الجمعة، 9 سبتمبر، 2011

د. فتحي عقوب : الأزمة بين فقه الإدارة وفقه المسؤولية




مساحة للوعي 6 
الأزمة بين فقه الإدارة وفقه المسؤولية 

لم يكن الحديث عن ضرورة الوعي بالنضال المدني نافلة من القول كما أنه لم يكن حكرا على فئة أو طائفة معينة وقد تجسدت الأهمية القصوى لذلك النوع من الوعي في معركة الحسم بالعاصمة نظرا لما تضمنته من مُلابسات وما رتبته على عاتق المجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي من مسؤوليات، ظهر حجمها وأبعادها لكل عاقل، فتقديرات أزمة العاصمة لم تكن بحجم الأزمات السابقة، ولم يكن من المتوقع حسم سريع في معركة العاصمة، وأصّل هذا وأكّد عليه وزاد من سقف الآمال أن السيد رئيس المكتب التنفيذي ما فتئ يؤكِّد في المحافل الدولية والمحلية والمنابر الإعلامية على أن ثمت خطة محكمة لإدارة الأزمة ولتأمين العاصمة استغرق إعدادها بعناية ثلاثة أشهر! من قدر الله أني كنت في العاصمة وشهدتُ جانبا من الأوضاع وتلك الفوضى العارمة التي حدثت ولازالت بعض معالمها قائمة، فوضى قد تخفي الفرحة العارمة بالتحرر حجمَها الحقيقي في أعين بعض سكان العاصمة، وقد يخفَّفُ من وطأة آلامها فسحة الآمل العريض الذي رسمته تلك الخطة الاستراتيجية! لكن الموضوعية تقتضي منا أن نقف مع هذه الأوضاع وقفة جادة، فثمتَ ما لا يحتمل التساهل ولا التأجيل.



لم يكن يخفى على أحد خبر عشرات الآلاف من خيرة شباب ليبيا الذين قذف بهم الطاغية القذافي في غيابات السجون، انتظر أهاليهم من وراء "خطة تأمين العاصمة" خبرا يقينا يشفي غليلهم على اعتبار أنها جاءت بآليات للتعامل مع هذا الملف البالغ الحساسية، وكم كانت الصدمة كبيرة حين مرَّ أسبوعان على تحرير العاصمة انقشعت معها آمال الأهالي وأحلامهم وأوحت لهم الأوضاع أنه لم يكن ضمن بنود الخطة شيء يتعلق بتلك العشرات من الآلاف القابعة في السجون، بل ربما سقط منها "سهوا" عدّة بنود كمعالجة مسألة إمدادت المياه والوقود والكهرباء وتنظيم المرور ومعالجة الوضع الأمني وانتشار السلاح وغيرها من الملفات الثقيلة، عايش أهالي العاصمة فصول أزمةٍ في كل تلك الملفات، غاب فيها التنسيق عن الأداء بشكل شبه تام بين المكتب التنفيذي واللجان والمجالس المحلية والعسكرية .. مما فرض سؤالاً ملحاً حول تلك الخطة من أساسها فضلا عن محتواها الذي لم يكن الشق العسكري – الذي حقَّق نجاحات واضحة - جزءا منه؟!

أعتقدُ هنا وبعد تجربةٍ لا بأس بها أنَّ على السيد رئيس المكتب التنفيذي وغيره من المسؤولين أن يُدركوا أمراً غاية في الأهمية؛ هو أنَّ الليبيين بعد السابع عشر من فبراير قد شبوا عن الطوق، وأنّهم متمسكون بالشفافية إلى أقصى الحدود، وأنه لم تَعُد الخطبُ الرَّنَانة ولا الكلمات المنمقة ولا السفسطة الإعلامية تعنيهم في شيء، وهم إنما يريدون واقعا وعملا على الأرض، وأن يروا ثمارا محسوسة لتضحياتهم فقد اكتفوا بأربعة عقود من الخطب والوعد والوعيد.

أتساءل كما كثيرون أين خطة تأمين العاصمة؟ هل تضمنت شيئاً بخصوص الأسرى؟ وإن كان كذلك، فما هي التدابير والإجراءات المتخذة في فكِّ أسرهم؟! وما نسبة نجاحها؟! وما هي آلية التواصل التي اعتمدها المكتب التنفيذي وفريق الأزمة لتواصل لجانه وفرق عمله الميدانية مع أهالي المفقودين؟ لقد توافد الأهالي منذ الأيام الأولى لتحرير طرابلس يبحثون ويسألون ولا مجيب بل ولا جهة يتجهون إليها بالخصوص، لا نلوم صغار المسؤولين في المستشفيات والمراكز الصحية فقد بذلوا ما يستطيعون، بل ونشيد بجهودهم الوطنية التي قادها شباب صادق، لكن غياب دور السلطة التنفيذية يضعف من أثر تلك الجهود، ولايزال الوضع مرشحا لمزيد من التأزم، في ظل تذمُّر واضح من قبل الأهالي، وبخاصة عندما رأوا الكثير من أعضاء المكتب التنفيذي يغادرون العاصمة في ظروف صعبة وتوقف إمدادات المياه، يغادورنها وهي تلملم جراحها للاستمتاع بإجازة العيد في بيوتهم بين أزواجهم وأبنائهم! نعم، هو حقهم، ولكن حين لا يكونون في كرسي القيادة، لأن إجازة الربان تعني غرق السفينة، وهذا منافٍ لمتطلبات إدارة الأزمة ولا يمت لفقه المسؤولية بصلةٍ، وأين هم من الأطباء والمهندسين والميدانيين الذين واصلوا الليل بالنهار حتى أن بعضهم لم يجد فرصة للمعايدة على والديه أيام العيد الثلاثة التي قضاها كثير من "وزرائنا" بين أهاليهم "للمعايدة"!

شخصياً، أعتقدت فيما يتعلق بالأسرى أن ثمت خطوطا رئيسيةً تتضمنها خطة تأمين العاصمة منها :

1- استجواب المسؤولين الأمنيين المنشقين عن النظام سواء المعلنون منهم والمسرون، لحشد أكبر قدر ممكن من المعلومات تُصاغ بناء عليه خطة خاصة لأنقاذ الأسرى وتأمينهم، ليمكن وصفها فعلا بأنها "استراتيجية".

2- من خلال المعطيات والمعلومات يتم رصد الأماكن المحتملة للاعتقال، لمداهمتها وتأمين من فيها قبل حسم معركة باب العزيزية لمنع أو تأخير ردة فعل الديكتاتور الانتقامية المتوقعة.

3- إعطاء أهمية ميدانية قُصوى لعملية فك الأسرى بالتنسيق مع القادة العسكريين الميدانيين وبالتزامن مع عمليات تأمين ضواحي العاصمة وتحريرها جيوبها الداخلية.

4- تعيين لجان وفرق عمل ميدانية تقودها غرفة عمليات تنسيقية لمتابعة أحوال السجناء وجمع المعلومات المساعدة، إضافة لفرق طبية تتولى رعايتهم صحياً.

5- أن يقوم السيد رئيس المكتب التنفيذي شخصيا بمتابعة تقارير غرفة العمليات واتخاذ القرارت المتعلقة بالوضع وفقا لذلك.

6- خروج رئيس المكتب التنفيذي أو نائبه في وسائل الإعلام لوضع الناس بعامة والأهالي بخاصة في صورة الحدث وحقيقته، ولطمئنتهم والإجابة على تساؤلاتهم فضلا عن عقد مؤتمر صحفي خاص بهذا الملف تأصيلاً لمبدأ الشفافية في وضعٍ جديد تطلَّع إليه الليبيون طويلاً.

دون تفاصيل، أزعُمُ أنَّ الوضع الراهن ليس نتيجة لغيابِ التخطيط والتنظيم وحسب بل هو نتيجة طبيعية لغياب فقه المسؤولية. نسأل الله أن يصلح الأوضاع ويُعينُ كلَّ مسؤول على مسؤولياته بوعيٍ وبتصدٍّ لواجباته بما يرضي الله أولا ثم بما يحقق أمنَ المواطنين ويُلبي احتياجاتهم ويستجيب لآمالهم وتطلعاتهم فقد قدموا الثمن نقداً فلا ينبغي أن يكون قبض السلعة نسيئةً.

هناك تعليق واحد:

  1. مــــــــــقال فعلا يعبر عن الواقع الذي نعيشه حتى هذه الساعة ... الخطة الأمنية ضرب من الخيال ... و قد اعتم المجلس على لجان شعبية لتشكيل مجالس أمنية و عسكرية معظمها فاشلة لطبيعة الشعب المتساهل المسالم ..

    ردحذف