الخميس، 22 سبتمبر، 2011

كتاب " مذكرات سجين ليبي "





إهداء

    إلى أرواح أولئك الذين انتفضوا معلنين العصيان والتمرد السلمي كي تبقى أيديهم نظيفة . واختاروا العنف عندما تيقنوا أن لا مجال لمعالجة العصاب الاستبدادي سوى السبيل الذي اختاره بنفسه .. جاءوا يتصببون عرقا ويحلمون .. انطلقوا بحثا عن مغامرة تصطاد حلم قصي .. وعندما يقرر المواطن البسيط المهمش أخذ البندقية بيده ، فإن الأساطير القديمة تزول وتضمحل .. إن أحلك سعات الليل تلك التي تسبق قدوم الفجر .. الخراب والدمار والتشريد والجثث البشرية في كل مكان .. الوحش الاجرد الشرير أكل لحم البشر .. أربع عقود من الدم والدموع .. ووطن كئيب أنهكه الطاغية عنفا .  سلاحه سلطة بلا سماحة نفس ، وقوة بلا شفقة ، وعقل أحمقا متعجرفا حقودا . نزعة العظمة لديه جعلته يريد منا أن نكون مسترقين كلية وبالجملة .   

     لقد كانت ليلة الاثنين غرة سبتمبر عام 1969 م . ليلة افتراس السلطة الدستورية في ليبيا . بمثابة نكبة وكابوس مرعب ، وإرهاصة شؤم أدخلت البلاد في نفق مظلم طويل ، وتجربة من بين أكثر المحن ترويعا لحياة جيل ما بعد الاستقلال . فقد نسي الطاغية مع نشوة الانتصار انه قضم أكثر بكثير مما يمكنه هضمه ، وانه كلما أفرط وتمادى في قتل شعبه وتجويعه وإذلاله ، كان ذلك نذير بتلقيه لطمات مضادة وعقابا أكثر إيلاما وإن بعد حين ، ولسوف تؤرخ الأجيال القادمة لتلك الحقبة المؤلمة لتلقي به في قائمة اللعنة الستالينية  الموسيلينية الهتلرية .

    وعندما تتراكم جرائم الطاغية وهي تسحق وتدمر وتتلف كل شيء ، يلفحه نير الاستبداد في درجاته القصوى ، وتأسره ضغينة تفجر في نفسه رغبة التمادي باقتراف الآثام ، تفقده السيطرة ، وتذهب لب عقله ، وقد يقدم على حرق قرى ومدن آهلة بالسكان مزهوا بجنونه .

       وعندما تطلق الرشاشات حمم الرصاص على الصدور العارية ، وينهمر وابل القذائف ليغرق الأزقة بالدماء  .. تتفجر مراجل الحقد .. تسقط مفردات اللغة الخشبية .. ينظم الرجال صفوفهم .. يشحذوا عزائمهم ويحتلون مواقعهم .. لقد بدأت الحرب .. الشعب الذي يسكن أكواخ القصدير ، وترسم بطون أبنائه جغرافية الجوع .. يستيقظ من سباته الطويل .. يقرر حمل قضية الوطن والحرية إلى حيث تمضي قدماه العاريتان .. يبذل النفس ويزدري كل شاغل لا يتحدث لغة الجموع .. يزدري جلاديه جهارا .. يزدري أولئك الذين خطفوا لقمة الخبز من أفواه الكادحين .. أولئك الذين أحالوا المجتمع إلى مسخ مشوه وحطام تملك فيه حفنة من الموالين للطاغية من القتلة الانتهازيين جملة القوى الاقتصادية والسياسية .. لقد أزفت الآزفة .. لنشد على بطوننا ونعمل باتجاه الهدف .. إطلاق الأمة من عقالها وبعثها على المسير .. انتهى عصر التحجير .

    لقد بلغ الشعب سن الرشد ، وظل الطاغية طفلا قاصرا .. " لقد فقدنا كل حقوقنا ، وأولها حرية التعبير والاختيار . فليعمل كل منا بحضور الموت  .. يجب علينا أن نحارب لئلا نتعفن " .. هكذا قالوا .. وهكذا اختاروا الموت .. قدموا أرواحهم فداء لتخليص وطن أسير .. فكان لهم ما أرادوا .. سنذكرهم .. وسيذكرهم أحفادنا من بعدنا .. ثوار ليبيا  .. ثوار 17 فبراير .

مقدمة

      " لا يخشى المرء أن يحلم ولا أن يثوق إلى ما يود أن يراه يحدث له في حياته ، ولكن مع مرور الزمن تبدو قوة غامضة في محاولة إقناع المرء باستحالة تحقيق صيرورته الخاصة " . ( 1 )

     يا لها من مأساة .. لقد اجتهد قاطني سبخات النظام بما يكفي لإخفاء الحقيقة ، وانشغلوا بملء جيوبهم وترف مأواهم وقد غضوا أبصارهم عن بشر تحولوا إلى أشباح يلهثون بحثا عن اعتراف بحق المواطنة ، وصموا أسماعهم عن عويل أطفال يتضورون جوعا وتشردا . وإمعانا منهم في رش الملح على الجرح ، سحقوا بوحشية مفرطة وغير مسبوقة كل من سولت له نفسه التفوه بكلمات العتاب والشكوى ، أو أن صبره قد نفد ولم تسعفه قوى العزم على أن يتألم في صمت . ويخفي ضجره من شدة الإحباط والظلم الوضيع . لم يسبق أن عانى الناس بؤسا بهذا العمق . أربع عقود من التوجع والأنين  المحزن  لشعب أسير نير الدكتاتورية العسكرية . شعب سجين وطنه . وفي غياهب السجن تتماهى المشاعر ولا فرق . قال شاعر أفغاني من داخل سجنه :
أريني يا بلادي ثرى أرصفتك
حيث لا يجرؤ احد على السير وهو مرفوع الرأس
وحيث يحمل إليك المحبون الحقيقيون ولاءهم
وهم يمشون خلسة على أطراف أصابعهم من الخوف
لقد سدت الأحجار الطريق
وأطلق سراح الكلاب
من يا ترى سوف يتولى الدفاع عنا ؟
أين يا ترى سوف نعثر على العدالة ؟ ( 2 )
   
    لقد ألفت حالة الذبول والأرق ، وعصفت بي الأنواء والرياح السوداوية حتى لم تبق أيامي إلا عبثا ، وأطبقت ضروب الألم والعذاب ، واستولى الضجر والاكتئاب ، وكأنه انحدار لابد منه ولا مرد له سوى الموت ، وبت لا أرى في الغد ما يغريني البتة ، أتنهد بغير إرادة مني . حال من لحقه اليأس من فرص السلام . وفي الأفق ضباب وغيوم . فيا أيتها الأوقات الغوالي التي طالما أسفت عليها ، أعيدي إلى مجراك وأسعفيني بتذكر ذلك المعتزل الموحش لأربعة عقود مضت .

      أي نتيجة تلك التي نجني ثمارها اليوم لحقبة من العمل السياسي امتدت لأربعة عقود إذا كانت النتيجة هي جوهر المهم في الفعل السياسي .. بلاد مفجوعة تتسأل . تتألم بحرقة .. وغيوم مربّدة تبسط ظلها الثقيل ، مما يغدو معه القبض بأسى على دفة الزورق في عباب القلق الطامي مهمة عسيرة .. تعاظم الخرق يا صديقي , وخرجت الأحداث من عقالها ، ولن يجرؤ احد على أن ينتزع نفسه من الزوبعة ، وبات من الواجب أن يتصرف كل على حده كما لو كانت سلامة البلاد معلقة على سلوكه الخاص .. وسيظل الوطن - وقد دخل في طور المحاق - ينزف جرحه الدامي ما لم يتخلص من جلاده .

    شر الإرهاق الافتقاد إلى الحرية ، وليس ثمة طريق مختصر لنيل الحرية . لا املك إلا أن اشعر بالأسى مما شاهدته من آلام من حولي  . إننا نمخر بالسفينة في تيار مليء بالأمواج العاتية  ، ولابد من مجهودات جبارة لإنقاذ السفينة ، سفينة مصيرنا .

.                                                         ع . الفيثو
                                                   طرابلس . 25 / 7 / 2011



---------------- 
( 1 ) عبدالرحمان منيف ، النهايات ،
( 2 ) طارق على ، صدام الأصوليات ، ت : د. طلعت مراد بدر ، المركز العالمي . طرابلس . ص : 241



مذكرات سجين ليبي
أربع عقود داخل الزنزانة
- سجن انفرادي
  
    عندما يتسلق الطاغية هرم السلطة ، يتسلط أولا على الماضي بعنف ليكون معبرا لأقدامه ، ومكان يصيح عليه ديك فجره .

