنفاق عدة مليارات يتطلب الكثير من التخطيط والذي يتطلب بدوره الكثير من البيانات الدقيقة وليس مجرد توقعات وضعت بناء على قصاصات صغيرة سميت استطلاعات لم يراع فيها أي أساس علمي. كما يغيب تماما عن ذلك الإنفاق للمال العام أي ضوابط رقابية ومحاسبية دقيقة التي من أهم أسسها في التجربة السنغافورية عدم وضع المال النقدي (الكاش) تحت تصرف أي جهة أو مسؤول بل الاعتماد على العمليات الرقمية في المعاملات المالية. فاليوم من الممكن أن ترى في الموضوع الواحد مثل علاج الجرحى عشرات الجهات ومئات الشخصيات المخولين بإيفاد الجرحى وأقاربهم وربما أصدقائهم كذلك.



رغم قتامة ما ذكرناه عن الأسلوب اليومي لإدارة الدولة وملفات الحياة اليومية الذي يشكل تمهيدا راسخا للفساد المالي والإداري والسياسي فإن عجزا متزايدا عن إدارة الفراغ الأمني والسياسي بات هو العامل الرئيس في تفسير حالات الانفلات الأمني التي لا تزال محدودة عدديا لكن انتشار التشكيلات والكتائب والألوية في مختلف أصقاع الوطن ينذر في حال استمر الفراغ السياسي إلى الكثير من المصادمات بين تلك القوى المسلحة في معركة فرض إرادات قد تكلف ليبيا أضعاف الثمن الذي دفعناه جميعا لأجل التحرر من نظام القذافي.



فحتى الحركات والتيارات والشخصيات التي ترتبط بها تنظيمات مسلحة لم تعد تملك عمليا سلطة توجيه تلك الكتائب وربما تم التوافق على الدعم المتبادل بين الجانب المسلح من جهة والسياسي من جهة أخرى وهذا يذكر تماما بالحال بين الفصائل المسلحة والواجهات السياسية في أفغانستان قبل سنة 1992 وفي العراق قبل الاحتلال وفي لبنان إبان الحرب الأهلية حيث انتهت جميع تلك الأمثلة إلى سيطرة المسلح على السياسي واستمرار الأزمة الأمنية والسياسية وينتج عن تلك الأزمتين غالبا ضعفا ملموسا في الحكومة أمام سيطرة عسكرية وسياسية للفصائل تغيب فيها أي رؤية وطنية للدولة وتتسع المساحات أمام التأثيرات الإقليمية والدولية.



في ليبيا يزداد البعد الجهوي والقبلي فاعلية بسبب وجود خصومات حادة بين التيارات السياسية فمن جهة الصراع محتدم ما بين الاتجاهات السياسية والليبرالية واليسارية ويظهر ذلك بالانتكاسة الأخيرة التي قادها الليبراليون واليساريون بعد تحالفهم مع بعض الشخصيات القبلية داخل المجلس وإعادة قانون الانتخابات إلى المربع الأول حيث أعيدت فيه للقبيلة اعتبارها بناء على اعتقاد الليبراليين واليساريين والقبليين أن نظام القائمة الانتخابي سيمكن فقط الإسلاميين من الفوز في الانتخابات القادمة.



ومن جهة ثانية فشل الإسلاميون في تشكيل تيار وطني واسع يمكن أن يمثل صمام أمان للوطن في الجزء الثاني من المرحلة الانتقالية التي تتعلق بانتخابات المؤتمر الوطني العام وما بعده من شهور تتشكل فيها ملامح ورؤية الدولة في ليبيا.



حتى الآن يبدو أن الرابح الوحيد في ليبيا هو البعد الجهوي والقبلي الذي استغل بكفاءة عالية الخصومات بين التيارات السياسية بل إن بعض تلك التيارات أسهمت بفاعلية في تشجع القبليين والجهويين على التحرك السياسي إلى درجة تجرأ بعضهم ونادى باحتمال اللجوء إلى التقسيم بعد أن نجحوا في ترسيح المطالبة بالفيدرالية في الشرق والجنوب.



لعل غياب مجموعة الآباء المؤسسين في ليبيا في الطبقة السياسية (سلطة وتيارات) والثقافية (أغلبها تأسس في ظل نظام القذافي أو على أساس الخصومات السياسية في الخارج) بشكل عام أنتج المشهد الليبي الذي تفننت فيه الغزائر البدائية في قود الليبيين نحو التخندق السياسي والاجتماعي، والشره المالي فالكل يطالب والكل يقدم الوعود.



لكن هذا الصورة غير المريحة تفرض بقوة على الأغلبية الصامتة في ليبيا التي نطق نفر قليل منها في ميادين تصحيح المسار في عدة مدن ليبيا إلى تنظيم تحركها بخطى ثابتة من خلال التثاقف المتبادل لأجل تأسيس تيار سياسي وطني جديد يخرج من بين براثن ضغوط الواقع وغرائز التنافس البدائي لغاية بناء مسؤولية وطنية تنقذ ليبيا من السير الحالي تجاه التصادم بين كل شيء فيها اجتماعيا وسياسيا وجغرافيا وبالتأكيد سيكون السلاح عنصر فعال في كل تلك المصادمات ولن يستفيد أحد كما لن ينجو أحد من لهيب نار تلك المصادمات.



ومن أولويات ذلك التيار المرتقب في ليبيا أن يسارع إلى حماية المسار الديمقراطي وضبط مدته الزمنية فلا تطول بلا سبب معقول وأن يشيع التيار الجديد بين الليبيين بلا تردد أو تأخر قيم الديمقراطية التعاونية بديلا عن مبادئ الديمقراطية التنافسية التي تحتاج إلى بنية تحتية اجتماعية وثقافية مغايرة لما هو موجود في ليبيا اليوم. فغاية التيار السياسي الاجتماعي الجديد تبدأ إلى بناء رؤية وطنية تتواصل من المجتمع للدولة ومن المعارضة للسلطة فلا تصبح الخصومات السياسية هي الفيصل في تحديد المواقف بل تستبدل بمدى الالتزام بالمشروع الوطني الديمقراطي معيارا للتقارب والتباعد فكل المؤمنين بالمشروع الوطني الديمقراطي يتقاربون في تأسيس الرؤية الوطنية ومن ثم تنفيذها أخيرا الرقابة والمحاسبة وفقها بغض النظر عن موقع كل طرف أكان في السلطة أم المعارضة أم المجتمع المدني.



مهما حاولنا التفكير بواقعية فإن بعض المثالية الواقعية مطلوبة اليوم في ليبيا فمجموعة الأباء المؤسسين في تاريخ كل الأمم شكلت ولا تزال المرحلة التاريخية الأولى في نهضة الشعوب لأن أي تنافس بعد التأسيس التعاوني يمكن أن يستمر قرورنا عدة قبل أن نحتاج مجددا إلى مجموعة الآباء المؤسسين من جديد.



إننا في المجموعة الوطنية لحماية المسار الديمقراطي نسعى جادين إلى المساهمة في تأسيس الوعي لإيجاد تيار وطني سياسي اجتماعي جديد في ليبيا قد يكون هو الذي تحتاجه ليبيا اليوم للخروج من نفق الأزمات الذي بدأ يطول ولا ندري إلى أين سننتهي بعده لو استمرينا جميعا في التزاحم على الدخول فيه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق