الجمعة، 9 سبتمبر، 2011

د. محمد المدني : أكذوبة الثورة...وصناعة الأزلام


بقلم: د. محمد المدني
            رغم أن الحديث في موضوع  كهذا سابق لأوانه، خاصة وأن الثوار مازالوا في مواجهة مسلحة مع فلول النظام السابق، وباعتبار أن الكلام عن الثورات وصناعة الأزلام والأتباع وغيرهم ستكون له حتما مساحات شاسعة من الكتابة في شكل دراسات وتحليلات معمقة من قبل المثقفين والمحللين والكتاب في المرحلة اللاحقة، فعذرا.

في اعتقادي أن كلمة ثائر أو ثوار لا تطلق إلا على فئة واحدة، هم الذين استأصلوا نزعة الخوف من قلوبهم وتقدموا الجموع لتغيير الواقع الظالم بوسائلهم الخاصة. وما اقتران هذا اللقب بفئة الشباب إلا لأنهم يمتلكون الطاقات الجسدية والعقلية ولديهم القدرة والحركة على تحقيق الغايات والأهداف النبيلة.  وباعتبار أن الثورية إحساس وشعور داخلي ينبع من الوجدان لذا يصعب قياسها إلا من خلال ما يحققه الثائر من أعمال مميزة حيال مجتمعه ووطنه أثناء مسيرة حياته.
من هنا تسعفنا الذاكرة بالقول بأنه كان للثوار ظهور بارز على هذه الأرض الطيبة وخلال فترات متعاقبة من هذا العصر، سمعنا عنهم إبان الاحتلال الإيطالي لبلادنا ومرورا بمرحلة الاستقلال وبناء الدولة الليبية،  وما نشاهده اليوم بأم أعيننا، وكان لهؤلاء الثوار مسميات وصفات عرفوا بها حسب كل مرحلة من مراحل التاريخ. فالمجاهدون والمناضلون والأحرار والوطنيون جميعهم كانوا يحملون نفس الصفة.
كل هذا المسميات فقدت معناها واختلفت مع ظهور الملازم معمر القذافي في ليبيا سنة تسع وستين، حيث جعلها أسيرة أهوائه الخاصة، وفي النطاق والزمن الذي يحدده هو.  لقد رفع منذ البداية الشعارات الثورية والمبادئ الوطنية السامية التي كانت مطلب ومسعى كل الليبيين آنذاك، واستطاع بخبثه احتواء كافة الفاعليات الثورية الشابة بمن فيهم الذين كانت لهم توجهات فكرية وعقائدية سابقة، وأطلق على كل من اعتنق تلك الشعارات والمبادئ وله استعداد لتنفيذها صفة "ثوري". ومع السنين اختزل تلك الكلمة وما ترمز إليه في ذاته حتى أصبحت كلمة ثوري تعني (معمر القذافي) فقط ومقياسها الولاء المطلق له، وحمايته الشخصية.
لقد عمل بشكل ممنهج على تفريغ تلك التوجهات الفكرية والشعارات والمبادئ من محتواها وقام بطمسها أو تغيير مسارها من ذاكرة الشباب دون وعي أو إدراك منهم، بعد أن وضع خطة للسيطرة الكاملة على الفاعليات الشابة والمتحمسة بإعلانه المبكر عن حركة اللجان الثورية وإحكام قبضته عليها من خلال ما رفعه من شعارات متوالية تخدم هذا الغرض مثل لا ثوري خارج اللجان الثورية، وضرورة الفرز الثوري، والموت لأعداء الثورة، ليجعل من هذه الحركة التي كانت إطارا تنظيميا وحيدا يسمح للشباب بممارسة أي عمل ثوري، حركة شيطانية تنعت بكل صفات الخسة والنذالة!. كما جعل الإنتماء إليها أو الاستمرار فيها أمرا إجباريا على من دخلها، من خلال ما يطرحه هذا الملهم من شعارات براقة وما يقدمه من إغراءات مادية ومعنوية وما يعلنه من حين لآخر من تهديد ووعيد لمن يخالفه الرأي، ليؤكد التعاظم الخادع لتلك الحركة.
وتحت طائلة الطمع أو الخوف والاصطياد المحكم تمكن من اختيار قياداتها من الأفراد الذين كانت لهم تطلعات مادية، ومن كانوا يسعون لمنصب أو مركز مرموق في الدولة، ففتحت لهم أبواب الخزائن ومنحوا الدارات والمزارع والملايين وكان لهم ما أرادوا في زمن قياسي، فقط بعد تنازلهم عن شرفهم وكرامتهم الإنسانية. أما من كان على وعي بتلك الألاعيب وحاول رفضها فقد أصبح عرضة للإقصاء والتهميش والإبعاد وحتى التصفية الجسدية.
لا أحد ينكر بأن هذا الطاغية كان يمتلك من الخبث والدهاء والوسائل الجهنمية التي مكنته من الاستمرار في عمليات الخداع والتضليل وغسيل المخ، حيث استخدمها بكل فاعلية للسيطرة على عقول الشباب وتوجهاتهم، ليسخرهم بشكل فضّ في خدمته الشخصية وتحقيق أهدافه الخاصة القريبة منها والبعيدة، فكون منهم العديد من المجموعات وأمر عليهم تلك القيادات المصطنعة بعد أن خصها بالمسميات الرنانة: فالنساء منهن كن إما تشكيلات نسائية،  أو راهبات ثورية، أو حرس خاص؛ أما الشباب فهم إما قوافل ثورية، أو كتائب ثورية مقاتلة، أوحرس ثوري؛ ثم رابطة أبناء الرفاق ومواليد الفاتح وغيرها. وكان لا يتوانى في تحريض هذه المجموعات ضد بعضها البعض للإقصاء والتصفية، وورط العديد منهم في جرائم قتل ضد من خالفوه الرأي، ووضع العديد منهم في مستنقع الفساد والرذيلة ليكونوا سببا في تدمير هذا البلد وتخلفه، وكون منهم أيضا الكتائب الأمنية لاستخدامها في قتل الليبيين عندما يحين دورهم.
بهذه الأساليب وغيرها استطاع الطاغية صنع الأزلام والأتباع والموالين، وجعلهم يأتمرون بأمره ويخضعون لإشارته، وها هو بنفس الطريقة يدعوهم للزحف والتقدم ويقدمهم للموت والهلاك دون رحمة.  فهو لم يفكر مطلقا في خلق ثوريين حقيقيين يؤمنون بالوطن لأنه كان يعرف مسبقا بأنهم سيشكلون خطرا على طموحاته وطموحات أبنائه يوما ما... ولكن سنوات الوطن كانت حبلى تنتظر موعدها مع القدر لتنجب الشباب الثوريين بعد أربعين سنة ونيف لتذهله وتفقده إدراكه وتجعله يتساءل قائلا من أنتم؟ لأنهم لم يكونوا من صناعته!!!

هناك تعليق واحد:

  1. نعم عزيزي لقد خدع الشباب وامتلك العقول ودمر البلاد
    واهدر الاموال واسكت الاصوات ورمل النساء وقتل الرجال
    ويتم الاطفال . ماذا بعد
    بارك الله فيك

    ردحذف