   وعندما يتحول الوطن إلى معتقل عمومي للنازحين داخل أرضهم ، ووادي مليء بالدموع ، ويتربص الغم والخوف الغامض بكل القلوب . تتوالد الأحزان في النفوس . ويغدو عبثا أهوج ، تعلق مواطن بحقه في مشارعة السلطة مطالبا إنصافه ، لمجرد انه حشر لبعض الوقت داخل زنزانة صغيرة محدودة المساحة ، موصدة بأبواب حديدية ، مهما طالت المدة .

      لا ادري هل لسوء أم لحسن طالعي إنني انتمي لهذا الوطن ، واحد أبناءه الذين ذاقوا الأمرين . ومع إنني لم أعلن الثورة دفعا للأذى ، بل لكوني أناهض الاستبداد في طبعي ،  تسورت ذات يوم على تدوين كلمات وعبارات مستترة عبر الشبكة العنكبوتية ، أو المعلوماتية " الانترنت " , ولم اركن لنصائح كل من حذرني من تلك الفعلة اللعينة في دستورهم . ولمجرد أنك لم تستحي من إعلان ميلك إلى مخالفة أقوالهم ومقولاتهم البائسة ، فذاك هو التهور المقيت بعينه ، المدرج سلفا في باب جرائم الجرأة على البوح عن ما تكتنز مكنونات الصدور ، مهما ضاقت ألما واستعبادا وبلغت حالة البؤس الإنساني بها وبمن تنتسب إليهم حدود ما لا يطاق . ولك أن تتصور عندما يصل الطغيان لذروة فساده وقمعه ، ما قد يثيره في نفوس الرعايا من غضب وحنق .  حاجة الطاغية إلى إذلال النفوس بشراسة أعمق ، والتصرف بما يكفل بقاء المحيط في حالة ترهل وعجز يقصم ظهر الحانقين ، ويبعدهم رعبا عن كل حالة تضافر أو تمرد . أو خلق حالة من القابلية للحلم بالانتصار بين جوانحهم .

      هناك بعدا شاسعا بين ما يعيشه المرء وما ينبغي له أن يعيشه ، بحيث أن الذي سيدع ما يحدث ويهتم بما يجب أن يحدث ، سيتعلم كيف يضمحل بدل أن يتعلم كيف يحفظ ذاته . هذه كانت نصيحة " ميكافيلي " في كتابه " الامير " والتي قصد بها شفاء البشر من جهلهم للروح الحقيقية للتاريخ . ولا يبدو انه جانب الحقيقة إلى حد بعيد ، وهو الحاذق الذي مارس السياسة وتأمل دهاليزها ، وقد تمزق قلبه على بلده ايطاليا وهي تقع فريسة للأجانب ، وتدمرها الأسرة الحاكمة وقواتها من المرتزقة . لقد اكتفى بنصح الأمير ولم يفصح عن رغبته في أن يكون أميرا ، ومع تقريره لمبدأ " الغاية تبرر الوسيلة " فقد حذر الأمير وتوعده بالويل ما لم يكن لدية من الجند ما يخوله ولوج غابة السياسة المليئة بالفخاخ والذئاب ،  ودعاه إلى التربص لمخططات الرعية ، وان يكون أسدا وثعلبا في ذات الوقت . إنه يحتاج لان يكون ثعلبا من اجل كشف الفخاخ ، وأسد من أجل ترويع الذئاب . فالنجاح يعني تحقيق غرضك ، ايا كان ذلك الغرض . وبأي وسيلة يمكن الوصول اليه وان كانت مقتبسة عن نهج الاشرار الآثمين . 
 
    تلك هي روح العصر الذي عايشه ميكافيلي ( منتصف القرن الخامس عشر ) . منظرا للاستبداد ولعبودية الشعوب ، والى الطغيان ذي القوة المطلقة . وان كان ثمة ما يدعو إلى إعادة تأمل أفكاره ، فمصدره تماهي البيئة التي أنتجت الفكر ، فالفكر وليد البيئة . فهل هي البيئة العربية بالإجمال ؟

    لا يبدو ونحن نلج القرن الواحد والعشرين ، ونستشعر موبقات المنظومة الميكافيلية تقصم معاصمنا ، وتوثق أرجلنا عن الحركة ، أننا نعيش عصرنا . اننا بالأحرى نقبع خارج التاريخ والزمن . ما يقتضي استدعاء أفكار تنعش هذه البيئة السوداوية الملبدة بغيوم الأسى . قيل لجائع : كم اثنين في اثنين . قال : أربعة أرغفة . فما أكثر الالآم في مسيرة البشرية بدءا من دموع الرضيع الأولى حتى لحظة الاحتضار . لقد آن للجموع التي سئمت العيش بالأودية أن تتعلم صعود أعالي القمم . كي تجعل الوطن حجرا كريما .

      يقول احد أعمدة الإصلاح الفرنسيين - منتصف القرن السادس عشر –  يدعى  " دولا بويتي "  في كتابه " خطاب حول العبودية الإرادية " : " أيتها الشعوب المسكينة والبائسة والتي لا ترى أين خيرها ! ، إن الذي يخضعكم ليس له إلا عينان ويدان وجسد واحد . وانتم فقط الذين تعطونه قوته ، ومنكم يأخذ الأيدي التي يضربكم بها والأرجل التي يدوسكم بها . إن عبوديتكم إرادية بحتة . فكفوا فقط عن أن تريدوها . وصمموا على أن لا تخدموا بعد الآن ، وستجدوا أنفسكم أحرار . إني لا أريد أن تقوموا بدفعه أو زعزعته ، وإنما فقط بعدم تأييده بعد الآن ، وسترونه كيف ينهار لوحده ، ويتحطم مثل تمثال ضخم جرّد من قاعدته " . ( 1 )
 
     أرعبني ذاك الحطام المبعثر .. حيث الاعتقال الجماعي والتعذيب السمات الظاهرة للنظام .. هنا يسكن طاغية أصم سلك طريقا وعرا وموحشا .. حوّل البيئة الاجتماعية إلى حطام  على مذبح القبيلة .. حكايات القتل والإعدام المروعة ، والاغتصاب ومداهمات المنازل .. وتجهيل متعمد تؤطره مخالب بنية تعليمية تفتقد فيها المدارس ليس فقط إلى ابسط المتطلبات الدراسية ، بل وترهنها إلى مضمون منهجي مترهل .. وبؤس مطبق أحال شعب اغني البلدان إلى احد أفقر المجتمعات على وجه الأرض .. هناك تتلمس نتائج غير مسبوقة في التاريخ الحديث . وطغيان وحشي لا يضاهى ، يجسد الشر السياسي في أبشع صوره .. لقد حل القلق محل الدهشة وتبعه الخوف والخشية .. اشعر بالمرارة لعجزي عن مد يد العون .

    مقابل ذاك المشهد الحزين والمتردي الذي يلف المحيط ، أجدني وقد انزلق قلمي ليدون قصاصات تصف المشهد ، استقي مفرداتها من واقع الهموم اليومية لأشخاص دار حوار بيني وبينهم ، ومن أفواههم وهم يتضورن ألما ونزقا لحال مأساتهم أملا في ولادة سياسية لواقع ينقذهم من ربقة الفقر ، وعضة الجوع والعوز والجهل والتهميش والقهر الاجتماعي والسياسي الصريح والممارس ضدهم وفي وضح النهار . كل صوت حزين يصلني من بعيد أو همسا عن قرب . فما أن أتلمس أزرار " الكيبورد " لجهاز الحاسوب ، ترتسم بصمات آهاتهم على صفحات الانترنت . تصدح بصوت متهدج ، صوت البائسين التعساء الذين لا تدقق النظر إليهم حينما يمرون على مقربة منك لقذارة ملبسهم . وجوههم شاحبة يعتصرها الشرود . أعباء الحياة تثقل كواهلهم بتجارب مليئة بالعرق والدموع ، واليقظة والهجوع . قوم يستحلبون الصخر ، ويلفحهم قيظ الهواجر من فيح جهنم . حفاة في الوحل على قارعة الطريق ، وعلى عتبات من يتمرغون في الثراء ممن نهبوا ثرواتهم .

     توالت الأيام والسنين إلى أن أتى اليوم الذي طرق فيه احدهم باب المنزل ليلا ، شخص فارع الطول ، عريض المنكبين ، ضخم الجثة ، عيناه مليئتين بالقسوة ، ومعدته تكاد تخرج من حلقه ، يطلبني للتحقيق بإدارة الأمن الخارجي ، وفي الانتظار سيارة طاوية فارهة وحراسات تراقب المشهد .
  
     إن المقاومة مهما كان الدافع لها ، هي حق مخيف . فما بالك وأنت تتعرض لإرادة طاغية لا حدود لها . تمليت في مكاني متحجرا ثم امتثلت للأمر ، وانأ أميز بوضوح حاجزا يفصل بيني وبين العالم ، أسير متعثرا في خطواتي كالثمل ، وقد تملكني الذهول .  وكأن دوامة تحملني وتلفني في طياتها ، تهالكت على مقعد المركبة يائسا شارد اللب ، وبينما ابحث في أعماق نفسي عن ما يشد من أزري ويدفعني إلى التفكير بثبات . وقف ابني الذي لم يتجاوز العقد الثاني من العمر مزمجرا رافضا ، ما أنساني معضلتي  ودفعني إلى محاولة تهدئته أولا ، غير أنه لم يتوقف ، كما لم يسمح له أولئك بإطالة الوقت ، وزج به هو الآخر داخل المركبة .  لينتهي بنا الأمر نحن الاثنين ، كل في زنزانة منفردة بسجن تاجورا شرق طرابلس .

       بلغني في اليوم الثاني أن ابني أطلق سراحه . غير أن أثر القلق والرعب ، وروائح الموت التي تسمم أجواء الغرفة ، وقرقعة الأقفال الخشنة ، وصرير المزاليج الحديدية ، والضيق والكلل والملل ، قض مضجعي فلم أقوى على النوم الليلتين الأولين .
 
     في اليوم الثالث بدأت جلسات التحقيق ، وتناوب المحققون وكاتب المحضر ، لم أكن أدرك إنني كتبت كل هذا الكم عندما قدموا لي المؤلف الضخم الذي جمعوه بعناية ومتابعة دامت لأكثر من ثلاث سنوات . كان السؤال الأول يستفسر عن احدى الأسماء المستعارة التي ظللت أتقنع تحتها ، وبما أنني قررت الاعتراف ، أجبت بنعم دون تردد .
   
     أما السؤال الثاني والذي على ما يبدو شغل بالهم كثيرا ، حمل الاستفسار عن تدوينة بعنوان : " الجمعية الليبية للإصلاح والتغيير " ، كنت قد استقيت مفرداتها عن المجموعة التي تألفت حول الدكتور محمد البرادعي  مع بعض التعديل والإضافة .
 
    من بين ابرز الأسئلة - وقد تندمت الإجابة عليها فيما بعد - : " هل لك أصدقاء أو معارف من قبيلة القذادفة ؟ " . قلت : نعم . بل وأكاد اعرف جل أبناء هذه القبيلة ، ولدي أصدقاء من المتنفدين منهم  بحكم المنشأ - مدينة سبها محط تمائمنا - . هنا طلب إليّ ذكر أسماء بعض الأصدقاء . وأدركت فيما بعد أن ذلك الضابط الذي كلف باغتيال الملك عبدالله بن عبدالعزيز ذات يوم ، قام بالاتصال بكل هؤلاء على انفراد ، وحذرهم مني ّ. ومع ذلك لم يكترثوا لنصائحه ، وأفادوني بذلك . ولعمري إنني كثيرا ما بدأ لي أن هذه القبيلة ، ولسوء حظ ، أخذت بجريرة هذا الرجل الطاغية الذي استغل عاطفة القرابة ، وذريعة انتسابه إليها ، في توريط أبنائها البسطاء . أغراهم بالمال ، وزج بهم في أتون مغامراته ، وصنع منهم اليد الطولى لتنفيذ مآربه ، وإنقاذ هؤلاء  أولى من غيرهم . ورغم إنهم اكتووا بلهب حقده ، ظل معظمهم يحتفظ له بالولاء ولو ظاهرا وحسرة . إنما ذلك ما يقتضيه العرف القبلي . الوتر الذي عزف عليه الطاغية طوال فترة حكمه ، فبعدما تناسى الليبيين أو بالأحرى  الأمة الليبية التقسيمات القبلية ، وجهالات الماضي ، أراد أن يعيدها إلى الواجهة ، لبث الفرقة ، وتأليب طرف على آخر . تدعيما لمركزه ، وإطالة أمد احتفاظه بالسلطة .

    توالت الأسئلة وجلسات التحقيق اليومية لمدة خمسة أيام حتى اقفل المحضر مكلل باعترافي بكل ما نسب إليّ . وفي الختام طلب مني أن اكتب اعتذار وطلب صفح . فكتبت : 

     " مفردات اللغة قد لا تسعف المرء بالعبارة الملائمة لاحتواء الموقف كما الذي حشرت فيه نفسي ذات يوم .. فما عساي ان اقول .. اشعر بوخزات الندم تنخر باظافرها وتمزق قلبا بمخالب شرسة .. انظر بعين التقدير والتوقير لنبل وطيب المعاملة من قبل كل من تولى مهمة استدعائي او التحقيق معي .. لقد آن للحظة الاستدراك والتنبه ومراجعة الذات ان تأتي اليوم قبل غدا .. انتهت رحلة الغي .. وآن من جديد استئناف الاعتزاز بالانتماء للوطن .. ونذر الوفاء له .. لقد غمرني اهلي بسعة الصدر والقبول .. رغم كل ما بذر مني من موبقات .. لهم الاعتذار مني تلو الآخر الاعتذار .. ولكل من اسأت اليه .. وأتأمل منهم الصفح " . . هل صدقتم ؟؟؟ إذ لا مناص !!!

    وحضر في ذهني أبيات من الشعر للحاجب المصحفي عندما كان أسير سجن المنصور بن أبي عامر مؤسس الدولة العامرية بالأندلس . عندما يقول : 
هبني أسأت فأين العفو والكرم
إذ قادني نحوك الإذعان والندم
يا خير من مدت الأيادي له
أما ترثى لشيخ نعاه عندك القلم
بالغت في السخط فاصفح صفح مقتدرا
إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا .
  
     بعدما استبدلت العبارة " بالغت في السخط " الى " إني أسأت  " .  وتذكرت القول المأثور : من الخير ان تكون فارا حيا عن ان تكون أسدا ميتا . وأنقذتني الأبيات من كتابة اعتذار مطول ، واعتراف بالخطيئة منحت لتدوينه أكثر من ثلاثين صفحة بيضاء ومرقمة بداية الأمر . 

     بدأت اشعر عن يقين كم هي جدران سجني متقاربة .  لم يبق لي من سبيل للمقاومة وضلوعي تصطدم بالجدران ، فقررت الامتناع عن الأكل خلال مدة الأيام الأربعة الأولى ، وفي نفسي صدى همس يؤرقني منذرا بقضاء بقية العمر داخل هذه الوحشة المؤلمة .  تأملت أن تدفع بهم ضرورة بقائي على قيد الحياة ، نقلي إلى المستشفى عند بلوغ حالة الإغماء وفقدان الوعي . مع أن الحارس استرق الخلوة أكثر من مرة ليقول لي " احمد ربك ، هناك من هم في جوارك رمي بهم في شيلات أكداس مكدسة ، اطمئن من يأتوا به إلى هنا لا يمكث طويلا في العادة ، وقبلك كان في هذه الزنزانة شخص من بنغازي وهو أيضا قضيته الكتابة عبر الانترنت ولم يمكث سوى أربع شهور . ويجب على المرء أن يأمل  " . ومع أن وقع كلماته بعث في نفسي نوعا من المواساة ، إلا انه لم يمنحني العزاء الكافي لبث الطمأنينة في قلبي ، لما بلغني عن قصص آخرون دفعت بهم الأقدار إلى معتقلات الطاغية . نعم هناك من هم أشقى مني . وفي كل الأحوال لم أكن أنا الذي التمست الشر ، وإنما هو الذي خسرني . والمرء بمرور الوقت ينتهي بأن يعتاد على كل شيء .
   
    من بين ما استرعى انتباهي ، أن البريد الالكتروني أو الايميلات التي كنت استخدمها كانوا على بينة منها ، وقد ثم اختراقها من حيث لا ادري ، بما في ذلك الغير معلنة منها ، واطلعني المحققين عليها وعلى المراسلات بيني وآخرون ، منهم محرري صحف كنت أراسلها مؤخرا . وصور لمراسلات تلك الصحف الليبية المعارضة من واقع بريدها الالكتروني . 
   
    وفي معتقل السجن ، وقد أضحت حدود المساحة الحية التي أعيش فيها تتمثل في جسمي ، .. كسير القلب .. وحالة من الكآبة تمزق جوانحي ، استبد بي اليأس وقهرني التخاذل . تذكرت رسالة سارتر إلى سيمون دي بفوار  : " لم أكن اشعر وأحس بفكرة الحرية إطلاقا . ليس لسبب الحرب أو ظروف أخرى ، بل لسبب مذكراتي التي دونتها " . ( 2 )
  
     في اليوم الذي اقترب فيه موعد الافراج والذي تزامن مع إطلاق سراح عدد من  سجناء المجموعات الإسلامية ، حضر مدير السجن يرافقه آخرون إلى زنزانتي . تحدث بداية بعجب كيف لي أن اكتب عن بلدي ، ثم أردف نصائحه - التي استمعت إليها دون تعليق - بالقول : سوف يتم إطلاق سراحك خلال اليومين القادمين .
  
    على تمام الساعة الثامنة ليلا على وجه التقريب ، 23 / 12 / 2010 . فتح باب الزنزانة ، وقيل لي : لديك مقابلة في الخارج احمل أغراضك معك . وما أن خرجت من الزنزانة ، استلمني أربعة أشخاص مدججين بكامل تجهيزاتهم العسكرية واقتادوني إلى مركبة أمنية تعلوها منصة ضوئية لإفساح الطريق  ، جلس اثنان منهم إلى جانبي بالكرسي الخلفي بعد أن حشروني بينهم ، وانطلقت بنا السيارة بسرعة البرق . ساد الصمت طوال الطريق . بلغنا مبنى ملحق بأسوار معسكر " باب العزيزة " ، وهناك فتح الباب لأجد نفسي في قصر مشيد ، طلب إليّ الجلوس بإحدى المكاتب ، وبعد انتظار لم يطل ، قدم احدهم واصطحبني إلى مكتب فخم ، ووجدتني وجه لوجه مع صهر الطاغية . وبنوع من التعالي والاستهجان لفعلتي . تسأل عن الدواعي التي دفعت بي إلى هذا الخيار ، فأظهرت له طابع الندم والاعتراف بالخطيئة . أومأ لي بأن الإعدام هو الجزاء الذي استحق ، وتدارك بالقول : انه يقدر توبتي واعترافي بالإثم .. ويأمل أن يجد تعاوني معهم مستقبلا .  لم يتردد كثيرا ، وأوعز للزبانية بإيصالي إلى المنزل ، وأطلق سراحي على أن أعود في اليوم التالي لمقابلة شخص آخر .
   
    يرى البعض ممن يعتقدون في التنجيم أن حياة الآدميين خاضعة لتأثير الأجرام السماوية . وبما أنني من مواليد برج " الحوت " ، الذي يعتمد حركة الأسماك ويصنف على وثيرتها أفعال البشر إلى نوعين : ما يسبح باتجاه التيار ، وآخر عكس التيار. وأن الأسماك التي تسبح مع التيار تجد فرصا أكثر .  إن صح ذلك ، فما حدث لا يغدو كونه محاولة للسباحة ضد التيار أفقدتني كل فرصة للنجاة . وما يعرف عن الأسماك من براعة التملص والمناورة . يبدو انه يقتصر على نوع واحد منها ،  السابحة طوعا إلى حيث يقذف بها التيار .
 
     كنت منزعجا من فحوى المقابلة ، ولكن شيئا من هذا لم يحدث .. استقبلني في مكتبه الفخم الأنيق بكل حفاوة ، وعرض علىّ تكليفي بمهمة الإشراف على  تدشين  مركز ثقافي بالجزائر ، وأشاد في السياق بعمق العلاقة الحميمة والمتميزة جدا بين الطغاة في البلدين ، وبأنه زار الجزائر خلال المدة القريبة الماضية ، في رحلة صيد جد ممتعة ، ضمن الوفد المرافق للطاغية الابن (سيف ).

    لم أتردد في قبول المهمة فلم اعد أطيق البقاء داخل الوطن . هذا السجن الكبير ، لكنه أردف بالقول إن ذلك يتطلب أولا  تصريح امني يعيد لي الحق في مغادرة البلاد . وبما أن الظروف الحالية لا تسمح بذلك نظرا لاشتعال الثورة في تونس الشقيقة ، وكانت في أوج الغليان . لهذه وتلك وعد الاتصال بي بعد هدوء الأوضاع في تونس . غير آن ما حدث فاق التوقعات ، فتبعتها ثورة مصر ، ثم ثورة ليبيا في 17 فبراير . الأمر الذي دفع به إلى لملمة حقائبه وثرواته ومغادرة ليبيا يوم 20 فبراير دون عودة ، رغم علاقة القرابة التي تربطه بالطاغية ، وسنوات العشرة الطويلة . وربما للسبب عينه لم يعلن عن انضمامه إلى الفريق الآخر . فريق الثوار . وآخر عهدي به ، عندما ودعني ، وعلى باب مكتبه همس بكلمة في أذني : " هذي فيها .. أنت عارف ، وأشار بيده إلى عنقه " أي انك نجوت من الإعدام .. قال ابن خلدون في حق هؤلاء : " لما يتوقعه أهل الدولة من المعاطب.. الكثير منهم ينزعون إلى الفرار عن الرتب ، والتخلص من ربقة السلطان ، بما حصل في أيديهم من مال الدولة إلى قطر آخر ، ويرون أنه أهنأ لهم وأسلم  في إنفاقه ، وحصول ثمرته ، وهو من الأغلاط الفاحشة ، … إن الخلاص من ذلك بعد الحصول فيه عسير ممتنع.. لأن ربقة الملك يعسر الخلاص منها. لاسيما عند استفحال الدولة وضيق نطاقها ، وما يعرض فيها من التخلق بالشر " .
    
    هذه صورة موجزة من سيرة العدالة في بلاد الممنوع ومملكة الصمت . العدالة التي لا تمنحك فرصة التمتع بحرية استنشاق الاكسجين من الهواء الجوي مباشرة دون إذن مسبق من الحكومة. العدالة التي باسمها ينال الأحمق كل شيء ولا ينال الطيب والحكيم سوى الكراهية والاضطهاد ، وباسمها يحشر الضعفاء في عذابات السجن المفزع ، لسنوات وسنوات .  لا سند لهم ولا معين . وفي التفاصيل ما لا عين رأت ولا إذن سمعت . ولست أخشى العاصفة بعد أن فعلت أسوا ما تستطيع . على إنني أفضل العمل بموعظة بركليس : " وخير لمن يحفظ سجلا لكل أفعال الملوك أن يبقيه مطويا بدل أن يفتحه . فإن الحديث عن الخطيئة كالريح التي تجوب الآفاق ، تلقي الغبار في عيون الآخرين وتنتشر ثم تنتهي بعد أن تكبدهم ثمنا غاليا ، فهم يعلمون أنهم إن حاولوا وقف الريح آذتهم . وسرعان ما تذهب الريح وتستعيد عيونهم أبصارها " . ( 3 )

     أربع عقود من الزمان نسجت خيوطا سرية لخنق وطن ، وضباع الانقلاب تستمرئ الحماقات بحب الانتقام .." ربي .. حامي البراءة والحقيقة ، عندما قدتني وسط بعض الأشرار ، أردت بدون شك كشفهم " . ( 4 )

عبدالقادر الفيتوري

----------------------------------- 
جان جاك شوفاليه ، تاريخ الفكر السياسي ، ت : محمد عرب ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ، بيروت . ص : 273
(sartre : Alife p.140 )
 شكسبير ، بركليس أمير صور ، ت : د . عبدالقادر القط ، دار الأندلس . ص : 17
 مقولة لـ " سانت جوست " احد أقطاب الثورة الفرنسية .

----------------------  


فهرس الكتاب :
            -    إهداء
            -    مقدمة
1    –          سجن انفرادي  .
2    –          نماذج من قصاصات قادتني الى الزنزانة  .
3    –          صديقي وكتابي  .
4    –          الشباب الناصري  .
5    –          اجتماع القوى الثورية .
6    –          لقاء الطاغية  .
7    –          إلى مصر  .
8    –          الاتحاد الإفريقي  .
9    –          الفكر الجماهيري  .
10    –          لعنة النفط ووطن ينتحر  .
11     -       ثورة 17 فبراير  .
12     -       خاتمة
13      –    ملاحق
-----------------------------------  

فيما يتعلق بالنقطة الثانية " قصاصات قادتني الى الزنزانة " والتي دونت مؤخرا بالذات ، فقد تفضلت   " ليبيا المستقبل " بنشرها وجمعها في ارشيف خاص على الرابط (  اضغط هنا ). وكذا صحيفة " الجزائر تايمز " . وبعض اخر منها على صفحة مدونتي - ليبي يتحدث : ( اضغط هنا) . وبعض اخر سيتضمنه الكتاب وهو قيد النشر قريبا .

عبدالقادر الفيتوري - جامعة طرابلس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق