الأحد، 2 أكتوبر، 2011

مفهوم «الاعتراف"... الاستعمالات السياسية والاعتبارات الاجتماعية


خدمة المرصد الليبي للاعلام
جامعة بريتيش كولومبيا
تناول الباحث جوشوا ماير فريدمان بجامعة بريتيش كولومبيا في دراسة قام بها مؤخرا موضوع الاعتراف الدولي بالمجلس الوطني الانتقالي في ليبيا، حيث تم تقديم البعد القانوني لمفهوم "الاعتراف" واستعمالاته السياسية إضافة إلى اعتباره فعلا اجتماعيا له انعكاسات عديدة.
ويقول الكاتب في الدراسة التي جاءت تحت عنوان "الاعتراف بين الحقيقة والخيال: نقد اجتماعي للاعتراف السابق لأوانه بليبيا"، إن الاعتراف ليس فقط فعل تأسيسي ولكنه أيضا تأييد رمزي تقوم به دولة معينة، تجاه المواطنين في دولة أخرى، حول مسألة شرعية حكومتهم.



وتتناول الدراسة أولا انتقاد انعكاسات الاعتراف القانوني على المستوى الدستوري، وثانيا تحليل مسألة "الاعتراف" كظاهرة اجتماعية.
كما طرح فريدمان في بداية الدراسة تساؤلات هي: في أي ظروف يمكن أن نتوقع أن يكون للاعتراف الخارجي انعكاس على تصور الشعب للحكم الشرعي؟ وتحت أي شروط يمكن أن يخدم هذا الانعكاس أهداف الجهات المانحة؟
ظاهرة قانونية
ويقول الكاتب إن مفهوم الاعتراف القانوني ظهر في منتصف القرن الثامن عشر حيث تم التشديد على أن أسس القانون الدولي يجب أن تستمد من توافق الدول. ولأن تكوين دول جديدة سيخلق واجبات قانونية جديدة والتزامات جديدة للدول الموجودة، فقد كان الاتفاق على أن تتلقى الدول الجديدة اعترافا دوليا لكي تكون لها "شخصية دولية".
وقد تم إقرار هذا التمشي في المادة الأولى من اتفاقية " مونتيفيديو" التي تنص على أنه إضافة إلى وجود عدد دائم من السكان وأرض محددة وحكومة، فإنه يجب على الدول أن تكون لها القدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى. فالكيانات السياسية، التي تفتقد للاعتراف من قبل نظرائها الذين يتمتعون بالسيادة، تفتقد أيضا القدرة على الاستجابة لشرط اتفاقية "مونتيفيديو" المحدد لمفهوم الدولة. وهو ما يجعل مسألة الاعتراف ضرورية لممارسة الحقوق القانونية والواجبات وإرساء الدولة.
ويقول المؤيدون لهذه النظرية إنه ليس هناك أي قواعد لتطبيق هذا المفهوم. فيمكن للدول أن تقوم بالاعتراف بدول أخرى في سرية. وفي معظم الأحيان فإن فعل الاعتراف يمنح على أساس المصالح والمثل السياسية ويكون عادة في قطيعة مع الواقع القانوني.
وفي المقابل، يعتبر آخرون أن فعل الاعتراف يرتبط بالقواعد القانونية التقليدية التي تنظم تكوين الدول والحكومات. ولا يجب أن يتم الاعتراف على أساس المثل السياسية وإنما على أساس بعض القواعد التي حددها القانون الدولي. وبالتالي فإن الاعتراف يتجسد في التواجد الفعلي للدولة واستقلالها عن أي دولة أخرى. وعلى هذا الأساس فان أي دولة أو حكومة تثبت أنها تتحكم وتدير التراب والسكان في البلد المعني فإنها "موجودة" ككيان سياسي وفقا لمعيار التحكم الفاعل.
وبهذا فإن الكيانات السياسية التي تفشل في بسط حكمها على كامل البلاد التي تدعي أنها تمثلها فإنها ستفتقد للشرعية في المطالبة بالاعتراف، وهو ما يدعو للقول أنه لا يمكن استعمال فعل الاعتراف قبل تكوين دولة ما أو حكومة وطنية ليست موجودة بعد لأن ذلك يتضارب مع النظرية الدستورية.
ويقول الباحث إن هذا التقاطع بين هاتين الفكرتين هو ما يجعل القضية الليبية مثيرة للاهتمام ومتناقضة في آن واحد، فعندما تم الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي كـ"ممثل شرعي للشعب الليبي" من قبل فرنسا في العاشر من مارس الماضي، لم يكن يتحكم سوى في نصف البلاد. وفي الأسابيع التي تلت، تمكنت قوات العقيد الليبي الهارب معمر القذافي من إعادة السيطرة على الزاوية وعلى محطة النفط الرئيسية راس لانوف. وفي 19 من مارس الماضي كذلك، كانت قوات القذافي على مشارف بنغازي عاصمة الثوار.
وهو ما يبرز أن الاعتراف الفرنسي بالمجلس الوطني الانتقالي كان سابقا لأوانه ويمثل كذلك خرقا للقانون الدولي.
وفي الواقع، كانت فرنسا تقوم بالاعتراف التأسيسي. وعبر اعتبار المجلس الوطني الممثل الشرعي الوحيد للشعب الليبي خلال الحرب، كانت فرنسا تشير ليس فقط إلى قدرة المجلس على تمثيل الشعب الليبي وإنما كذلك "الشرعية المحلية" للقيام بذلك. وإذا اعتبرنا أن الاعتراف الفرنسي فعلا سياسيا وليس قانونيا فإن تنفيذه يتطلب التخلي عن الالتزامات القانونية والحديث عن أهداف سياسية وربما أخلاقية للدولة المانحة.
الاستعمالات السياسية
ويقول الباحث إن الاستعمالات السياسية للاعتراف تعتمد على ثلاث حالات، الأولى الاعتراف المبكر بنظام جديد. الثانية عدم الاعتراف المطول بنظام جديد وفاعل. الثالثة الاعتراف المطول بنظام بائد. ويعتبر الكاتب بيترسون أن الدول ستختار اعتماد أحد هذه الحالات وفقا لثلاثة أسباب.
وفي مستوى أول، يستعمل الاعتراف للتعبير عن الموافقة أو الرفض تجاه نظام ما وهو الحال خلال الحرب الباردة، ووفقا للكاتب آلن بوشانن. ويمكن استعمال فعل الاعتراف للتأثير على سياسات الأنظمة أو بصفة أهم التأثير على بقائها. فالاعتراف يقوّي الكيانات السياسية التي تفتقد للحقوق القانونية والواجبات وهو ما يجعل منه فعلا دستوريا. ولكن هذا ليس كافيا فيجب أن يساهم الاعتراف أيضا في فرض وجود هذه الدول.
ويعتبر بوشانان أن الحكومات الطموحة تستحق الاعتراف أكثر مما تستحقه سياساتهم المحلية المثيرة للجدل. وبذلك فان منح الاعتراف من عدمه على أساس المعايير الأخلاقية يمكن أن يكون سياسة فاعلة في تحفيز السلوك الصحيح بين الأنظمة المختلفة.
وعلى أرض الواقع، هناك تفاوت كبير بين الأهداف التي تعلنها الدول عندما تحصل على الاعتراف السياسي من قبل الحكومات الأجنبية وبين ما تحققه فيما بعد. وثبت أن رفض الاعتراف هو وسيلة غير فعالة للتهديد بزوال نظام ما.
أمريكا و الاعتراف التأسيسي
واعتمدت السياسة الأمريكية في تطبيق فعل الاعتراف أولا على أن الاعتراف هو حق ذاتي لكل دولة لتتفق على ما تراه مناسبا. ومن ناحية أخرى، تعتبر أن الاعتراف له عواقب سياسية وتأسيسية ينبغي أن تضع في الاعتبار الإستراتيجية الأمريكية الكبرى. وتبعا لذلك رفضت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الاعتراف بالأنظمة الاشتراكية على أساس أن القيام بذلك سيكون ضد المصلحة الوطنية.
ولم تعترف الولايات المتحدة الأمريكية بالحكومة البولشيفية في روسيا وبالجمهورية الشعبية للصين. وفي الحالتين، فشل عدم الاعتراف في عرقلة بقاء هذه الأنظمة وأدى بالولايات المتحدة إلى التخلي عن تمشيها الأول والاعتراف بهما.
الاعتراف كـ"فعل اجتماعي"
ويذكر الباحث مثال دولة الكويت التي احتلها صدام حسين سابقا وأصبحت غير موجودة بالمعنى الفعلي للكلمة. ولكن هذا لم يمنع المجتمع الدولي من التشديد على اعترافه بها واستعادت في نهاية المطاف سيادتها من خلال استخدام القوة.
أما في الحالة الليبية، فالاعتراف السابق لأوانه بالمجلس الوطني أصبح مجرد "فضول تاريخي" على غرار تلك البلدات التي اعترفت لفترة وجيزة بدولة بيافرا المنحّلة. ويتساءل الباحث عما إذا كان  الاعتراف أو عدم الاعتراف أداة من أدوات التحكم ويتوقف أثره القانوني على القيام بأفعال دبلوماسية ملموسة؟
ويعتبر أن الاعتراف استعمل لتبرير التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في حين أن المبررات القانونية غير ضرورية، مضيفا أن اعتبار الاعتراف كعمل اجتماعي له أثر ملموس ليس فقط على الحقوق والواجبات الدولية ولكن أيضا على الشرعية وبذلك فإن له أثر عميق. وفي حين أن الاعتراف القانوني يستهدف الأنظمة القائمة فإن الاعتراف الاجتماعي يستهدف المدنيين عن طريق المطالبات الخارجية بإعطاء الكيان السياسي الحق المشروع في الحكم..
أزمة شرعية
ويتم تعريف الحروب الأهلية عبر انهيار احتكار النظام في استخدام القوة وتقسيم الفضاء وأزمة الشرعية داخل النظام. و في هذه الظروف لا يستطيع أي طرف سواء كان الحكومة أو الفصائل المتمردة أن تزعم أنها تسيطر فعليا على كامل الحدود الإقليمية أو السكان في تلك الدولة. وهو الحال بالنسبة للحرب الأهلية التي اندلعت في ليبيا والتي كانت إعلانا عن رفض نظام القذافي.
ووفقا للكاتب كاليفاس فان الحكومات تتجنب استعمال لفظ "حرب أهلية" حفاظا على تفوقها وشرعيتها السياسية وتفضل استعمال ألفاظ "إرهاب" و"إجرام". وقد استعمل القذافي مثل هذه الألفاظ بعد 17 فبراير ملقبا معارضيه بـ"الجرذان" و"المستأجرين" الذين يعملون لصالح الاستخبارات الأجنبية وتنظيم "القاعدة". أما الثوار الذين يسعون إلى فرض أنفسهم كبديل للنظام الحاكم فقد مالوا إلى تبني رواية "الحرب الأهلية" والانعكاسات الشرعية التي تنبثق منها. وبالتالي فاعتبار أن الحروب الأهلية هي في الوقت ذاته صراعات عسكرية داخلية ومطالبات بالشرعية، فان الاعتراف الأحادي له أهمية في تسريع التغييرات في المواقف بين المدنيين. ويكمن الرهان هنا في فهم العوامل التي تتسبب في تحول الولاءات بين الفصائل المتناحرة والتداعيات الاجتماعية التي تتبع الاعتراف التأسيسي.
تحولات
ويقول الباحث إن التحول في سلوك المدنيين عبر دعمهم لأحد الكيانات السياسية تعتمد على اعتقادهم في شرعيتها أو لأنهم اكرهوا على القيام بذلك. وبين أنه من السهل تفسير عامل الإكراه لأن الحكومات والحركات "المتمردة"على حد سواء غالبا ما تستعمل القوة ضد المدنيين أو التهديد. وهذا لا يؤثر بالضرورة على مواقفهم ولكن على سلوكهم وهو النتيجة المرجوة في النهاية.
ولكن الشرعية كعنصر محفز ليس سهلا في تفسيره وهو ما يجعل فعل الاعتراف الدولي أكثر وضوحا. فهو يهدف للتأثير على سلوك المدنيين عبر التأثير على مواقفهم وآرائهم. وهو ليس الحال بالنسبة لفعل الإكراه الذي لا يتطلب أن يكون دعم المدنيين طوعيا. وبهذا يبرز الاعتراف بانعكاساته القانونية والسياسية. فالاعتراف له رمزية مؤسساتية وشرعية.
ويذكر الباحث مثال منظمة التحرير الفلسطينية التي تم الاعتراف بها كممثل للشعب الفلسطيني وأصبح لها مقعد ملاحظ لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974. وعبر فعل "الشرعية المؤسساتية"، سمحت الجمعية العامة للأمم المتحدة للمنظمة بالمشاركة في كل الندوات والتقارير في الشرق الأوسط تحت غطاء الأمم المتحدة. وكان لهذا تأثير كبير على قدرة منظمة التحرير الفلسطينية في السعي إلى تحقيق أهدافها السياسية. وكان لهذا الاعتراف أثر على خلق شرعية للمنظمة أمام الشعب الفلسطيني.
مجتمع قبلي
تاريخيا، كانت المعارضة في ليبيا تنبع من  طرفين: الإسلاميين والفصائل القبلية في برقة (المنطقة الشرقية في البلاد). ولأن هذين الطرفين يمثلان تحالفات دينية وعرقية قبلية أكثر منها تحالفات مدنية فإن هناك خشية من أن يتأثر الثوار بها. وهو ما من شأنه أن يقوض مطالب الثوار بتكوين حركة تحرير وطنية. كما أن وجود المقر الرئيسي العسكري للمجلس الانتقالي في برقة والانتصارات التي حققها هناك لا تساعد على إبراز أن الثوار لهم شرعية ذات قاعدة وطنية عريضة.
فعندما قامت فرنسا بالاعتراف بالمجلس الانتقالي في العاشر من مارس، فإنها بررت ذلك بأنها تعتقد بأن المجلس هو الممثل الشرعي للشعب الليبي.
وتمنح في العادة، الحركات الثورية أو الحكومات الثورية التي تشارك في الحروب الأهلية نوعا من الاعتراف بالثورة، وهو اعتراف ليس شبيها بالكامل بالاعتراف بالسيادة أو بوجود دولة ما ولكنه اعتراف بوجود بعض المظاهر القانونية أو بطريقة أخرى الاعتراف بوجود حالة حرب بين طرفين من نفس البلد.
ففي الحرب الأهلية الإسبانية مثلا، اعترفت بريطانيا بتمرد الثوار الأسبان الذين تمكنوا في فبراير 1939 من السيطرة على معظم التراب الإسباني. وبهذا الاعتراف، حاولت بريطانيا أن لا تعترف بصفة سابقة لأوانها بالثوار كحكومة. ولكن الإعلان الفرنسي تجاوز ذلك ولم يهدف فقط إلى الاعتراف العسكري بالثوار وإنما أيضا بشرعية مطالبهم في حكم البلاد.
وقائع اجتماعية
وأوضح الباحث أن الاعتراف كفعل قانوني واجتماعي وتطبيقه على مجموعة من الثوار، يذكّر الفاعلين السياسيين والمدنيين أن الحكومات تعتمد بالأساس على وقائع اجتماعية وليس سياسية، وبالتأكيد فإن للحكومات خصائصها على غرار زعماء الأحزاب والأعضاء والنخب السياسية، ولكن ما يضفي شرعية على هذه الكيانات في عيون أتباعها هو بالأساس فعل اجتماعي.
نقد
ويعتبر الباحث أن القول بأن الاعتراف هو القدرة على إعطاء معنى اجتماعي لكيان سياسي وهو ما يضفي عليه شرعية في عيون المدنيين ولكن يجب القبول بأن العكس صحيح. فعلى سبيل المثال، إذا كان للموقف الأحادي لفرنسا يهدف للتأثير على مواقف المواطنين الليبيين، فإن هذا سيفيد حكومة الثوار فقط إذا قبل الليبيون بحق فرنسا باتخاذ مثل هذا الموقف.
ومن الداخل، تنظر أغلبية من الليبيين إلى مبادرات الدبلوماسية الفرنسية كفعل "شرعية خارجية" أكثر من "تلاعب خارجي". ويبقى الاعتراف الفرنسي فعلا اجتماعيا تأسيسيا ولكن معناه المتشعب يعكس هدف الثوار في التمتع بالشرعية الخارجية. وهذا مهم جدا في ليبيا. فرغم أن المجلس يتمتع باعتراف ثلاثين دولة فإنه يبقى سلطة غير ديمقراطية وغير منتخبة. كما أن الحضور النشط للقوى الخارجية تؤثر على سعيه لتقرير المصير. وفي هذه الحالة فان الاعتراف لا يفشل فقط في مساعدة الثوار وإنما يساهم أيضا في فقدان الدعم الشعبي في ليبيا.
الباحث : جوشوا ماير فريدمان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق