الجمعة، 16 سبتمبر، 2011

د. فرج دردور : 17 فبراير وورقة التوت


بقلم/ د. فرج دردور 

الحمد لله على نعمة الحرية التي أصبحتْ أمراً واقعاً بفضل شباب 17 فبراير، الذين دفعهم انغلاق النظام (الجماهيري) للقيام بثورة لم يبخلوا بالتضحية في سبيلها، وإن كان الثمن باهظاً. 
ولعل من الأسباب الجوهرية لهذه الثورة المباركة، الفجوة الكبيرة بين ما يشهده العالم من تطورات في مختلف المجالات، ومواكبة الشباب الليبي لهذه التحولات بفضل تقنية المعلومات واستيعابهم لها. وما يمثله النظام الليبي من تخلف شد عن كل القواعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كان هذا بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، فولدَّت احتقان بين فكر متقدم يمثله شباب ليبيا الأحرار، وأخر متخلف يمثله نظام الدولة الفاسد، هذه الفجوة أدت إلى صدام حقيقي بين الحداثة والتخلف. فاستطاع الأبناء كسر حاجز الخوف الموروث عن الآباء، وكان للظروف المحيطة وإرادة الشعب دور في اشتعال هذه الثورة، لتحرق أسباب التخلف بسواعد شبابها، وعلى الرغم من ضخامة التضحيات من جراء شدة القمع المنظم لوأد الثورة في مهدها، إلا أنها حققت سبقاً لم تشهده أي ثورة غيرها في القدرة على الصبر وشدة العزيمة لتحقيق النصر. ومهما كان الثمن فإن القيمة تظل أكبر لجسامة الحدث. 

لقد طالبنا كما طالب غيرنا، عبر المساحة المكبلة بالخطوط الحمراء، على ضرورة الإصلاح، وهو أقصى ما استطعنا القيام به، في زمن الرعب والخوف من قطع الأنامل. كنا ندعو لهذا الإصلاح مع اعتقادنا بأن كل المؤشرات تدل على استحالته من داخل نظام يرى في استمرار حكمه، على مدى أربع عقود، دليل نجاح منهجه. ولهذا تمسك بكل آليات الحفاظ عليه، فجعل من خطوطه الحمراء حصناً لا يجوز الاقتراب منه، ولو كلف الأمر التضحية بفناء شعب وجلب آخر يحل محله. وقد تحوط لذلك منذ سنين، فسمى نفسه (ملك ملوك وزعيم أممي وما إلى ذلك....)، في إشارة واهمة لكبر حجمه الذي يفوق قدرة العالم على استيعابه، فتألّه في وسط أُجبر على عدم رؤية غيره. هذه التصرفات انعكست في خطابات القذافي الأخيرة، عندما كان يأمر بالزحف ويدعي واهماً حدوثه، والأمثلة من غير ذلك كثيرة. 

كل هذا يؤكد أن الرجل لا زال يعيش واقعاً افتراضياً منفصلاً عن محيطه الحقيقي، هذا الانفصام أسهم في انتصار الثورة، نتيجة التزامها بمعايير الصدق والشفافية، فكانت عاملاً مسانداً في عملية الحسم. 

ما يهمنا هنا هو التخلص من الظاهرة القذافية التي أثرت في سلوك البعض منّا، بسبب الإرث الثقافي الذي أثر سلباً في حياتنا ولو بنسب متفاوتة، من هذه التأثيرات، تمجيد الأشخاص، وعدم الاستماع للرأي الآخر، ورفض النقد، وانعدام الحوار، والتسرع في إطلاق الأحكام، والتفرد بإصدار القرارات الجريئة الغير مدروسة، والحديث عن إنشاء دولة ديمقراطية واعدة، وأفعال تنم عن ديكتاتورية مطلقة، تبدأ من البيت إلى العمل وحتى القرار السياسي. والحل هو الحرص على مراقبة تصرفاتنا والتخلص من السيئ فيها، وألَّا نقيد حركتنا بأفكار مقولبة تكبل إبداعنا. 

ويجب ألا ننسى أن العالم يراقب أفعالنا ويحكم بها عن منهجنا في بناء دولتنا. فمن غير الممكن أن نتحدث عن مجتمع قبلي تدار بنظامه ليبيا، وندعو لدولة ديمقراطية عصرية. والحقيقة أن النظام القبلي ينقص من الديمقراطية مهما كان معتدلاً، لأنه يعتمد عن الولاء (والمحاصصة) على حساب الكفاءة. وهو ما يجعل العالم ينظر بتوجس للحراك السياسي الليبي بالرغم من ضمانات المجلس الوطني، الذي هو الآخر وإن قطع شوطاً هاماً في الاتجاه الصحيح، والمقدر من كافة أفراد الشعب الليبي، إلا أنه مازال بحاجة لفتح قناة للتواصل والتفاعل مع الناس الذي يمثلهم، لقفل باب الإشاعة والتكهنات في المواقف المختلفة. 

نستطيع القول بأن الثورة سيطرت على المهم وما زال الأهم، وعلى الرغم من توفر الإرادة الصادقة للاستمرار في تطوير بلدنا، إلا أنه لابد من الاعتراف بأننا غير قادرين لوحدنا من أجل القيام بذلك، لنقص في الكفاءات. وما المانع أن نستفيد من خبرات غيرنا ما دام هدفنا إعادة بناء وطننا على أسس سليمة، تبدأ بالإنسان الذي حُرم من حقه في التأهيل اللازم للنهوض ببلده، مروراً بكل المجالات حتى يتحقق الهدف. وسوف لن يتأخر العالم في مساعدتنا إذا قدمنا أنفسنا على أننا مجتمع متحضر يتمسك بتراثه الديني والثقافي، وينبذ العصبية الباعثة للفرقة، يقدم الفرد فيه الوطن عن البطن والدولة عن القبيلة، عندها فقط، ننال احترام الشعوب الأخرى فلا يترددوا في مساعدتنا، ولنا في بعض دول أسيا وأمريكيا اللاتينية أفضل مثل. وما يشجع أن قلة شعبنا وكثرة إمكانياتنا تساعد على ذلك، إذا استغلت مواردنا الاستغلال الأمثل واختصرنا الزمن بالاستفادة من خبرات غيرنا وبسواعد أبنائنا. 



أتمنى للجميع التوفيق 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق