الجمعة، 2 سبتمبر، 2011

سلطان الجميري : مشاعر " سعودي " يوم سقوط طرابلس .. !




يمكنني أن أقول أن الحرية كالجني قد تسكنك دون أن يشعر بها من حولك إلا حين يلاحظون تصرفاتك الغريبة!

هذا هو أنا يوم دخل الثوار الليبيون طرابلس .. يوم سجدوا وقبلوا ترابها .. يوم استقبل أهلها الثوار بنحر الإبل في الطرقات وكأنه يوم النحر الأكبر..وهو والله يوم كبير ..ونحر أكبر ! إنه يوم مشهود.. مجموع له الناس والدموع ولحظات الفرح..!  مجموع له الأحرار الأبرار وكل الشجعان .. ! يوم من أيام الله .. يصغر فيه الظلمة ويكبر فيه الثوار .. يقزم فيه المستبد، وينتفخ الحر الأبي عزة وكرامة .. ! بكل اللغات ،، تكبر طرابلس … وتسبح مصراته .. وتهلل الزاوية .. وتحمد الله بنغازي .. لهذا الفتح المبين ! فرحون ..فرحون ..ويوميئذ يفرح المؤمنون بنصر الله
..
إنه اليوم الذي يقفز فيه شاب لايتجاوز الثامنة عشر من عمره .. من داخل قلعة الشيطان .. باب العزيزية ..يصرخ أمام الكميرا .. يا أمي يا أمي .. يريدها أن تراه .. تراه حراً .. لم يعد يخاف .. ولايبنغي لها أن تخاف .. ! لن يختفي عنها ولن يحرمها أحد السؤال عنه إذا غاب .. لن تعتصب بالألم في الليل..ولن يهدم بيتها بالدركتلات في الظهيرة .. وليسلم أطفالها دون ترويع ..فلن يخر عليهم السقف من فوقهم وهم يلعبون إذا ما توحش زبانية القذافي من اللجان الثورية !
لو كانت النار تشتكي لأشتكت من “صور القذافي” … لقد عاقب الله النار في ليبيا بصور أكثر المجرمين حقداً على ” الإنسان “  و ” الإنسان الليبي خاصة ” .. رُميت صوره في النار وكُب معه كتابه الأخضر التافه الذي لايشبهه شيء سوى عقله والخراء .. أكلت النار تللك الصور وهي تتأوه ..!
لقد عمل القذافي لسنوات من أجل برمجة الليبيين على الولاء المطلق .. والنفاق له ، للبقاء في هذه الحياة،، مجرد البقاء للتنفس والسير ولاغير.. لاطموح لامستقبل لاأحلام ..كلها شطبت من قاموسهم .. لقد أصبح الليبي يرى القذافي ويهتف له دون تفكير ولا إستشعار لما يفعل .. يهتف ” للأخ القائد” هكذا ولو قتل إبنه بالأمس ! حتى في أحلامهم .. يهتفون ،، لقد أقنعهم أنه هو من جلب لهم الكرامة والعزة ، وأن حياتهم بدونه لاشيء،، بدونه مجرد أسرى مستعمرون من قبل الطليان والغرب ! 
دائماً يردد على آذانهم ” أنا المجد .. أنا العز ” ..!  لقد كان يقول لهم بأفعاله  ” أنا ربكم الأعلى ” .. أقنعهم أنه لاحياة ولانجاة لهم بدونه ، وصدق بعضهم ذلك ..!  فكانوا يقولون (الله ومعمر وليبيا وبس)! في كل وقت ، في مناسبة وغير مناسبة .. تشبه ” الرجاء بالبقاء في الحياة ” يوم آخر .. الليبيون أنفسهم سمح لهم في هذا الهتاف  أن يقولوا ” الله ” في المقدمة قبل إسمه لإشباع تدينهم الفطري فقط.. ! وإلا فهو في حقيقة الأمر يريد أن يكون اسمه قبل لفظ الجلالة ” الله ” ! كان يعبدهم له .. إنني لا أتلاعب بالكلمات حين أقول يعبدهم له .. أنه يفعل ذلك ،، حتى شربت نفسه هذه الكذبه .. وأقتنع بها .. وآمن ! وظن .. عفواً ليس ظناً بل كان يجزم في داخله أنه رسول أرسله الله لإنقاذ البشرية .. وحين يسخر الناس منه في الخارج ويبلغه ذلك ، لايخجل ولايتعايب ذلك ،، بل كان يعتقد أنه يسير على خطى نوح عليه السلام،، كما صرح بذلك أحد المقربين منه في الماضي.. كان يرى أنه يصنع مثلما كان يصنع نوح عليه السلام ،، يبني السفينة ويسخر الناس منه ! لذا فهو ” نوح ” هذا الزمان الذي جاء لإنقاذ الناس ، لذا لايفتأ يدعو العالم لركوب سفينته .. وإتباع نظرياته في الكتاب الأخضر الذي صرف عليه مالم يصرفه على الليبيين طيلة حكمههو يرى أن الليبيين كلهم ” يحبونه ” .. وأن الذي لايحبه لايستحق الحياة .. ! لا أدري أي شيطان أوحى له بذلك ،، لم يدر بخلده ولو للحظة أن هناك من الليبيين من ينتهي من أذكار الصلاة ويلعنه حتى تشرق الشمس أو تغيب!
بعد فتح طرابلس ..
إتصلت على أصحابي في كندا ، وفي طرابلس وبنغازي ومصراته .. باركت لهم .. وودت لو كنت بينهم ! .. أحسست شخصياً أنني أنا الذي تحررت .. لاسيما بعد أن وضع أصدقائي الليبيين مشاعري وأحاسيسي في زنزانة من القصص والأحاديث التي تحولت مع الأيام الى قضبان حديده تحيط بي من كل إتجاه!
عشت مع الليبيين في الغربة أكثر من ست سنوات .. وكانوا الأقرب إلى قلبي حتى من السعوديين .. شاءت الأقدار أن أحط رحالي قبل سنوات في كندا في مدينة لايوجد بها سوى سعودي واحد وعشرات الليبيين .. فاقتربت منهم واقتربوا مني .. حتى تملكوني وأشعروني بأنني بين إخواني لا أصدقائي .. كنت أسافر وأترك زوجتي وإبني بين زوجاتهم وأبنائهم .. وقلبي مطمئن .. ! وحين أعود إلى السعودية في الإجازات .. أحن إليهم وإلى جلساتهم وأحاديثهم .. !
جمعنا الحب والإحترام .. وشد وثاقنا الصدق والتضحيات .. كانوا بحق أكسير الغربة وبهجة الروح وأنسها !
نغضب من بعضنا اليوم .. ونعود في اليوم التالي وقد طوينا صفحة الأمس .. لاتزيدنا الشدائد إلا جوداً ..كعود زاده الإحراق طيبا !
إذا قسا علينا الشتاء .. وأردى مدينتنا ” صقعاً ” .. جمعتنا المبكبكة والكوسكسي وشربة لسان العصفور .. ! وحين يتنادى أصحابي إلى البازين إفر هارباً.. أتولى وهم يضحكون .. !
في مسجدنا الصغير .. في بلدتنا الصغيرة “ريجاينا” .. كان اللقاء الأول..
وقبل ذلك اللقاء .. فاصلة زمنية مهمة للإلتفات إلى الخلف ،،،  السعوديون لايعرفون عن الشعب الليبي سوى فلم ” عمر المختار ” .. الذي شاهدوه صغارا وكبارا مئات المرات ..! ولاشيء غيره .. ! حقيقة ،،
واليوم يتحدثون حتى عن القرى الليبية المترامية .. وقبائلها .. !
مصراته !
آآآه ياقلبي .. ماصنعت بي مصراته !  حفرت بقلبي أخاديد لايردمها شيء ..! من الذي لم يعد يعرف مصراته وأهلها ورجالها الأشاوس الأبطال.. أحفاد سعدون ورمضان السويحلي ..! مصراته  يصدق عليها ما قاله الإيطاليون : ليبيا حية  رقطاء ،، رأسها مصراته !
مصراته التي جعلت المعادلة المستحيلة ذات عشرات الحلول .. تحطمت على أسوارها كتائب القذافي المدربة .. قدموا إليها زرافات مدججين بكل سلاح .. فلم يخرج لهم أهلها حتى حفروا لأعدائهم القبور إبتداء .. ثم برزوا إليهم يقتلون فريقاً ويأسرون فريقاً .. كأنهم على موعد مع الحصاد .. ولكنه حصاد مختلف .. لاتفتأ سواعدهم من ضرب الرقاب  إلا حين يؤذن مؤذن : أن قد حان موعد “شاهي الحرية” …فاشربوا بإسم الله حافظها وناصرها .. يشربون الشاهي وهم يغنون :
يادم الشهداء لن تضيع هباء .. قد رويت بلادي عزة وإباء .. ياشهيد النور .. يارفيق الحور .. ثورة الأحرار .. لن تعود وراء .. ثورتي بركان .. قبضتي طوفان .. صرختي نيران ..تحرق الخبثاء ،، لن تموت جراحي .. لن يخون سلاحي .. لن أعيش ذليلاً في يد السفهاء ..!
كان غناءاً يلهب المشاعر .. ويمزق الدياجير .. يهز القلب ويأزه .. يجر الشمس لتشرق في غير موعد الشروق .. غناء يحرض على الوفاء .. فكان هو العهد والمواثيق والقسم بأن أيام القذافي لن تعود .. وأن الدم الليبي الذي دفع في الثورة لن يذهب هباء في تفاوض أو تصالح مع القاتل مهما طال الزمن ..  !
حوصرت مصراته حصاراً يركع له كل ذي شكيمة .. وينفد معه الصبر والمصابرة .. ليس هناك أخبار سوى الموت .. لبس أهلها الأكفان ..ورفعوا صوت القران داخل مساجدهم .. وودع الأبناء آهاليهم ، ثم ثبتوا كالطود العظيم لايترنح ولايتحرك .. يخرجون في الصباح بأسلحتهم الخفيفة لمواجهة الدبابات وكلهم يقين أن الحسابات في مثل هذه الظروف إنما هي حسابات تتولاها عناية الرحمان !
يقولون علانية : نحن لانستسلم ننتصر أو نموت ! وفي داخلهم صوت  الإيمان يقول : نحن لانستسلم ننتصر أو ننتصر !
كانت عيون العالم على مصراته ، منهم المنبهر ، ومنهم المشفق ، وكان أحسنهم ظناً الذين يتسائلون : كيف يأكل هؤلاء الناس مع هذا الحصار المطبق عليهم من كل اتجاه .. الجوع يفت عزيمة الشجعان، فلاطعام ولادواء يدخل هذه المدينة لعدة أشهر.. فكيف يثبت هؤلاء !
رد المصراتيون بجواب قاله الملهم الأول عمرالمختار من قبل : ( نحن البدو مثل عصافير السماء التي تجد ماتأكله في المكان الذي يخيل إليك أنه يخلو من الطعام) !
أيها السادة ..ضعوا فلم عمر المختار في الدرج للذكرى فقط .. ربما لن تحتاجوه بعد اليوم، الآن لديكم أفلام حديثه تشاهدون فيها سليل عمر المختار في مصراته ،، أمام هذه المشاهد تثنى الركب .. ويتعلم المنظرون ..يغنيك شباب مصراته عن كل شيخ ! هناك تجد دروس التوحيد العملية .. فتعلموا العقيدة الصحيحة عند من ينشد الكرامة ويدفع ثمنها!
قلت لكم إن الحرية .. تشبه الإلتباس بالجن .. وكذا يبدو هذا الهذار هنا ..كلما أحاول ترتيب هذا الكلام وأضع التسلسل المناسب للقاريء .. أنجر مع الشعور ببهجة النصر ..ونسيم الحرية الذي أتحسسه.. إنتشاء يعتريني .. جذلاً بهذا الإنتصار ..!
إلتقيت في مدينة ” ريجاينا ” بأصناف الليبيين ( إسلاميين ، جامية من نوعية خاصة ” تخرج الفقع من رأسك” ، ليبراليين ، غير مؤدلجين وعامة ) .. لم أقطع الجسور معهم جميعاً .. حاولت أن أجعلهم كلهم أصدقاء .. نجحت إلى حد ما ..ورضينا جميعاً بقبول بعضنا لبعض .. بكل مانحمله من أفكار متباينة .. وزالت الرسميات والمجاملات بيننا.. نحتد في نقاشاتنا ونختلف .. وقبل الخروج من المركز الإسلامي نحدد موعداً من الغد نمارس فيه بعض الرياضة ونلهو مع بعضنا .. ثم نشرب القهوه في ” التيم هورتنز” وتنتهي الكثير من الخلافات بهذه البساطة .. !
رأيت في الليبيين عزة النفس والكرم والشهامة والتضحية وحب الخير والتدين .. يمكنك أن تكسبهم أصدقاء بتقديرهم فقط ،فهم لايرضون الإهانة أبداً .. ولايقبلونها ..
هم سريعوا الغضب .. الضغوطات النفسية عليهم كثيرة .. لايبوحون بأسرارهم إلا ماندر .. لايحبون الشكوى ولا تسول العطف .. لايتحدثون في سياسية القذافي كثيراً .. إلا من قطع حبال العودة إلى ليبيا ..  كان لديهم تخوف من بعضهم لبعض خصوصا من الشباب الذين من قبيلة القذاذفه !
المتدينين منهم ” جامية “  يقدسون الفوازن وربيع مدخلي عندنا في السعودية.. وأكثرهم من زوار منتدى سحاب، يحظى الشيخ الألباني لديهم بمكانة لايعدلها أحد في العالمين .. ! هذا الصنف من الليبيين كانوا قلة لايتجاوزون خمسة أشخاص، لكن صوتهم كان مرتفعاً لسبب بسيط أن معظمهم كان من ربع القذافي أو قريبون من قبليته، فيتعامل معهم الليبيون الآخرون بالمجاملة رغبة في تجنب أذاهم .. فالتخوف منهم نابع من إحتمالية أن يكونوا من كتاب التقارير .. فلديهم خبرة وتجارب سابقة و القصص في هذا الشأن لاتنقطع !
لدى هؤلاء المتجيمة حماس شديد ” لتحريم وتبديع كل شيء ” ويشعرون مع تبديع كل قضية جديدة بنشوة إكتشاف شيء جديد في الدين .. لقد كانوا مصدراً من مصادر القلق بين العرب.. ورغم أن كثيراً من الليبين الذين عرفتهم هناك كانوا ينفرون من هؤلاء المتدينين ويستقبحون آرائهم ورؤيتهم للحياة والدين والعلاقة مع الناس …!   لكنهم في نفس الوقت يشعرون بالحيرة وصعوبة الرد حين يتم حربهم بشيوخ السعودية وفتاواهم  كيف ترد على علماء أرض الإسلام ومنبع التوحيد الصافي !! كان كثير منهم يعتقدون أن السعوديين كلهم أو أغلبهم من أتباع “ربيع المدخلي وفالح الحربي ” ! فكل السعوديون بالضرورة ” سلفيون ” ومصدري السلفية للخارج ! ومن يكن خلاف ذلك .. فلاشك أن في منهجه خللل .. ولاينبغى الأخذ منه ..!
لذا كان السؤال الأول الذي يتلقاه السعودي من قبل هؤلاء المتجيمة ؟ كيف أخبار الشيخ ربيع والشيخ الفوزان ؟ ومن إجابتك وإبتهاجك بهم أوعدمه .. يمكن أن يحكم عليك من قبلهم بكونك “سلفي ” أو ” لا ” ! فإما أن يرحب بك .. وإما أن يتم وضعك في قائمة المبتدعة المنحرفين عن الجادة ،، للتوقف العلاقة بك عند هذا الحد !
صديقي مصعب ، ” سعودي”  تم الحكم عليه بالهجران من قبلهم، كان ذلك قبل أن أقدم إلى ريجاينا .. فقد كان في نظرهم من المبتدعة الذين يعادون السلفية  بعداءه لربيع المدخلي ..! حدث ذلك كما أخبرني “مصعب” إثر نقاش حدث بينهم .. قال فيه : أن ربيع مدخلي جامي ..لايحظى بالقبول عندنا في السعودية ! فجن جنونهم .. وشعروا أن حمى الإسلام يستباح ..فقرروا شطبه نهائياً .. وشطب من بعده كل شخص يمشي معه ..! وقالوا من لم يهجر مصعب فسوف نهجره أيضاً ! هذا دين لانجامل في دين الله ..!
هذا ليس خيال .. هذا وقع حقيقة !
كانت هذه المقدمة معروفة لدي ، ولفت إنتباه من مصعب لآخذ حذري .. لذا مجرد الإلتقاء بهم حاولت أن أمسك العصا من المنتصف ولا أخسرهم.. وبالفعل مع الأيام ، قويت علاقتنا ببعض وأصبح من الصعب أن نفترق لأجل الإختلاف الذي بيننا .. !
وحتى لا أبخسهم حقهم ، فحتى هؤلاء المتجيمة، كانوا كرماء أسخياء لطفاء جداً معي ! لكني والله عجزت أن أفسر هذا التناقض في شخصياتهم! .. تارة يكرموك بلا حدود ..وتارة يهجرون المسلم لإختلاف يسير ..  فتستغرب في داخلك كيف لصاحب هذا الكرم والجود أن يتحمل منهج الهجر والشدة مع الناس.. !
كسبت ودهم،، وبحيلة يسيرة ..فبعد أن عرفت ماذا يحبون وماذا يكرهون .. بدأت أروي لهم بعض القصص التي حدث معي مع الشيخ الفوزان وبعض العلماء الذين يحبونهم، فكانوا يستأنسون بها أيما إستأناس.. رغم أنها من القصص التي لاتسرني، كان يكفيني أنهم ينظرون إلى هذه القصص بإعجاب شديد .. ويريدون سماع المزيد .. فكنت أحكي لهم لأملأ هذا الفراغ في داخلهم !  وما أسهل ملأه ..
بعد أن وثقوا بي وتعرفنا على بعض بشكل كبير .. طلبوا مني أن ألقي عليهم درساً  في أي شيء … فهم يؤمنون بأن مايقوله من تعلم شيئاً في السعودية يحمل قيمة تختلف عن الغير .. فكيف إذا كان يحكي عن الشيخ بن باز والفوزان والراجحي والغديان وربيع والألباني .. بدأت الدرس ومنه إنطلقت لأبث من خلاله ما أؤمن به من أفكار .. وأعتبرت نفسي نجحت حين وصلت وإياهم بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة إلى خلاصة مفادها أن الشيخ الفوزان وربيع والألباني يؤخذ من قولهم ويرد .. وقد يخطئون ! كان إنجازاً تاريخياً لي .. أن أصل بهم الى هذه الفكرة .. أحاول أن أعزز فيهم هذه الفكرة بإستمرار.. لإنني أكتشفت أن هذا الإحساس سرعان مايخبو ويخفت بعد كل شريط يسمعونه أو فتوى يقرأونها لمن يحبون ..فيعودون للقداسة العمياء !
بالطبع وكما ذكرت سابقاً ، لم يكن كل الأصحاب من الليبيين ” جامية” ، غيرهم كثير،، لم يكن ذا توجه فكري معين أغلبهم أطباء وأكاديميون دكاترة .. لذا كان سهلاً أن تقوى العلاقة بيننا منذ الأيام الأولى .. كل الطرق كانت ممهدة لذلك.. بسطنا أيدينا لبعض بكل يسر!
أيام العزوبية ، كان منزلي مركازاً نلتقي فيه كل يوم لتناول الوجبة اليتيمة الساعة السادسة مساء ..  توزعنا مهام الغسيل والطبخ والتنظيف بيننا كل وخبرته ، ومكثنا فترة طويلة نعيش وكأننا عائلة واحدة … نلتقي ببعضنا في الجامعة وفي المسجد وفي بيتي .. قوية اللحمة .. وبقيت قوية .. إلى أن تمايزت صفوفهم بعد ثورة ليبيا !
كانت السفارة الليبية تدفع لهم مبلغاً شهرياً لعمل أي نشاط للطلبة الليبيين في المدينة .. كان الليبيون في مدينتنا يجعلون هذا النشاط عبارة عن عشاء يجمعهم في ” بيتزا هت ” .. دعيت إليه كثيراً ، وحين عرفت أنه إجتماع خاص بالليبين ، شكرتهم وأعتذرت عن الحضور لهذا الإجتماع .. !
حين تجرنا أحاديث السياسة .. كنت أسخر من القذافي .. إلى أن جاءني صديقي أحمد  بكل أدب وقال لي ياسلطان:  أرجوك إذا أردت الحديث عن القذافي فلا تشتمه أمامي هو من قبيلتي وأشعر بالحرج الشديد وأنت تفعل هذا أمامي .. ! قلت له : لم تطلب شيئاً .. فاحترمت الصحبة ومشاعره ..!
بعدها .. حرصت على معرفة قبائل زملائي ومن هو من عائلة القذافي ومن هو معارض .. ومن يكره القذافي في داخله .. ويجامل في العلن خوفا على نفسه وعائلته!
هذا الصديق اسمه ( أحمد ) قبل ثلاثة أشهر غادر كندا متجهاً إلى سرت ، للقتال في صفوف القذافي .. والدفاع عن قبيلته وأهله على حد قوله ،، ! حاولت ثنيه لم أستطع ،، قلت له إذا كنت تعتبر مايحدث في ليبيا فتنة فقد عصمك الله  من الدم ، فابق في مكانك إلى أن تنجلي الأمور .. قال الثوار قادمون لقتال أهلي .. قلت: لن يفعلوا إذا لم يرفعوا السلاح ،، أبى أحمد وسافر وعاد فعلاً إلى ليبيا.. إلى سرت حيث أهله وقبيلته ! دعوت الله إن رفع السلاح على الثوار أن يلقى حتفه ..!
خرجت ذات يوم مع أصدقائي في مخيم للتنزه .. كنت السعودي الوحيد بين مجموعة من الطلاب والدكاترة الليبيين  خلا هذا المخيم من ” الجامية “..!  كان الليل يسدل ستاره ..  فيقضى بأحاديث الذكريات والفترات الكالحة في ليبيا أيام السبعينات والثمانينات.. معظمهم عايشها .. كان لدى كل واحد منهم عشرات القصص .. كنت مصطدوما مشدوها .. لا أتكلم .. تحولت كلي إلى ” أذن ” أستمع .. ولم أكن لأصدق لولا أنهم يقولون ” رأيت ” و “حدث لي كذا وكذا” …  كان كل واحد منهم كتلة من الذكريات البكائية الموغلة في الحزن .. أقاربهم ..زملائهم شنقوا .. سجنوا .. عذبوا .. القهر كان قبلتهم .. إمتلأت قلوبهم لأربعين سنة بالخوف والرعب .. لم يكن أملهم في العدل والحرية .. كان أقصى مايتمناه أحدهم معرفة الطريقة المثلى لتجنب أن يقع عليه الظلم ..!
لم يتركهم نظام القذافي في حالهم حتى بعد أن هجروا ليبيا على مضض .. كان يرسل لهم مايسمون بـ ” المتربصين ” وهو وصف يطلق على بعض الطلاب مبتعثون الذين يرفعون تقارير عن زملائهم للأمن الخارجي ! ليتم القبض عليهم بعد ذلك في المطار مع أول زيارة لهم لليبيا..
لم يكن الظلم وحده هو مايفري قلوبهم .. بل قرارت القذافي المجنونة التي وضع الشعب الليبي في إحراجات كثيرة أمام العالم  ! أشياء لايصدقها العقل .. ولايمكن أن يفعلها من تعمل في رأسه خلية واحدة  فقط من خلايا الدماغ .. ! القذافي جعل الناس يترحمون على جنون الحاكم بأمر الله الفاطمي ، الذي كان يمنع أكل الملوخية والجرجير وذبح البقر في غير الأعياد، ويأمر الناس بالأذان للظهر في الساعة السابعة صباحاً والعصر في الساعة التاسعة !
القذافي فعل أشنع من ذلك .. من شطب الوزارات ، وتغيير العملة ، وإلغاء التجارة .. ومفهوم البيت لساكنه والسيارة لسائقها وخزعبلات عديدة .. ونداء لاعبي الكرة بالأرقام ،  ويكفيه جنوناً أن يعلق في بعض الطرقات واحدة من نظريات كتابه الأخضر ” المرأة تحيض والرجل لايحيض ” !
أثناء أحاديث السمر .. تحدث أحدهم بعبرات يائسة محبطة فقال : هناك امرأة ليبية رأت رؤيا ملخصها ،، أنه بعد الأربعين سنة هذه سوف يأتي الفرج لليبيين.. كنا نضحك ..!  قلت لهم : فكروا في الجنة ، يبدو أن الدنيا ولت عنكم الأدبار.. ! كانوا أكثر سخرية مني… كان لديهم يقين يشبه الجزم بالبعث يوم النشور ، أن القذافي قدرهم الذي لاخلاص ولامناص منه.. لذا هم يدركون أن لا مصيبة يمكن أن يتلقوها في حياتهم أشد و أقسى من ” الأخ القائد القذافي ” .. وبقاءه على رأس النظام .. ! لذا لاغرو أن تلحظ شح عيون الليبيين بالبكاء .. لقد بكوا حتى نفد ماء عيونهم .. وحزنوا حتى صار الحزن كالفرح مستويان .. كل ضحكاتهم مجرد إنفراج في الفم .. يتيمة ضحكاتهم .. كأنما تريد الحياة أن تسخر من أسنانهم حين تبرز .. !
سمعت منهم في هذا المخيم تفاصيل حياتهم في الأربعين سنة .. وعشتها بدقائق قلبي .. حتى تملكني شعور أن الله أنزل ( إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) في قوم حالهم حال الليبيين .. شيء واحد يمكن أن تستخلصه من تأوهم وأنينهم الذي يشبه الكلام هو أن تحقق الحياة الحرة دون شبح القذافي في ليبيا أصعب من ملامسة النجمة في السماء براحة اليد .. ! العديد من محاولات الإنقلاب والإغتيال بائت بالفشل ، وقتل على إثرها المحاولون .. وعوقب آهاليهم من بعدهم بالهدم والفقر .. وعند القذافي فقط تزر الوازرة وزر آخرى !
عدت من المخيم ،، وبدأت أبحث في اليوتيوب ومواقع المعارضة الليبية عن صور ومقاطع الفيديو عن كل الأحداث والقصص التي سمعتها ..
وشاهدت ما يبكي القلب .. ويعصره بالقهر والحقد  على القذافي وعائلته وجميع أعوانه .. قرأت عن المدن الليبيه وأهلها والقبائل التي تسكنها .. وتألمت أن شعباً كهذا الشعب يعامل بكل إحتقار من قبل قيادته .. !
كان أول يتبادر الى أذهان الناس عند سماع مثل هذه الأحوال أسئلة منها : لماذا لا يحدث إنقلاب عليه .. لماذا لا يتم إغتياله ! أليس في الليبيين رجل يخلصهم من طغيانه ! .. هذه السؤال يعرف إجابتها الليبيون وحدهم ..! لذا هم يسخرون من السائل وفي نفس الوقت ويتألمون لعظم جهل الناس بكل المحاولات والتضحيات التي قدموها في الماضي لأجل الإجابات على هذه الأسئلة .. !
كررت عليهم الأسئلة نفسها ،، فكانت الإجابة مختصرة من أحدهم في تنهيده طويله .. وآسى كبير أن أكون كغيري لا أعرف  الجواب ولا أدرك الحركات المناوئة للقذافي،، قال لي ياسلطان : محاولات التخلص منه حدثت كثيراً  دون توفيق .. ونتيجة لذلك مر بنا زمن لايضمن الليبي أن يصبح بين أهله معافى في بدنه .. لقد كان القتل أول الردود لكل من تمر في ذهنه فكرة الإعتراض على سياسة القذافي ..مجرد المرور أو الخيال .. وزرع المخابرات في كل مكانه التي تخبر عن كل همسات الناس .. حتى نزع الثقة بين الأخ وأخيه .. والأب وأبنه.. ! القذافي على مر السنين حقن دمائنا بالخوف منه ولجانه الثورية التي لم تكف يوماً عن البطش  والفتك بالناس ، وأصبحنا نعرف أنها وجودوها  مرتبط بالدم والقتل..!  القذافي إستطاع أن  يجعل لليبيين طريقاً وحيداً  للبقاء في الحياة هو الهتاف .. أن تبقى تهتف للقائد فقط وفي كل وقت !
يولد الليبي .. ويقطر في عينيه والديه : الحزن والألم !  قلوبهم ليست سوداء .. هذا صحيح ،، لكن فيها مايكفي أن يخسف بالشمس من القهر المكبوت .. !
كتبت تدوينة عن هذا المخيم ، وذكرت شيئاً من القصص التي سمعتها .. شتمت القذافي بالنيابة عنهم ، ثم نشرت هذه التدوينة مع صور المخيم .. اليوم التالي مباشرة : توالت الإتصالات على هاتفي .. سلطان أرجوك أمسح ماكتبت في مدونتك .. وأزل الصور.. هناك من قد يقرأها في السفارة .. هذه التدوينة تعرضنا جميعاً للخطر .. أن تخرب بيوتنا ومستقبلنا أرجوك!
ياآلهي .. إلى هذه الدرجة ،،  نعم .. وأبعد من ذلك ،، أي كلمة تجاه القذافي من قريب أو من بعيد ، تعرض حياة الفرد الليبي للخطر .. ليس هو وحده فقط .. بل عائلته أيضاً ..! إستجبت لما طلب مني .. لكني ازدت شفقة على شعب أبي يعبث به هكذا ..!
مع الأيام شعرت أن ليبيا كائن نما وتربى في داخلي .. وكبر بالضحكات والدمعات .. غذيته بالحب والأمنيات .. لم تأخذ ثورة من وقتي وإهتمامي كما أخذت الثورة الليبية ، ولم أشعر للحظة واحدة أن ليبيا بلد لا أعرفه رغم أنني لم أزره في حياتي ، تخيل أن تتساقط على أذنيك قصص الخراب والدمار والسجون والمعتقلات لسنوات ..! ثم تجد التضحيات والكرم من هذا الشعب .. تحزن وأنت تنظر إلى أصحابك وتسأل : لماذا قدرهم أن يخافوا من المهد إلى اللحد !
مهما تحدث الناس عن الدول العربية ومابها من ديكتاتوريات وأصنام ، أقول بمليء فمي،، ليبيا فيها رجل لايهنأ حتى يدوس على قلب كل من تسرب إليه لحظة سرور في غفوة الزمن .. ! حين أقول القذافي لايرى الليبيين ” آدميين ” فأنا أعني ما أقول : أنه لايراهم أبداًً آدميين ..يراهم “حاجية” يملكها ويعبث بها إذا شاء  !
بعد أن فر زين العابدين .. وسقط فرعون مصر .. كنت  أتحدث مع الليبيين هل يمكن أن يحدث ذلك في ليبيا .. كان الجميع محبط .. لايوجد مؤشر واحد لذلك .. لم يترك القذافي لليبيين بصيص أمل .. هذه الكلمة نسوها ولا أذكر أن أحد يتحدث عن الأمل في إسقاط القذافي .. أشغل الجميع بالبحث عن لقمة العيش .. أو الهروب من البطشة .. فإما سعي وإما جري ..زرع بينهم و فيهم سماعون له .. كان مجرد الحديث عن الثورة  داخل المجتمع الليبي أمر مرعب .. مباشرة تمتثل أمام المرء صور لمشانق الطلاب الذي كانت تبث وقت إفطار الصائمين !  ومشاهد لحمامات الدماء التي كان يسيلها في كل بقعة في ليبيا دون إعتبار لإي أحد .. صور ومشاهد تعلق في الذاكرة وتلتصق به كشيء كريه .. لايذهب سريعاً حتى يغمس المرء رأسه في النوم !
إنتشر في الإنترنت والفيسبوك تحديداً خبر يشير إلى أن ١٧ فبراير سيكون موعداً لإنطلاق الثورة الليبية ! .. كان عدد المشاركين في الصفحة يتزايد تدريجياً .. لكن لم يكن هناك إستيعاب بحجم مايمكن فعله .. إنها ثورة يا أصحابي .. إنه إقتلاع للقذافي .. أتسمعون وتشاهدون .. !  لم يكن لدى الليبيين الذين أعرف ” ذرة أمل” أن ينجح شيء .. وحين وصل عدد الصفحة الى ٣٠ الف .. وبدأ جدار الصفحة ينشط .. و نبرة الحرية تحتد .. حدث إرتباك في صفوف أصدقائي ..كأنما هناك من يهزهم .. ويعبث بالصنم الذي في داخلهم .. هناك من يريد إسقاطه في دواخلهم .. بدأ البعض يسر إسراراً : نعم ربما يحدث شيء .. ! يااه ..الأمل دب فيهم على غرة .. فطفق بعضهم يسأل عن الفيسبوك وكيفية الإشتراك والمشاركة فيه ؟ ..  كأنما هو الغيث آن آوانه .. وهطل الهاطلات اقترب موعده .. فالآراضي المجدبة  داخل قلب الليبي مستعدة أن تشرب كل ماء السماء ..  لأجل أن تتمو ولو أول بذرة للأمل واحدة بعد سنوات عجاف .. وقد كان !
قبل موعد الثورة بيومين .. إعتقل المحامي ” فتحى تربل ” الذي تولى قضية الدفاع عن أهالى مجزرة سجن أبو سليم والتي راح ضحيتها أكثر من ١٢٠٠ سجين ..! إعتقل المحامي قبل الوقت المحدد في خطوة إستباقية من النظام ..ومايدري أنه يستعجل قدره .. ويضغط على الزناد في غير موعده .. فكأنما هو نفسه لم يعد يحتمل الإنتظار للخلاص من نفسه .. خرج الناس إلى الشوراع بأعداد قليلة في بداية الأمر للمطالبة بإطلاق سراح المحامي والمطالبة بالقصاص من قتلة الضحايا .. ! فتحي تربل ..  كان الشرارة الأولى ..!
إقتاده الأمن من منزله وجاءوا به أمام ” عبدالله السنوسي”  المتسبب الرئيسي في قتل سجناء أبو سليم ، كان وقتها في بنغازي ، حاول السنوسي إقناعه بالحديث للناس ومنعهم من التظاهر وهدد بأن الأمن بوسعه أن يكبت أي محاولة للثورة ويقتلها في مهدها .. ثم أطلق سراحه في اليوم التالي ، وقال له : لا أريد أن أبقيك هنا و أجعل منك بطلاً !
عاد المحامي الى بيته .. لكن الشعب الليبي قرر ألا يعود ، وأنطلقت الثورة .. وأعتبروا أن الحرب ضد الطاغية  قد بدأت ولايجوز لهم التولي يوم الزحف والنكوص على الأعقاب .. فبقيوا في الشوارع يستنهضون همم الناس! كلما مشى الناس في الشوارع يهتفون بالعدالة والحرية .. زال خوفهم .. وشعروا بقوتهم ..فقرروا ألا تقف خطاهم .. وعرفوا حينها أن أول قتيل خرع صريعاً في معركتهم ضد نظام القذافي كان ” الخوف ” .. وهو القتيل الأعظم ..الذي فك عن آياديهم القيد لينطلقوا كالأسود يزئرون في الساحل الشرقي ويسمع صداهم في تخوم الجبل الغربي ! .. لقد ظن أكثرهم أن هذا الخوف لايموت ولايفنى من الوجود !
مات ” الخوف”  من قلوب الليبيين .. فاقتحموا مقرات الكتائب الأمنية وحرقوها بالغضب قبل النار .. وقد كانوا من قبل لا يمرون عليها ولا بالقرب منها إلا خائفين مرتعدين! كانت أول بشائر النصر أن يقول الليبيون ” لا ” وبصوت عالي .. فسمعها الناس خارج ليبيا ..!
ياااه ( لا ) هذه إرتبطت في ذهني بذلك الرجل المسن “الحاج زرقوبه”  بطل الزاوية الذي كان يغني ويرقص مع الثوار في بداية إنتفاضة الزاوية فكان يهتف ويضحك ( هذولا الي قالوا للكافر لا .. هذولا الي قالوا للطاغية لا .. قتلانا في الجنة .. وقتلاهم في النار .. )..
هذا الرجل بكيت لأجله كثيراً ..حين شاهدته بعدها مجندلاً على ظهره في أحد أحواض سيارات الكتائب حيث تم إعتقاله إبان سحق الزاوية لأول مرة ، كانت أتلوى من الألم وأنا أرى الجبناء أفراد الكتائب يسخرون منه .. وتألمت أكثر حينما بغلني  أنه قد تم تعذيبه ومن ثم ربط في أحد أعمدة الكهرب في شارع  بالزاوية وهو مخلوع الملابس .. ! بعدها توقعت أن يموت جراء التعذيب .. إنقطعت أخباره ، وأنا لازلت أتلمسها .. سألت بعض آهالي الزاوية والليبيين في الداخل عن وضعه وحاله ومكانه .. لم يكن يعرف أحد عنه أي شيء .. قلت مسكين أصبح نسيا منسياً  !
بعد سقوط .. طرابلس ، رأيته مع الذين تم تحريرهم من السجون ..في لباس أبيض حليق الرأس .. يالله كم فرحت له ، رأيته سالماً معافى .. وقد أكبرت هذا الخبر الذي كان يمثل لي نصراً  وفرحاً لايقل عن الفرح والبهجة بسقوط باب العزيزية في يد الثوار ..!
نعم الليبيون قالوا للظالم ( لا )  فأصبحوا يرون المدافع والمجنزرات أمام أعينهم  كالألعاب في عيون الأطفال ..  آليات عابرة لايهتمون بها .. !  ففي بنغازي .. بداية الأحداث حين إستعصى على الثوار الجدر العالية التى تحمي تلك الكتائب .. قرر أحدهم أن يملأ سيارته بإسطوانات غاز .. قرأ شيئاً من القران ثم أغلقه ووضعه في جيبه .. شغل سيارته و قال والله لاتهزم هذه العصابة … بسم الله رب هذا الحر .. وانطلق صوب البوابة وأقتحمها وفجرها .. للتناثر أشلاءه هنا وهناك شاهداً على  الرغبة الشديدة في الخلاص من الإستبداد والظلم .. ليدخل بعدها الثوار مباني كتائب الذلة والعار وليطمسوها من الوجود ..! فأيقن العالم حينها أن النصر لامحالة حليف هؤلاء الشجعان  مهما طال الوقت .. فقرروا مباشرة أن يضعوا أيديهم في أيدي الثوار .. فالكتاب كان واضحاً من العنوان .. “دم الشهداء مايمشيش هباء” .. !
رمى الأطفال صور القذافي في مزابل بنغازي فرأوا الصباح يلوح في الأفق .. وهدم الشباب تمثال الكتاب الأخضر في البيضاء .. فشاهدوا قصور طرابلس تتهاوى .. وباب العزيزية يفتح !
في بداية الأحداث ..كانت قناة الجزيرة تنقل أخبار متفرقة ولما تركز جهدها بعد على مايحدث في ليبيا .. ! ربما لم تكن الجزيرة نفسها تصدق أن تنجح الثورة هناك .. وربما رأت أن تسخر دعمها و تغطياتها لإتمام النجاح في مصر وتونس.. لكن الزمن لم يسمح لها بذلك .. ولا أحرار بنغازي وطبرق والبيضاء ومصراته والزاوية.. فحين تتابعت مقاطع الفيديو التي تظهر وحشية متفردة تعامل بها النظام مع شعب أعزل مسالم ..  وماتبعها من إعلانات متتالية عن إنشقاقات كبيرة في صفوف النظام ، وفي نفس الوقت كان جلياً أن عداد الضحايا من المدنيين لايقف ..!
حينها وحينها فقط قررت الجزيرة أن تدخل قلب المعركة .. بكل عتادها،، لتقوم بقتال فضائي مع أكبر آلة إعلامية في العالم تعتمد الكذب الأصل في أخبارها والصدق نادر الحدوث.. وزادت تغطية الجزيرة للأخبار والأحداث وأصبحت النافذة الحقيقة للعالم ليرى من خلاله حال هذا الشعب المظلوم المنكوب .. لن تنسى الشعوب العربية حسنات الجزيرة .. ودورها الشريف المنحاز للمقموعين !
يتناقش الناس حول مصداقية الجزيرة من عدمها .. لم يكن يهمني ذلك الأمر .. كل الذي كنت أشعر به أنها بأخبارها وضيوفها كانت تضخ الأمل بقوة في قلوب كل الشعوب اليائسه .. كانت كلمات العميد صفوت الزيات تنسكب كالماء الزلال للأفئدة المتعطشة .. وكنت أشعر أن قلبي الأشد عطشاً .. يوم كان يستفتح كلامه ويقول ( نستطيع أن نقول نحن أمام …. )  آآآآه ” نحن ” نعم نحن كلنا .. وليس الليبيين وحدهم !  ..حين يقول ” نحن ” أشعر أنه كان يعرف أن من يقاتل القذافي ليس الثوار وحدهم .. هناك آلاف الآيادي ترتفع إلى السماء .. تقاتل بالدعاء .. حين تعجز عن فعل أي شيء آخر!
بعد تمدد الثورة .. وأخبار نزيف الدم على مدار الساعة ..أصبحت ليبيا هي شأني وهمي ..لا يوجد خبر ولاتحليل إلا تحينته وقرأته أو استمعت إليه،  فكانت بلدي وأهلي وإخواني.. إشتركت في جميع الصفحات الليبية على الفيس بوك ،طبعت خرائط ليبيا ومدنها ، وكنت كلما سمعت عن مدينة وضعت أمامها دائرة وبحثت عنها وعن طبيعتها وأهلها..والقبائل التي تنتمي إليها !
كنت أتعجب أن يقف أحد مع القذافي .. فأردت أن أتابع إعلام النظام ومايبثه لشعبه وعامة الناس .. كنت أتابع قناة الجماهيرية والليبية والشبابية بشكل يومي .. وأقرأ صحيفة الجماهيرية والوطن الليبية .. وكانت تجربة مثيرة أن تتابع إعلام القذافي عن كثب .. أنه إعلام ليس كذاباً فحسب .. أنه يجعل الكذب فضيلة يدخل بسببها الناس الجنة .. شيء لايصدق ..! إنه لايمارس النظرية التي تقول : إكذب إكذب حتى يصدقك الناس ! إنه يقول : إكذب إكذب .. حتى تغضب عليك السموات السبع والآرضين ومن فيهن .. والله لو كان الناس يدخلون النار لأجل الكذب وحده فقط  لماساورني الشك أن العاملون في الإعلام الليبي يستحقون بجداره أن يدخلوا النار قبل الشيطان .. وقبل أي مخلوق آخر !
أريد هنا أن أستعيد الذكريات .. ذكريات البدايات.. أيام الثورة كيف تتابعت.. ذلك الماضي القريب الذي خطه الشهداء بالدم والأحزان والدموع ..  صفحة واحدة لاتحوي كل شيء .. لكنها تلخصه .. لإنني لايمكن أن أتجاوزه .. حيث تتساقط علي التواريخ والأيام ..
بعد يومين فقط من الثورة خرجت مسيرات تجوب الشوارع في بنغازي فتعاملت الكتائب معهم تعامل المحاربين وفتحت النار عليهم وقصفتهم بالأسلحة الثقيلة ومضادات الطائرات وقتل في يوم واحد أكثر من ٣٠٠ قتيل والف جريح . وفي مدينة البيضاء وحدها قتل أكثر من ١٥٠ قتيل .. إنتقلت الإحتجاجات بعدها إلى مصراته وتم مواجهتها بنفس العنف والوحشية .. إستمرت آلة القتل تحصد أرواح الليبيين ، ولم يعد المشهد محتملاً .. فأعلنت قوات الأمن والجيش في بنغازي انضمامها للثورة وسلمتهم مبنى الأمن فأحرقه الثوار وأخرجوا الناس من المعتقلات والسجون !
إنسحبت بعدها كتائب القذافي من المدينة ، وفر الساعدي وعبدالله السنوسي من بنغازي .. وتحررت مع بنغازي في ذلك الوقت البيضاء والزنتان..
إنتقلت المظاهرات بعد ذلك الى مدينة الزاوية في الغرب ، وإلى العاصمة طرابلس واحتشد الناس بالآلوف في منطقتي سوق الجمعة والدهان ، وتوجه الناس الى الساحة الخضراء وارتكب أنصار القذافي ذلك اليوم مجزرة بمعاونة العديد من المرتزقة الذين أرغموا المتظاهرين على إخلاء الساحة الخضراء وتناثرت جثث القتلى في الساحة .. ليأتي على أنقاضها مظاهرة لمناصرة القذافي .. لتحكم بعده العاصمة بقبضة من حديد ..! قطع النظام جميع وسائل الإتصالات والإنترنت عن المدينة بالكامل كل ذلك لإعاقة الثوار عن التواصل مع بعضهم ، ومن ثم بدأ بآلته الإعلامية حرباً على الثوار في الفضاء ..!
ورغم ذلك الحصار الشديد على طرابلس.. إستمرت المظاهرات وفي كل مرة يثور الناس تستخدم الكتائب لقمعها الآلات الثقيلة والمروحيات وفي البدايات تم إنزال جوي للمرتزقة الذين كان لهم دور رئيس في قتل المدنيين في فشلوم والأندلس ..
بعد مظاهرة طرابلس ، خرج سيف الإسلام القذافي بوجهه الكالح في التلفاز .. مخيراً الليبيين بين الحرب الأهلية التي لاتنتهي أو الإنتقال الى الجماهيرية الليبية الثانية .. !ووعدهم بتغيير النشيد والعلم .. وإعطائهم المال ويبني لهم المساكن .. ويفتح معهم صفحة جديدة ..!  كان سخيفاً وحشياً لايملك أي صفة رسمية للحديث إلى الناس لولا شعوره أن ليبيا وأهلها ملك له ولأبيه !
بعد ثلاثة أيام فقط .. إستقال مندوب ليبيا في الجامعة العربية ، وأعلنت العديد من القبائل تضامنها مع الثورة ، يوم الإثنين ٢١ فبراير كان يوماً مفصلياً في الثورة فبجانب سقوط العديد من المدن الليبية في يد الثوار مثل طبرق ومصراته وخمس والزاوية وزوارة .. ! كان هناك إستقالات في السلك الدبلوماسي وأعلن ٦ سفراء إنضمامهم للثوار في دول مثل الهند ، وبريطانيا، وبولندا، وأندونسيا، وبنقلادش، والصين.
وأعلن كذلك وزير العدل مصطفى عبدالجليل ووزير الهجرة وشؤون المغتربين علي الريشي إستقالتهما احتجاجاً على العنف ضد المدنيين.
لم يعد للقذافي القدرة للتفكير في أي شيء سوى ” القتل ” .. وإراقة الدماء … ولسان حاله ( ماعلمت لكم من إله غيري ) ..أراد القذافي أن يسحق الثوار بكل قوة .. فأعد خطة لإستخدام الطائرات العسكرية والحربية لقمع المظاهرات في شرق ليبيا ، فأخبر عبدالفتاح يونس ـ وزير الداخلية ـ بهذه الخطة ، لكنه أبدى إعتراضه.. وأعلن في يوم ٢١ فبراير التحاقه بالثورة وإنشقاقه عن حكم القذافي ..!
كان هذا الإنشقاق أقوى ضربة تلقاها النظام منذ بدأ الثورة .. وخرج اللواء عبدالفتاح على قناة الجزيرة معلنناً تخليه عن نظام القذافي وانضمامه للثوار !
وفي اليوم التالي ،، يوم الثلاثاء ٢٣ فبراير ، خرجت صبراته في مظاهرات حاشده واقتحم أهلها المباني الأمنية في المدينة وأحرقوها ، وأنشقت كتائب الجيش الليبي في الجبل الأخضر وأسر الثوار في مدينة البيضاء وحدها أكثر من ٤٠٠ مرتزق !
إستمرت إستقالات السفراء ..
ثم القى القذافي خطابه الثاني .. وتوعد فيه بإستخدام القوة وسحق المتمردين .. وشتم الليبيين ووصمهم بـ ” الجرذان ” ..!
في يوم الأربعاء ٢٣ فبراير ، سقطت مصراته في يد المحتجين .. لتتلقى كتائب خميس القذافي فورا ..أمراً بشن حرب لاهوادة فيها مع أهل مصراته .. الذين ثبتوا كالجبال العاتية ..
يوم الجمعة ٢٥ فبراير ، هاجمت كتائب القذافي مدينتي الزاوية ومصراته وحاول الثوار في العاصمة الإحتاج على هذا العنف وإرباك وتشتيت قوات القذافي فتم التعامل معهم بالرصاص ، وكسب الثوار سقوط مدن آخرى في صالحهم مثل الزنتان وجادو ونالوت.
يوم السبت ٢٦ فبراير ، استمرت الإحتجاجات واستمر العنف عدة أيام  إلى أن تمكنت قوات القذافي بالآلات الثقيلة ومضادات الطائرت من سحق المتظاهرين في الزاوية وسيطرتهم عليها .. وهدم العديد من مساجدها !
يوم ٢٧ فبراير  أعلن في شرق البلاد عن تأسيس المجلس الوطني الإنتقالي الذي يضم أعضاءه كافة المدن الليبية ..
ويجدر بنا هنا أن نلاحظ أنه ومنذ إندلاع الثورة في ١٧ فبراير وحتى ٢٧ فبراير ، لم يكن الثوار قد حملوا السلاح بشكل منظم .. رغم إستيلائهم على عدد كبير من مخازن الأسلحة في بنغازي ..وكانت ثورتهم سلمية لا مسلحة كما يراد أن يروج لها البعض ، عشرة أيام لم يكن يرفع فيها الثوار سوى شعارات العدالة والحرية وإسقاط نظام ديكتاتوري وحشي كريه ..!
بعدها اضطر الثوار للدفاع عن أنفسهم وأهاليهم وحمل السلاح الخفيف لأول مرة في مصراته يوم ٢٨ فبراير ، وأستخدمت المدفعية في أجدابيا لصد الطائرات الحربية التي كانت تقصف الثوار ..
بعد ذلك قرر المجلس الإنتقالي تشكيل جيش التحرير الوطني الليبي لتنظيم صفوف الثوار ،والشروع في القتال المسلح ضد كتائب القذافي ..
وإذا شئنا الحديث عن أول معركة مسلحة فربما تكون هي الأكبر ، تلك التي وقعت في مدينة البريقة النفطية التي إجتاحتها أكثر من ٥٠٠ آلية عسكرية .. وسميت بمعركة البريقة الأولى ، ساند الثوار في أجدابيا إخوانهم في البريقة ..!
يوم ١٧ مارس ، تبنى مجلس الأمن قراراً بفرض حظر الطيران فوق الأجوا الليبية حماية للمدنيين من قصف القوات الموالية للقذافي !
كان يوماً سعيداً لآهالي بنغازي والبيضاء ومصراته ومعظم المدن المحررة .. كان لدى الليبيون القدرة أن يقابلوا القوة بالقوة طالما كانت على الأرض .. لكن القذافي كان يقصفهم من الجو والبر والبحر.. فقتل الكثير .. وأرعب الناس !
لم يدر بخلد أي أحد أن يدب الخوف والقلق بعد هذا الأفراح بيومين فقط.. حين أعد القذافي السلاح والآرتال الكبيرة من الجنود والمدفعيات وبعثها إلى بنغازي ..وقام  كذلك بإنزال بحري قرب جرجورة على بعد ٦٠ كلم من بنغازي ..ووعد بكل تحدي بتحريرها ..وأعلن عفوه العام لمن يعلن تخليه عن الثورة .. أراد أن يسوي بنغازي بالأرض .. ويبني فوقها تمثاله فوق الجثث ..!
تنادى الناس في بنغازي للدفاع عنها .. وبدأت التكبيرات في المساجد .. لبس الثوار أكفانهم ، وتوقعوها مهلكة إلا أن يشاء الله .. وصلت تلك القوات إلى مشارف بنغازي من جهة الغرب في جيش عرمرم .. لايستخدم إلا فى أعتى الحروب .. وبالفعل ..بدأت القوات بقذف الصواريخ عن بعد تجاه المدينة ووسطها .. دون أهداف محددة سوى إدخال الرعب على الآهالي .. وقتل مايمكن قتله من المدنيين !
تسللت العديد من السيارت الى داخل المدينة وحاول الثوار صد هذا التقدم بمافي أيديهم من سلاح .. ورغبوا في تأخير عمليات الإجتياح على أمل التدخل السريع وتطبيق قرار الأمم المتحدة بشأن حماية المدنيين !
وبالفعل ، عقد إجتماع طاريء في باريس .. وأعلن ساركوزي بدأ تطبيق الحظر الجوي الليبي وقال أن الهجمات الدولية سوف تضمن حماية المدنيين في بنغازي التي تهاجمها قوات القذافي الآن ..
وأنقذ الله بهذا التدخل الغربي أرواح الليبيين .. ودمرت آليات القذافي وأجبرت على التراجع .. وكفاهم الله شر هذه الهجمات رغم وقوع العديد من القتلى في صفوف الثوار والمدنين !
كان يوم ١٩ /٣  يوماً من أشد الأيام على نفسي .. غلب اليأس أملي .. أتذكر قبلها بيوم : ضحكات سيف القذافي والمذيع يسأله بشأن قرار الحظر الجوي !  قال حظر ماذا ! وهو يبتسم ..نحن غداً في بنغازي .. !( تو ليت)
كنت بين مصدق ومكذب .. لكنه بدا لي أنه واثقاً من كلامه .. وكانت الأخبار تأتي من بنغازي مخيفة .. وشعور بمجزره تنتظرهم .. ،، يدي على قلبي .. وعينا تستمطران كل خبر ينفي وقوع الكارثة .. !
الجزيرة تستنبت الأمل .. والعربية تسرق فتات النصر من عيوننا .. ووقعنا ضحايا الألم في تلك الساعات ، أغلقت كل مصادر الأخبار .. وخرجت .. لا أريد أن أسمع ولا أقرأ أي شيء عن ليبيا .. كان صوت الأنين والإحباط في أعماقي يستحثني إلى الإلتهاء بأي شيء .. فعلت كل مابوسعي لأبقى بعيداً ..  خلدت إلى النوم كي أرتاح .. وأبقى قريباً من الأحلام .. كانت الأخبار في الخفاء تقول أن هناك صفقة مع القذافي ..! كنت بين مصدق ومكذب .. لكن بداية الإجتياح أشعرني بأن الثوار قد خذلوا .. هكذا بدى لي .. وأحمد الله أنه لم يكن كذلك ..
أيقظتني زوجتي .. هناك ضربات جويه تقصف الكتائب بالقرب من بنغازي ..!
لم يكن شعوراً طبيعياً ذلك الذي حل على قلبي .. فرحت … كبرت .. الله أكبر .. الله أكبر  .. يارب ! تسمرت أمام القنوات الإخبارية .. والمواقع التي أحتفظ بها للأخبار من داخل ليبيا .. !
الضربات تتوالى على الكتائب .. والحمم تقذف بهم بعيداً عن بنغازي .. بدأت أستعيد أنفاسي .. والأمل ..لكني تيقنت بعظم الخطراً الذي حل ” قلبي” يوم أن تلبس هماً كهذا،، لا حول لي ولاقوة لدفعه أو الهروب منه .. !
في تلك الأيام وأثناءها.. أصدقائي الليبيون في ريجاينا يتنادون إلى الخروج في مسيرات تندد بالنظام الليبي ووحشيته .. تضامنا معهم وسرنا ، ومع أول مظاهرة تمايزت صفوف أصدقاء الماضي .. لقد تبين لنا من هو الليبي الذي يدعم الحرية والإنعتاق من الظلم ، ومن هو الليبي الخسيس الذي يقف بجوار الظالم لأسباب قبلية أو نفعية !
كان موقفاً مخزياً جداً وغير مقبول بيننا ..أن نجد أحد يقف مع القذافي وآلة القتل .. لذا ، بحث مؤيدي القذافي عن مخرج غير تصريح التأييد هذا.. لإنه يجعلهم في نظر كل المسلمين هناك بشر بلا قلوب ولا مشاعر!
هنا جاءت ” السلفية “  تلعب دور المنقذ ..
بعض الليبيين الذين تركوا ” التجيم ” عادوا اليه فجأة .. وقالوا في سياق تبرير إنحيازهم للقذافي .. هذه الثورة ربما تقع تحت باب  “الخروج على ولي الأمر “! ونحن ديانة لله .. لا وقوفا مع القذافي نحرم هذا النوع من الخروج .. ونراه فتنة ونرى أن هناك من يستخدمهم ،  فثمة أطماع في ثروات البلاد من قبل الدول الغربية الكبرى !
تغير دراماتيكي سريع .. في الفكر والإعتقاد …كان صادماً للجميع .. سخيفاً مهيناً ..!  قال أحدهم لي وقد كان فينا مرجوا قبل هذا !
حقيقة  لقد أخطأت حينما أيدت ثورة مصر وتونس .. وأستغفر الله من ذلك الذنب ..كلها خروج على ولي الأمر !
قلته : ياصديقي مالذي أصابك ؟
قال : أنت أخبرني مارأي الشيخ الفوزان .. أنا صحيح أنني تركت السلفية .. فترة من الزمن .. لكن ذلك كان بسبب الدنيا والجري خلفها.. والحمد لله أهتديت إلى السلفية مرة آخرى .. وأسأل الله الثبات .. !
اليس هراء .. !
بعد أول مسيرة تنديد ، إتصلت إبنة العقيد ميلاد الورفلي ( المتحدث العسكري بإسم النظام الليبي ) وهي زوجة أحد الأطباء الليبيين في مدينتنا ، على معظم زوجات الشباب الليبيين الذين خرجوا في المظاهرات وكانت تهددهن وتكيل لهن الشتائم وتقول مصيركم تعودون ليبيا وسوف ينالكم العقاب أيها الـ….. !
لم يكن كل الليبيين يخرجون في المسيرات ، منهم من كان مع القذافي فعلاً ، ومنهم من كان يخاف .. يخاف أن يفشل الثوار ، وهؤلاء معظمهم من الأطباء ..كنت مستاءاً من هذا الخوف الذي لازال يسكن قلوبهم بعد أن قتل أقاربهم في ليبيا وقدموا التضحيات! أعظم من ذلك .. وفي خضم الأحداث .. وذروة الهجمات .. رزقت ابنة العقيد ميلاد الورفلي بمولود جديد … فذهب معظم الأطباء الى منزل ابن الورفلي يباركون لزوجها هذا المولود .. فعل ذلك وللأسف بعض الذين أعرفهم يقفون مع الثوار في السر !
للأسف لم يكن لدى الكثير من الأطباء إستعداد للتضحية .. ولا التشجع بعد كل ماحدث في ليبيا …  رغم أن البعض يقول أخشى على أقاربي في طرابلس !
في هذه الأثناء أيضاً ، صديقنا الدكتور عبدالمنعم الفوراتيه طبيب في كندا من أهل مصراته .. أبوه رحمه الله كان شيخاً وإماماً فاضلاً في مصراته .. قتله القذافي في السجن في زمن مضى .. ! كان عبدالمنعم يرسل إلى  قائمة أصدقائه كل ماهو ذا بال بشأن مايدور في ليبيا .. وذات مرة أرسل إيميل لمنشور يوزعه القذافي على جنوده يأمرهم بقتل الناس ومن يشتبه فيه يدعم الثورة ، كتبت عنوان الإيميل ” شاهد أنذال القذافي “… !
لنتفاجأ جميعاً برد كتبه أحد أقارب القذافي ( وهو أيضاً زميل سابق كان من خيرة الشباب ولم يكن سلفياً ) فكان مما قاله وكتبه :
هذا كذب وافتراء ،، والذي بدأ الثورة وحمل السلاح لايبكي كالنساء، وكلام أعنف من هذا .. !! صدمنا ولم نتوقع أن يقوله لنا رجل عاش معنا وأكلنا معه .. لقد رمى بكل شيء خلف ظهره .. رد عليه الدكتور عبدالمنعم وشتمه وقبيلته .. ليأتي “المتجيم” مؤخراً وجعل من نفسه وسيطاً  يقول : أدعو للقذافي بالهداية إن كان فيه خير لليبيا.. ويردد بشكل دائم هذه فتنه ..هذا خروج على ولي الأمر !
بدأ موضوع “الخروج على ولي الأمر”  يتردد كثيراً بين الليبيين !  ولعلمي بإهتمام الليبيين برأي الشرع .. وشيوع الإستخدام السيء من قبل متجيمة ليبيا لمشائخ السعودية في تدعيم وجهة نظرهم في هذا الشأن .. كتبت رسالة نقلت فيها بعض الآراء حول مسألة الخروج ومايكتنف أدلتها من ضحك على الناس بإسم الدين .. ! وقلت من وجهة نظري أن مايحدث في ليبيا هو جهاد حقيقي وأن القذافي ملعون بكل لغة العالم والخروج عليه من أعظم القربات .. وأرسلتها ..!
ثم هاتفني الدكتور عبدالمنعم .. بنبره كلها غضب وقهر مستعر .. من كلام هذا الجامي الذي أستغل الدين وأنكر على الثوار وشنع عليهم.. مرجعه في ذلك قناة الجماهيرية الليبية .. وبعض أصدقاءه هناك !
بعدها بيوم أو يومين.. إستشهد أخو عبدالمنعم في مصراته ..!
كان مزجي يتقلب مع الأخبار القادمة من هناك .. كنت أنام وأستيقظ على الأوضاع في ليبيا .. وحين تشح الأخبار عن مسألة معينة في الداخل الليبي ، نلجأ إلى صديقنا ” أشرف ” أخو زوجة اللواء عبدالفتاح يونس .. كان يبشرنا تارة .. ونقرأ الحزن في عينيه تارات أخر .. وعيناه كفيلتان لتلخص لنا بشكل يومي أخبار ليبيا من الداخل !
أشرف دكتور في الهندسة ، منذ أن عرفته وهو معارض للقذافي حتى قبل الثورة ، لذا لم يزر ليبيا ربما منذ عشرات السنين .. وجاءت هذه الثورة كالنور الذي يقشع ظلام اليأس بالنسبة له .. لذا كان متفائلاً متفاعلاً لايكل ولايمل في جمع التبرعات وترتيب المسيرات.. أشرف بكل صدق كان قائد الثوار في ريجاينا  يسانده جميع أفراد عائلته .. وهو من أجود وأكرم الليبيين الذين عرفتهم في حياتي .. وأول شخص اتصلت عليه مبارك له هذا النصر وسقوط طرابلس ..!
كان خبر مقتل اللواء عبدالفتاح يونس لاحقاً مؤلماً بالنسبة لي .. اعتبرته أسوأ خبر بعد اليوم الأسود لإجتياح بنغازي .. كنت أخشى الخلافات التي قد تنشأ في صفوف الثوار .. مقهورا من شماتة القذافي وأعوانه ..! كنت أخشى أن يدب الخوف في صفوف أعضاء المجلس من ناحية أن يكون هناك إختراق رفيع المستوى بين أعضاءه .. أشياء كثيرة ممكن أن تنشأ بسبب عملية الإغتيال لشخصية مثل عبدالفتاح .. سلطة عليا ! وكتيبة من الحرس ثم يتم قتله بهذه البساطة ! فوق ذلك إعلان مربك من مصطفى عبدالجليل وغموض كبير في كلماته .. شائعات هنا وهناك .. !
شعرت بالحزن له رغم ماقيل ويقال حوله، فلايشك أحد بأن إنشقاقه عن القذافي كان أقوى دعم تلقاه الثوار في البدايات ومابعدها .. كان يحدثنا ( أشرف ) عن أول محاولة لإغتيال عبدالفتاح حدث ذلك قبل خطاب القذافي الذي أثنى فيه على عبدالفتاح ، حيث بلغه خبر غير صحيح بإنه قد تم إغتيال عبدالفتاح،،  فبدهاء ومكر .. ووقيعة يريد أن يحدثها في صفوف الثوار .. تحدث القذافي في خطابه الأول على إنجازات اللواء عبدالفتاح يونس في ثورة الفاتح.. وقال إنه صاحبي !! لكن أنظروا مافعلته الجماعات الإرهابيه به .. لقد قتلوه بعد أن سألوه : لماذا جئت إلى بنغازي !
كان حظ القذافي العاثر أن الرصاص الذي تم إطلاقه من قبل أحد رجاله تجاه اللواء عبدالفتاح في أحد الإجتماعات الأولى للثورة ،، أصاب الحارس الشخصي.. ولم يصب عبدالفتاح بأي أذى وخرج في التلفاز بعدها عبدالفتاح .. يطمئن الناس على صحته .. وينفي إشاعة إغتياله ،، فجن جنون القذافي ،، لكنه لم ييأس، فلم تكن تلك هي المحاولة الوحيدة بل تبعتها عدة محاولات .. !
أبعد من ذلك حاول القذافي بطريقة يائسة أن يفت في عضد الثوار والشعب الليبي حين أظهر في التلفزيون المحلي مشهد قديم لعبدالفتاح يونس وهو يسلم على القذافي ..! فكان الخبر : اللواء عبدالفتاح يونس يعتذر للقذافي ويعود إليه ويقول أنه كان تحت ضغط الثوار !
لم يكن لديه إعلام يستحي .. لكنه كان يؤثر على الأقل في عامة الناس وهو مايريده القذافي .. العامة الذين آمنوا أن الدم الذي يجري في عروقهم امتزج بماء النهر الصناعي العظيم الذي بناه القذافي .. فهو حياتهم وسبب بقائهم في الوجود ! هكذا كان يروج للناس ..
حاول الطابور الخامس بعد مقتل اللواء عبدالفتاح يونس .. إرباك الثوار وإستغلال هذا الحدث لصالحهم.. يخطط لذلك كتيبة ” نداء ليبيا ” فهاجموا سجن بنغازي وأخرجوا ٣٠٠ سجين من الكتائب .. وكانوا بصدد إحداث تفجيرات في المدينة  لتخلط بها جميع الأوراق وتعيد حياة الرعب داخلها ..
إنتشرت كلمة مسجلة بالصوت والصورة لأشرف بن اللواء عبدالفتاح وهو يلقي بالملامة على المجلس الإنتقالي ويطالب بالقصاص ، خشيت أن تكون هذه بداية الشرارة ، قمت بمراسلة الآدمن في الفيس بوك الذي نزل الفيديو على اليوتيوب وكان لايزال عدد المشاهدات ١٢ فقط  ! لكنه رفض الإستجابة .. إتصلت بصحابي أشرف لأستبين منه .. ما الذي يحدث في بنغازي .. قال لي الأمر يسير والخطاب لم يكن للناس .. وإنما كان في مجموعة من الأقارب من العبيدات .. وليس هناك مايدعو للإنزعاج .. وبالفعل ،، إنقلب السحر على الساحر ..
كان رد الثوار حاسماً شجاعاً قوياً حين تخلصوا أولاً من كتيبة ” نداء ليبيا” المسلحة ، فقاموا بالهجوم على مقرهم وقتل بعضهم وأسر البعض الآخر .. ! ثم إنطلقت بعدها إنتصارات الثوار في البريقة و الجبل الغربي وتسارعت وتيرة الأحداث في صالح الثوار .. !
اليوم .. يوم أفراح ،، أربعون سنة إنتهت بكل مافيها .. أقف أصفق للثوار .. للأبطال الذين أججوا كل شيء حمماً لينتصروا .. خمسون الف شهيد ! دفعها الليبيون كاش والله أشترى ..يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون .. لكن وعد الله حق ولينصرن الله من ينصره .. !
أقف مبجلاً ذلك الرجل الستيني الذي يسأله المذيع : أنت في الستين من عمرك لماذا تحمل السلاح الا تخاف ! قال : عشنا هذا العمر كله في خوف وبؤس .. والشباب يضحي بزهرة شبابه وهو في عز وكرامه .. والله معادش فيها خوف ، ماعاد نبو نعيش إذا مات أولادنا !
الثوار قرروا أن يوفروا بقية الحياة الكريمة لغيرهم .. ومستعدين لتقديم كل التضحيات لأجل ذلك .. فالذي يشعر بالحرية يسترخص الثمن .. !
سوف تهدأ العمليات القتالية قريباً بإذن الله ،، شيء واحد سيبقى هديره في قلبي :
سوف نبقى هنا .. كي يزول الألم ،، سوف نحيا هنا ،، سوف يحلو النغم .. رغم كيد العدا ،، رغم كل النقم ،، سوف نسعى الى .. أن تعم النعم !
أخيراً ..
لكم العتبى حتى ترضون .. وفوق ماترضون للموقف السياسي تجاهكم .. شعبنا بكى .. ضجت السماء بأدعيته لكم .. ليس بوسعنا أكثر من ذلك.. يكفي أن تعترف بكم كل خلية في دمائنا ..
سامحونا ..
سامحونا ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق