الأربعاء، 5 أكتوبر، 2011

سليمان عبدالقادر : حتى لا تكون نكبة أخرى (3)...


ليس الكبر أن تلبس الجميل أو أن تقتني النفيس، بل الكبر أن ترى الحق لا يدور إلا في فلكك، وترى الناس عبيدا ينصاعون تحت قدمك.

إن ثورتنا المجيدة لم تكن لإسقاط فرد فحسب بل لإسقاط منظومة تحوي نمطا من التفكير عقيم، وطريقة في التعاطي مستبدة، وجملة من المسلَمات الخاطئة والمتناقضة. والعناية بتغيير الأفراد دون تغيير هذه المنظومة سيكرر الإستبداد بأناس آخرين، من هذا القبيل أشير إلى عقلية الوصاية على الشعب والتعامل مع أبناءه على أنهم قُصَر لا يملكون أهلية الوجوب ولا إرادة الإختيار، 
 
لأنها في نظري الشعور الذي هيأ للإستبداد في بلادنا ، أو بالأحرى أحد كرات ثلج الإستبداد التي بدأت صغيرة ثم كانت عبر اثنين و أربعين سنة سلوكا للإقصاء المقيت و المخل للرأي الآخر، فاختزلت الحياة في شخص واحد، و فكر واحد، ورأي واحد، وذوق واحد، بل حتى ولون واحد، "فلولا أن يكون الشجر أخضرا، لطلي بالأخضر". و تدحرجت الكرة، فأصبحت سلوكا في إتهام النوايا، لكل رأي مخالف وكل نجاح مخالف، و أصبح كل ما لا يصدر عن الفرد الملهم! يُصوَر على أنه تهديد لسلطة الشعب وتقويض للنظرية الفريدة!! ، و جر للوطن إلى ساحة غير ساحة النضال والتحرير ومواجهة الإستعمار، وصوت يعلو فوق صوت المعركة التي يجب ألا يعلو فوقها صوت!!. و صنفت الساحة إلى صنفين: هذا ثوري وذاك رجعي ، هذا حر وذاك عميل للمخابرات الأجنبية ، وأصبح هو المقياس الذي توسد به المهام إلى غير أهلها، وفقا لشعار السلطة شعبية والإدارة ثورية.
و أول الخطوات لمحاصرة هذه الكرة حتى لا تتدحرج عبر الايام والسنين وتجثم على صدر مستقبل، نريد أن يكون واعدا وتليدا، أن يطلق العنان للمجتمع المدني والأهلي لكي يكون فاعلا وحيويا يحمي من الإنحراف ويبني الشفافية. إن آفة الأنظمة السياسية في دول العالم الثالث أنها - تحت فكر الوصاية - احتكرت الحراك المجتمعي أو ما يسمى بالعمل المدني و الأهلي، و أصدرت من القوانين والتشريعات ما يكرس هذا الإحتكار، فقتلت الإبداع وضيقت على التميز. وفي بلادنا كان قانون "19" هو سيف الوصاية المصلت على الحراك المجتمعي والذي صنع ثقافة المنع كأصل في التعامل مع تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية بما وضعت من شروط تعجيزية على هذا الحراك، و اليوم نخشى أن تأتينا ثقافة الإقصاء في لبوس آخر فتتبدل الكلمات وتبقى الهياكل، فيستبدل الرجعي بالإيديولوجي، والعمالة للإستعمار بالتطرف ، والفكر الثوري بالمعرفة، نخشى أن يتهم الرأي المخالف على أنه محاولة لسرقة الثورة وتقويضا لنظرية المعرفة وإشغالا للناس عن الثورة، نخشى أن يحارب الرأي المخالف والحراك المجتمعي بحجة أن الوقت لم يحن لهذه الآراء وهذا الحراك، فيختزل الحق في رأي واحد والصواب في فعل واحد، ويصبح شعار فشل التيارات السياسية الذي يطلقه البعض إيذانا ببدء حملة من الإقصاء والتهميش!! . نخشى أن تعاد الكرة فيما يتعلق بتكوين الجمعيات الأهلية والمؤسسات المدنية فينكمش المجتمع الأهلي لصالح النظام السياسي، ونرى مسيرات التأييد والمبايعة آداة لإرهاب الرأي المخالف والتضييق عليه.
النخب الوطنية مطالبة بإرساء ثقافة الحقوق فيما يخص العمل الأهلي وجوهرها : حق كل مواطن في تكوين الجمعيات الأهلية بحيث لا يحتاج إلى موافقة من أي جهة كانت، وأن الشرط الوحيد لتكوين الجمعيات هو عدم مخالفتها للدستور و القانون ، و التسجيل في السجل التجاري للجمعيات التي تؤدي نشاطات إقتصادية. 

إنه يجب نثق أن هذا الشعب الذي صنع ثورته المجيدة، قادر على أن يعرف الغث من السمين وقادر أن يختار النافع من الضَار ، فلا يجب أن تمارس عليه الوصاية من جديد ، فلقد ولَى إلى غير رجعة عهد االقائد الملهم المعلم . إنه من الأهمية بمكان أن يشاع مناخ من حرية الكلمة ونبتعد عن عن فكر الوصاية على الشعب بل نفعل المجتمع الأهلي والمجتمع المدني ونثق أن وعي الشعب وفاعليته هو ضمان الحرية والكرامة والإصلاح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق