الجمعة، 5 أغسطس، 2011

عبدالسلام الورفلي : تتار هذا العصر



إنَّ التاريخ ديوان المواعظ والعبر، ومكمن الجواهر والدرر؛ "إذ هو فن لا يُملُّ من إثارة دفائن دفاتره، ولا تُبلُّ جوانح من ألفه إلاَّ بمواطن مواطره، كم من ناظر اجتنى زهراً ناضراً من أوراقه، وكم من ماهر اقتنى قمراً سافراً بين أرواقه، لأنَّ المطلع على أخبار من درج، ووقائع من غاب في غاب الموت وما خرج، ومآثر من رقا إلى سماء السيادة وعرج، ومناقب من ضاق عليه خناق الشدة إلى أن فُتح له باب الفرج، يعود كأنَّه عاصر أولئك وجلس معهم على نمارق الأسرة، واتكأ بينهم على وسائد الأرائك". والحديث، فالفرصة قائمة لأخذ الدرس والعبرة.
قال شيخ الإسلام أبو العبّاس ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (28/425): (( وَإِنَّمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا قِصَصَ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الأُمَمِ لِتَكُونَ عِبْرَةً لَنَا، فَنُشَبِّهُ حَالَنَا بِحَالِهِمْ، وَنَقِيسُ أَوَاخِرَ الأُمَمِ بِأَوَائِلِهَا، فَيَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ شَبَهٌ بِمَا كَانَ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَيَكُونُ لِلْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ شَبَهٌ بِمَا كَانَ لِلْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ
مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ )).
وقال في الفتاوى (28/427): (( فَيَنْبَغِي لِلْعُقَلاءِ أَنْ يَعْتَبِرُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ وَأَيَّامِهِ فِي عِبَادِهِ، وَدَأْبُ الأُمَمِ وَعَادَاتُهُمْ، لاسِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَادِثَةِ الْعَظِيمَةِ -أي التتار- الَّتِي طَبَّقَ الخَافِقَيْنِ خَبَرُهَا، وَاسْتَطَارَ فِي جَمِيعِ دِيَارِ الإِسْلامِ شَرَرُهَا، وَأَطْلَعَ فِيهَا النِّفَاقُ نَاصِيَةَ رَأْسِهِ، وَكَشَّرَ فِيهَا الْكُفْرُ عَنْ أَنْيَابِهِ وَأَضْرَاسِهِ، وَكَادَ فِيهِ عَمُودُ الْكِتَابِ أَنْ يُجْتَثَّ وَيُخْتَرِمَ، وَحَبْلُ الإِيمَانِ أَنْ يَنْقَطِعَ وَيَصْطَلِمَ، وَعُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَحِلَّ بِهَا الْبَوَارُ، وَأَنْ يَزُولَ هَذَا الدِّينُ بِاسْتِيلاءِ الْفَجَرَةِ التَّتَارِ. وَظَنَّ الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنَّ مَا وَعَدَهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا، وَأَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ حِزْبُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا، وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا ظَنَّ السَّوْءِ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا، وَنَزَلَتْ فِتْنَةٌ تَرَكَتْ الحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ ... )).
وقد كان يمر بي -وأنا أقرأ وأطالع- ما أوقعه التتار بالمسلمين وبلادهم، من قتل، واغتصاب، ونهبٍ، وتشريد، وتخريب، ثم أنظر فيما حدث ويحدث في بلدنا "ليبيا" على يد الطاغية القذافي قذفه الله بالبلاء، فأقول: سبحان الله! ﴿وتلك الأيام نداولها بين النّاس﴾.
وأظن أنَّكم ستشاركونني العجب من الشبه الكبير بين ما تعرض له المسلمون من التتار، وما يتعرض له المسلمون الآن من تتار هذا العصر (القذافي وكتائبه)، فما أشبه الليلة بالبارحة، وكأنَّ التاريخ يعيد نفسه.
بل قد لا نحتاج إلى كبير تغيير أو تمثيل في الرواية والسرد، إلاَّ بأن نحذف كلمة (تتار)! ونضع مكانها كلمة (كتائب)!!
إنَّه التماثل في المجريات، وإن اختلفت الأسماء والوجوه والشعارات .. تماثل في تسلط الكافرين .. تماثل في استبداد المجرمين .. تماثل في ابتلاء الصالحين .. ثم بإذن الله تماثل في انتصار المؤمنين، واندحار المجرمين الظالمين.
وقد اقتصرت فيما كتتبت على ما أرَّخه شيخ الإسلام أبو العبّاس ابن تيمية رحمه الله وقرَّره؛ إذ إنّه لم يكن قابعاً في بيته يدرس ويجمع ويكتب!، وإنّما جمع بين فضلين، قلَّ أن يجتمعا إلاّ في العلماء الأفذاذ.
وعن هاتين الخصلتين يقول تلميذه البار ابن القيم الجوزية رحمه الله في الفروسية (ص156): (( ولما كان الجِلاد بالسيف والسنان، والجدال بالحجة والبرهان كالأخوين الشقيقين، والقرينين المتصاحبين، كانت أحكام كلِّ واحد منهما شبيهة بأحكام الآخر، ومستفادة منه )).
فقد ذكروا عنه رحمه الله عجباً، جاهد وقمع البدعة بسيفه وقلمه وأنفاسه، فكان بحق من الشجعان النُجباء.
قال صاحب الأعلام العلية (ص69) عنه: (( كان رضي الله عنه من أشجع الناس وأقواهم قلباً، ما رأيت أحدا أثبت جأشاً منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم. وأخبر غير واحد أنَّ الشيخ رضي الله عنه كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد، يكون بينهم واقيتهم، وقطب ثباتهم، إن رأى من بعضهم هلعاً أو رقة أو جبانة شجَّعه وثبته وبشَّره ووعده بالنصر والظفر والغنيمة، وبيَّن له فضل الجهاد والمجاهدين، وإنزال الله عليهم السكينة. وكان إذا ركب الخيل يتحنك، ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبر تكبيراً أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت )).
أرجع فأقول: لم يكن مقصدي من نقل كلام شيخ الإسلام مجرد الاقتصار على الحكاية والعبرة، وإنَّما مرادي تقرير الأحكام، وتقعيد القواعد وتأصيلها. فرحم الله شيخ الإسلام، وأجزل له المتوبة والغفران.
ولا يعني هذا أنَّني أقرر أحكام ما جرى ولا زال يجري في بلادنا، من واقع شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنَّه مشينُ بالفقيه أن يكون فهمه وفكره مقتصراً على مجرد النّظر في كتب الأولين، ثم تطبيق ذلك على واقعه وزمانه، دون النّظر في حال أهل زمانه وأعرافهم.
وعن هذا يقول الإمام القرافي رحمه الله- في كتابه الفروق (2/ 229): (( وَلا تَجْمُدْ عَلَى المسْطُورِ فِي الكُتُبِ طُولَ عُمْرِك، بَلْ إذَا جَاءَك رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ إقْلِيمِك يَسْتَفْتِيك، لا تُجْرِهِ عَلَى عُرْفِ بَلَدِك، وَاسْأَلْهُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِهِ وَأجْرِهِ عَلَيْهِ، وَأَفْتِهِ بِهِ، دُونَ عُرْفِ بَلَدِك، وَالْمُقَرَّرِ فِي كُتُبِك، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُ، وَالْجُمُودُ عَلَى الْمَنْقُولَاتِ أَبَدًا ضَلالٌ فِي الدِّينِ، وَجَهْلٌ بِمَقَاصِدِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ.. )).
وما أجمل ما قاله الإمام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (3/94): (( ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب، على اختلاف عرفهم وعوائدهم، وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدِّين أعظم من جناية من طبَّب الناس كلَّهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل، أضر ما على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان )).
وقد قمت فيما أزعم بتتبع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول التتار، فرأيت أن أوسع فتوى له، ما جاء في الفتاوى المصرية (4/279)، فجعلتها أصلاً مع بعض الإضافات من كلامه الآخر المتناثر في كتبه الأخرى.
وقد جاء في هذه الفتوى ما ملخصه: (( مَسْأَلَةٌ: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى بَيَانِ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَكَشْفِ غَمَرَاتِ الْجَاهِلِينَ وَالزَّائِغِينَ فِي: هَؤُلاءِ التَّتَارِ، الَّذِينَ يَقْدُمُونَ إلَى الشَّامِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَانْتَسَبُوا إلَى الإِسْلامِ، وَلَمْ يَبْقُوا عَلَى الْكُفْرِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ، فَهَلْ يَجِبُ قِتَالُهُمْ أَمْ لا؟ وَمَا الْحُجَّةُ عَلَى قِتَالِهِمْ؟ وَمَا مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ؟
وَمَا حُكْمُ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِمَّنْ يَفِرُّ إلَيْهِمْ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ: الأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ؟
وَمَا حُكْمُ مَنْ قَدْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا؟ وَمَا حُكْمُ مَنْ يَكُونُ مَعَ عَسْكَرِهِمْ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ، وَالْفِقْهِ، وَالْفَقْرِ، وَالنُّصُوصِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؟
وَمَا يُقَالُ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَالْمُقَاتِلُونَ لَهُمْ مُسْلِمُونَ، وَكِلاهُمَا ظَالِمٌ، فَلا يُقَاتِلُ مَعَ أَحَدِهِمَا؟
وَفِي قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ كَمَا تُقَاتَلُ الْبُغَاةُ الْمُتَأَوِّلُونَ؟
وَمَا الْوَاجِبُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَأَهْلِ الْقِتَالِ وَأَهْلِ الأَمْوَالِ فِي أَمْرِهِمْ؟
أَفْتُونَا فِي ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ مَبْسُوطَةٍ شَافِيَةٍ، فَإِنَّ أَمْرَهُمْ قَدْ أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ عَلَى أَكْثَرِهِمْ تَارَةً لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِهِمْ، وَتَارَةً لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ × فِي مِثْلِهِمْ، وَاَللَّهُ الْمُيَسِّرُ لِكُلِّ خَيْرٍ بِقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَعَمْ يَجِبُ قِتَالُ هَؤُلاءِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَعْرِفَةُ بِحَالِهِمْ.
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ حُكْمِ اللَّهِ فِي مِثْلِهِمْ.
أَمَّا الأَوَّلُ: فَكُلُّ مَنْ بَاشَرَ الْقَوْمَ بِعِلْمِ حَالِهِمْ، وَمَنْ لَمْ يُبَاشِرْهُمْ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِمَا بَلَغَهُ مِنَ الأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَأَخْبَارِ الصَّادِقِينَ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ جُلَّ أُمُورِهِمْ بَعْدَ أَنْ نُبَيِّنَ الأَصْلَ الآخَرَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ الإِسْلامِيَّةِ .. )).
إلى أن قال: (( وَأَمَّا الأَصْلُ الآخَرُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِهِمْ، فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ جَازُوا عَلَى الشَّامِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى عَامَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، وَأَعْطَوْا النَّاسَ الأَمَانَ، وَقَرَءوهُ عَلَى المِنْبَرِ بِدِمَشْقَ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ سَبَوْا مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ مَا يُقَالُ إنَّهُ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَفَعَلُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبِجَبَلِ الصالحية ونابلس وَحِمْصَ وَدَارِيَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ مَا لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللَّهُ، حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُمْ سَبَوْا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ، وَجَعَلُوا يَفْجُرُونَ بِخِيَارِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ ...
وجعلوا الجامع الذي بالعقيبة دكاً ...
وَقَدْ شَاهَدْنَا عَسْكَرَ الْقَوْمِ فَرَأَيْنَا جُمْهُورَهُمْ لا يُصَلُّونَ.
وَلَمْ نَرَ فِي عَسْكَرِهِمْ مُؤَذِّنًا، وَلا إمَامًا.
وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَخَرَّبُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مَا لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللَّهُ.
وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي دَوْلَتِهِمْ إلاَّ مَنْ كَانَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ، إمَّا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ لا يَعْتَقِدُ دِينَ الإِسْلامِ فِي الْبَاطِنِ ... وإما مَنْ هُوَ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ وَأَفْسَقِهِمْ.
.. وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُصَلِّي وَيَصُومُ، فَلَيْسَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَ الصَّلاةِ، وَلا إيتَاءَ الزَّكَاةِ.
وَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى مُلْكِ جنكسخان، فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ جَعَلُوهُ وَلِيًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ جَعَلُوهُ عَدُوًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ. وَلا يُقَاتِلُونَ عَلَى الإِسْلامِ ...
قَالَ أَكْبَرُ مُقَدِّمِيهِمْ الَّذِينَ قَدِمُوا إلَى الشَّامِ وَهُوَ يُخَاطِبُ رُسُلَ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، فَقَالَ: هَذَانِ آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ، جَاءَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: مُحَمَّد وجنكسخان. فَهَذَا غَايَةُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ أَكْبَرُ مُقَدِّمِيهِمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَيْهِ وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ، وَبَيْنَ مَلِكٍ كَافِرٍ مُشْرِكٍ مِنْ أَعْظَمِ الْمُشْرِكِينَ كُفْرًا وَفَسَادًا وَعُدْوَانًا، مِنْ جِنْسِ بُخْتِ نَصَّرَ وَأَمْثَالِهِ.
حَتَّى يَقُولُوا لِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَالِ: هَذَا رِزْقُ جنكسخان، وَيَشْكُرُونَهُ عَلَى أَكْلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ.
وَهُمْ يَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ مَنْ عَادَى مَا سَنَّهُ لَهُمْ هَذَا الْكَافِرُ الْمَلْعُونُ الْمُعَادِي لِلَّهِ وَلأَنْبِيَائِهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ مُقَدِّمِيهِمْ، كَانَ غَايَتُهُ بَعْدَ الإِسْلَامِ أَنْ يَجْعَلَ مُحَمَّدًا × بِمَنْزِلَةِ هَذَا الْمَلْعُونِ ...
وَإِلاَّ فَهُمْ مَعَ إظْهَارِهِمْ لِلإِسْلامِ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ جنكسخان عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِشَرِيعَةِ الْقُرْآنِ ... حَتَّى إنَّ وَزِيرَهُمْ هَذَا الْخَبِيثَ الْمُلْحِدَ الْمُنَافِقَ صنَّفَ مُصَنَّفًا؛ مَضْمُونُهُ أَنَّ النَّبِيَّ × رَضِيَ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَنَّهُ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وَلا يُذَمُّونَ، وَلا يُنْهَوْنَ عَنْ دِينِهِمْ، وَلا يُؤْمَرُونَ بِالانْتِقَالِ إلَى الإِسْلامِ. ... إِنَّهُ لا يَنْضَمُّ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ الْمُظْهِرِينَ لِلإِسْلَامِ إلاَّ مُنَافِقٌ أَوْ زِنْدِيقٌ أَوْ فَاسِقٌ فَاجِرٌ. وَمَنْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى نِيَّتِهِ. وَنَحْنُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ الْعَسْكَرَ جَمِيعَهُ؛ إذْ لا يَتَمَيَّزُ الْمُكْرَهُ مِنْ غَيْرِهِ )) ([1]).
وسأقف فيما يلي -بإذن الله- مع هذه الكلمات، أستلهم منها العبر، وأتلمس وجه الشبه بين حال التتار في زمن ابن تيمية، وتتار عصرنا (القذافي) الذي ابتليت به بلادنا ليبيا، عسى أن يكون في ذلك كشف لحكم نازلتنا التي بين أيدينا، نسأله عنها ويجيبنا.
قال رحمه الله: (( وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَعْرِفَةُ بِحَالِهِمْ. وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ حُكْمِ اللَّهِ فِي مِثْلِهِمْ )).
قلت: رحم الله شيخ الإسلام، فقد وضع يده على مكمن الجرح، وأصل الدّاء والبلاء.
فإنَّ مما هو مقرر في قواعد الشريعة أنَّ (ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب) و(الحكم على الشيء فرع عن تصوره)، ولذا فعلى من يتصدَّى للحكم على الواقع، والخوض في غماره، أن يكون ملماً بهذا الواقع، مدركاً لأسراره، عالماً بأصوله وفروعه.
ويتعين على المتكلم في نوازل الفتن، أن يلمّ بالأحكام الشرعية الكلية لهذه الحوادث والنوازل، ثم يعلم واقع النّازلة، وكيفية وقوعها، ويتصور أحداثها وأسبابها ومقدماتها، ويقف على ملابساتها ونطاقها، ويستبصر أحوال أهلها ومراحلها، فيجمع في حكمه بين فقه الواقع وفهم الواجب، وبذلك يكون حكمه في النّازلة مركباً من الواجب والواقع، ومشتملاً على التأصيل والتنْزيل، ومتضمناً للحكم والفتوى، ومؤسساً على الإلمام بالكليات وتصور وقوع الجزئيات([2]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قاعدة في المحبة (ص119): (( والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو دونه، ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإنَّ من لم يعرف الواقع في الخلق، والواجب في الدّين، لم يعرف أحكام الله في عباده. وإذا لم يعرف ذلك، كان قوله وعمله بجهل، ومن عبد الله بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح )).
وهذا ما افتقدناه في واقع ما جرى ولا زال يجري في بلادنا "ليبيا"، وبسببه جنينا الويلات والويلات، فقد سمعنا ورأينا كثيرٍاً ممن تصدروا للإفتاء في نازلتنا ولم تكن لهم دراية بالواقع وحيثياته، ولا على الزمان ومركباته، اعتمدوا على عمومات وإطلاقات أنزلوها غير منازلها.
إنّ المفتي لن يصل نظره في إحكام فتواه أو تغيرها، إلاّ إذا فقه النّازلة التي يعيشها أو استفتي فيها، وأحكمها وعرف حيثياتها، ومداخلها ومخارجها، وما سيترتب عليها.
قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (1/87): (( ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق، إلاَّ بنوعين من الفهم.
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر )).
ومن البيّن هنا: أنَّ الفتوى قد يدخل فيها عدة عوامل تكون مرتبة عليها، وقد يحدث أن يُستفتى المفتي في واقعة قد اجتمعت لها كل عواملها، فيفتي بالحكم الشرعي الذي ينطبق عليها، ثم تأتي واقعة أخرى مشابهة لها في الظاهر- لكن بينهما فرق مؤثر في الحقيقة نتيجة غياب بعض تلك العوامل، أو وجود عوامل أخرى؛ فيفتي المفتي بحكم شرعي مناسب للحالة الأخرى.
وملكة التنْزيل هي تنْزيل الأحكام على الواقع، وتمثيل الشيء بنظيره، وإدراج الجزئي بالكلي- وهو ما يعرف عند الأصوليين بتحقيق المناط.
قال ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد (3/104): (( الحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال، كفقهه في كليات الأحكام ضيع الحقوق، فها هنا فقهان لا بدّ للحاكم منهما. فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في الوقائع وأحوال الناس يميز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل، ثم يطبق بين هذا وهذا بين الواقع والواجب، فيعطي الواقع حكمه من الواجب )).
قال رحمه الله: (( وَأَعْطَوْا النَّاسَ الأَمَانَ ... وَمَعَ هَذَا فَقَدْ سَبَوْا مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ، وَفَعَلُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبِجَبَلِ الصالحية ونابلس وَحِمْصَ وَدَارِيَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ مَا لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللَّهُ، حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُمْ سَبَوْا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ، وَجَعَلُوا يَفْجُرُونَ بِخِيَارِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ .... وَخَرَّبُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مَا لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللَّهُ )).
قلت: قد أعطى القذافي وكتائبه الأمان للناس في مدينة الزاوية ومصراتة، ومع هذا، فعلوا بهم الأفاعيل، ونكَّلوا بهم شر تنكيل!
ففي الوقت الذي كان القذافي يعد بإيقاف النّار، ووزير خارجيته المنشق "موسى كوسا" يقرأ البيان في ذلك، كان أهل مصراتة يستقبلون وابلاً من الصواريخ والمدفعيات!!.
وبلغ عدد المعتقلين في بعض الإحصائيات إلى خمسين ألف شاب! ناهيك عن المفقودين والمقتولين!.
أمَّا النّاس المفقودون في مدينة مصراتة وبعض المدن الشرقية، فيصعب حصرهم، من أطفال وشبابٍ ونساء ورجال !!.
أمّا فجور كتائب هذا المجرم بالنّساء القاصرات، واغتصابهم للأمهات المؤمنات، فهي أمور تدمي القلب، وتدمع العين.. ولا حولا ولا قوة إلاّ بالله..
أمَّا تخريبهم للديار، وسرقتهم للممتلكات، وترهيبهم للسُكّان، فهو أمر مشاهد للعيان، فلم تسلم منه لا المدارس ولا المستشفيات، ولا المساجد.
بل رأيناه يتخذ من المساجد مأوى لجنوده وعبيده، يقصف من خلالها هذا الشعب المسكين.
قال رحمه الله: (( وجعلوا الجامع الذي بالعقيبة دكاً ... )).
قلت: وهذه أيضاً فعلها المجرم وكتائبه، فما مسجد الزاوية منا ببعيد، فبعد أن تمكنت كتائب الطاغية من دخول الزاوية، أمر بهدم مسجد السوق، بعد أن كانت قبته ومئذنته شاهداً على الدمار والتخريب الذي قام به السفاح لقهر أهالي الزاوية وأبطالها.
وكذا فعلت صواريخه وقذائفه بمساجد مصراتة. وتلك المئذنة التي شاهدناها على شاشات التلفاز وهي تهوي بعد أن قصفتها كتائب الطاغية أدل دليل على ذلك. وصدق الله العظيم إذ يقول: ×ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم÷.
قال رحمه الله: (( وَقَدْ شَاهَدْنَا عَسْكَرَ الْقَوْمِ، فَرَأَيْنَا جُمْهُورَهُمْ لا يُصَلُّونَ، وَلَمْ نَرَ فِي عَسْكَرِهِمْ مُؤَذِّنًا، وَلا إمَاماً ... وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي دَوْلَتِهِمْ إلاَّ مَنْ كَانَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ؛ إمَّا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ لا يَعْتَقِدُ دِينَ الإِسْلامِ فِي الْبَاطِنِ ... وإما مَنْ هُوَ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ وَأَفْسَقِهِمْ ... وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُصَلِّي وَيَصُومُ، فَلَيْسَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَ الصَّلاةِ وَلا إيتَاءَ الزَّكَاةِ )).
قلت: هذا والله واقع كتائب هذا الفاجر؛ فإنَّهم ينذر فيهم المصلون، بل هم خليط من مرتزقة وظالمين، ويكثر فيهم سبُّ الربّ، ولعن الدِّين، والعياذ بالله ..
ومن فجور التتار كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (34/205): (( وَهَذِهِ "الْحَشِيشَةِ " فَإِنَّ أَوَّلَ مَا بَلَغَنَا أَنَّهَا ظَهَرَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ وَأَوَائِلِ السَّابِعَةِ، حَيْثُ ظَهَرَتْ دَوْلَةُ التتر؛ وَكَانَ ظُهُورُهَا مَعَ ظُهُورِ سَيْفِ "جنكسخان" لَمَّا أَظْهَرَ النَّاسُ مَا نَهَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْحَشِيشَةُ الْمَلْعُونَةُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَهِيَ شَرٌّ مِنْ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالْمُسْكِرُ شَرٌّ مِنْهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ فَإِنَّهَا مَعَ أَنَّهَا تُسْكِرُ آكِلَهَا حَتَّى يَبْقَى مصطولاً، تُورِثُ التَّخْنِيثَ والديوثة ... وكثير من الناس صار مجنوناً بسبب أكلها )).
وقد رأينا وشاهدنا كيف تتعاطى تلك الكتائب المخدرات، وكيف تشرب الخمر والمسكرات، وللأسف حتى بيوت الله لم تسلم من أن تصبح مرتعاً وملهى لهؤلاء الفسقة الفجرة!.
أمَّا استحلال هذه الكتائب لأموال النّاس، فقد حدَّثني -والله- من هو في هذه الكتائب، وكان قد ذهب إلى مصراتة، فقال لي: إنَّ "خميساً"! ابن القذافي، قد قال لهم ما نصه: (( ما تغنمونه من مال وسيارات وذهب، فهو لكم!! )).
قال رحمه الله: (( وَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى مُلْكِ جنكسخان، فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ جَعَلُوهُ وَلِيًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ جَعَلُوهُ عَدُوًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلا يُقَاتِلُونَ عَلَى الإِسْلامِ ...
وَهُمْ يَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ مَنْ عَادَى مَا سَنَّهُ لَهُمْ هَذَا الْكَافِرُ الْمَلْعُونُ الْمُعَادِي لِلَّهِ وَلأَنْبِيَائِهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ )).
قلت: وهذا ما عليه كتائب هذا الطاغوت المجرم، فإنهم يدينون بالولاء التام لهذا المعتوه، حتى إنهم يعتقلون ويقتلون ويسجنون كلَّ من عرفوا عنه أنّه لا يحبه أو لا يريده.
حتى إن ابنته الشمطاء قالتها صريحة: (( من لا يحب أبي، لا يستحق الحياة ))!!
وقد رأى العالم تلك الكتائب وهم يكبلون الأسرى بالسلاسل، ويضربونهم ويجبرونهم على قول بعض الهتافات المؤيدة لذاك "المعتوه"! كقولهم: "عاش معمر"!! ويعيش الفاتح!!.
ورأى العالم من الليبيين الشجعان -أيضاً- ثباتاً يذكِّر بالسلف الصالح، ويؤكد أنَّ لله في كل عصر ومصر من يقيم بهم الحجة على خلقه.
فرأينا الدكتور أحمد، وهو يُقتل عندما أصرَّ على قوله: (الله أكبر، لا إله إلا الله) وذاك الجندي من الكتائب يأمره بأن يقول: (عاش الفاتح!!).
ورأينا ذاك البطل عبد الباري الجماعي وهو يسكب عليه البنْزين ويحرق بالنار، وهو يقول: (( لا إله إلا الله محمد رسول الله، حسبي الله ونعم الوكيل، يسقط الطاغية، يسقط معمر )). وجندي الكتائب يأمره أن يقول: (الفاتح، معمر قائدنا، ملك الملوك!!!).
ولا عجب في هذا، فإنَّهم إنما رُبُّوا على هذا. فهذه هتافاتهم في الاستعراضات العسكرية التي كان القذافي يقيمها كل عام، لا تسمع فيها كلمة تشعر بانتماء هذه الكتائب للإسلام أو للوطن، بل كل ما تسمعه: نحمي الثورة. نحمي القائد، درع الثورة، درع القائد!!!
بل سمعنا من يقول عبر فضائية النظام: (( لا أريد أن أعيش، ولا أريد الحياة، إذا لم يحيا القائد!! )).
ورحم الله شيخ الإسلام حيث قال في مجموع الفتاوى (28/20-21): (( ومن حالف شخصاً على أن يوالي من والاه، ويعادي من عاداه، كان من جنس التتر، المجاهدين في سبيل الشيطان. ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى، ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين؛ بل هؤلاء من عسكر الشيطان. ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله، وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى، ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإذا كان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل. فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى الذين يريدون أن يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا)).
وقال في مجموع الفتاوى (28/543): (( وفي الصحيحين عنه × أنه قال لقبيلة قريبة منه: (إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين) فأخبر النبي × أنَّ موالاته ليست بالقرابة والنسب؛ بل بالإيمان والتقوى. فإذا كان هذا في قرابة الرسول ×، فكيف بقرابة جنكسخان الكافر المشرك؟ )). وكيف بقرابة هذا الطاغية الملحد؟!!
أمّا تبجح هؤلاء، وإطراؤهم لسيدهم القذافي، فهو أوضح من أن يذكر ..
فقد سمعنا بعض مذيعي إعلام القذافي يقول: (( لا يحب "القائد"! إلاّ مؤمن، ولا يبغضه إلاّ منافق )).
وقال ذاك المذيع المفتون: (( من شكَّ في النصر -أي انتصار القذافي- فهو كافر.. )).
قال رحمه الله: (( قَالَ أَكْبَرُ مُقَدِّمِيهِمْ الَّذِينَ قَدِمُوا إلَى الشَّامِ، وَهُوَ يُخَاطِبُ رُسُلَ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، فَقَالَ: هَذَانِ آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ، جَاءَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: مُحَمَّد وجنكسخان. فَهَذَا غَايَةُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ أَكْبَرُ مُقَدِّمِيهِمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَيْهِ وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ، وَبَيْنَ مَلِكٍ كَافِرٍ مُشْرِكٍ مِنْ أَعْظَمِ الْمُشْرِكِينَ كُفْرًا وَفَسَادًا وَعُدْوَانًا، مِنْ جِنْسِ بُخْتِ نَصَّرَ وَأَمْثَالِهِ )).
قلت: وحال الطاغية وكتائبه في هذا أشد وأنكى، فإنهم يسوون بين الخالق الكبير المتعالى وبين معتوههم الحقير، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
فشعارهم الذي يبتلون الناس عليه اليوم هو (الله ومعمر وليبيا وبس)!!!
وشعارهم بالأمس -وفي الرخاء- (بسم الله، وبسم الفاتح العظيم)!!!
وهذه "الواو" كما يقول أهل العلم هي "واو" التشريك والمساواة.
وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه: (باب لا يقول: ما شاء الله وشئت، وهل يقول: أنا بالله ثم بك).
قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/126): (( قول الرجل لغيره: (ما شاء الله وشئت) يعد شركاً في الشريعة, وهو من شرك الألفاظ؛ لأنه يوهم أنَّ مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب سبحانه وتعالى, وسببه القرن بين المشيئتين, ومثل ذلك: قول بعض العامة وأشباههم ممن يدعي العلم (مالي غير الله وأنت)، و(وتوكلنا على الله وعليك). ومثله قول بعض المحاضرين: (باسم الله والوطن), أو (باسم الله والشعب), ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي يجب الانتهاء عنها والتوبة منها؛ أدباً مع الله تبارك وتعالى.
ولقد غفل عن هذا الأدب الكريم كثير من العامة, وغير قليل من الخاصة الذين يسوغون النطق بمثل هذه الشركيات )).
بل قد أطلقها أحدهم صريحة -ولا أريد أن أسميه- فقال له: (أنت من حقك أن تُعبَد)!
ولا يزال قائلها يجد مغبّة هذه الكلمة إلى اليوم!- والليبيب تكفيه الإشارة.
بل قد رأينا ورأى العالم الذي يسجدون سجوداً صريحاً لصورة القذافي.
أمَّا النبي صلى الله عليه وسلم فإن بٌجل وعظم فلا يستحق التقديس، ولا التبجيل الذي حظى به القذافي عندهم!!.
فقال الطاغية في أحد خطاباته: (( لو قلت لكم: رسول الله. لقلتم: صلى الله عليه وسلم. ولو قلت لكم: الله. لما تكلم أحد. وهذا نوع من الاستعباد والوثنية التي نسير فيها )).
وقال في خطاب آخر: (( إذا أتى واحد وقال لنا: إنَّ حديث النبي لا بد أن تقدسوه وتعملوا به، مثل القرآن، فهذا شرك، وهذا كلام ربما يكون غريباً، والسبب أننا في هذه المرحلة ابتعدنا كثيراً عن الإسلام، ونحن في طريقنا إلى عبادة الأوثان والابتعاد عن القرآن، وعن الله، ولا يوجد طريق يجعلنا نبتعد عن عبادة الأوثان وعن الانحراف الخطير إلاَّ طريق التمسك بالقرآن وعبادة الله فقط )).
قال رحمه الله: (( حَتَّى يَقُولُوا لِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَالِ: هَذَا رِزْقُ جنكسخان، وَيَشْكُرُونَهُ عَلَى أَكْلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ )).
قلت: وهذا كما قال ذلك المأفون المدعو شاكير، حين زعم أنَّ القذافي هو من وهبنا الحياة!! ثم علَّل ذلك بأنَّه صانع النهر الصناعي العظيم!!، وماؤه يجري في عروق كل ليبي، فهو بذلك من وهبنا الحياة !!!
بل قاله الطاغية بنفسه، حين زعم أنَّه المجد، وأنَّ ليبيا بدونه لا شيء، فلم يكن أحد في العالم يعرف ليبيا إلا به، فبه كانت، وبزواله تزول.
قال رحمه الله: (( وَإِلاَّ فَهُمْ مَعَ إظْهَارِهِمْ لِلإِسْلامِ، يُعَظِّمُونَ أَمْرَ جنكسخان عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِشَرِيعَةِ الْقُرْآنِ )).
قلت: وهذا -والله- هو واقعهم، فقد رأينا كثيراً ممن ناقشناهم وحاورناهم، لا يبالون بفتاوى أهل العلم الكبار التي تُدِين القذافي في ضلالاته وجرائمه، بل سمعنا منهم التنقص والطعن للعلماء الأفذاد، وغضَّ الطرف عن المجرمين الأشرار.
فكلُّ من وقف ضد هذا الأفاك، وبيَّن إجرامه كان ضالاً مضلاً، داعية إلى فتنة. وكل من صف في صف الطاغية ومجده، كان على الهدى والصراط المستقيم.
قال رحمه الله: (( حَتَّى إنَّ وَزِيرَهُمْ هَذَا الْخَبِيثَ الْمُلْحِدَ الْمُنَافِقَ صنَّف مُصَنَّفًا؛ مَضْمُونُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَضِيَ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَنَّهُ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ، وَلا يُذَمُّونَ، وَلا يُنْهَوْنَ عَنْ دِينِهِمْ، وَلَا يُؤْمَرُونَ بِالانْتِقَالِ إلَى الإِسْلامِ.. )).
قلت: وقد صرَّح القذافي نفسه بذلك، ولم يحتج إلى وزير من وزرائه، فقال: (( المصدر الصحيح في الجانب الإسلامي هو القرآن، وأؤكد أنَّ علاقات المسلمين لا تنطبق مع القرآن الآن، فهناك عدد كبير جداً من المسلمين يعتقد أن الحرب بين المسلمين والمسيحين، أو بين المسلمين واليهود؛ هي جهاد مقدس، وهذا ليس صحيحاً كما يقول القرآن، ذلك أن الجهاد يكون بين المؤمنين وبين الكافرين، أما بين مؤمن ومؤمن؛ فليس هناك شيء اسمه جهاد... وما دام المرجع الصحيح هو القرآن؛ فإن أول حقيقة نستطيع أن نؤكدها هنا؛ أن الجهاد ضد أهل الكتاب مفهوم خاطئ )).
بل أمر بفتح مكة لليهودية والنصرانية، بدعوى أنَّ لهم فيها حقاً مثلما للمسلمين، وادعى أنَّ الكعبة مبنى غير مقدس، وليست لأتباع محمد، كل من في الأرض له الحق في الطواف بها.
قال رحمه الله: (( إِنَّهُ لا يَنْضَمُّ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ الْمُظْهِرِينَ لِلإِسْلامِ إلاَّ مُنَافِقٌ أَوْ زِنْدِيقٌ أَوْ فَاسِقٌ فَاجِرٌ. وَمَنْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى نِيَّتِهِ. وَنَحْنُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ الْعَسْكَرَ جَمِيعَهُ؛ إذْ لا يَتَمَيَّزُ الْمُكْرَهُ مِنْ غَيْرِهِ )).
وقال رحمه الله: في مجموع الفتاوى (28/552): (( وأيضاً لا يقاتل معهم غير مُكرَه إلاَّ فاسق، أو مبتدع، أو زنديق كالملاحدة القرامطة الباطنية وكالرافضة السبابة، وكالجهمية المعطلة من النفاة الحلولية، ومعهم ممن يقلدونه من المنتسبين إلى العلم والدِّين من هو شر منهم )).
قلت: وهذا هو واقع من في لواء هذا الفاجر الآثم. لا ترى فيهم إلا النطيحة، والموقوذة والمتردية وما أكل السبع.
فمنهم الفاسق المعلن بفسقه، الذي لا يكاد يفيق من شرب الخمر. ومنهم الساحر المشعوذ المستعين بالجان. ومنهم صاحب الفكر الجماهيري الضال. ومنهم العابد للقذافي الساجد له. ومنهم الصوفي الخرافي الذي يعتقد في الأقطاب. ومنهم الجاهل الساذج الذي لا يدري من دين الله سوى الأمر بطاعة ولي الأمر، حتى رأينا من بلغت به الغفلة والسذاجة مبلغها، فحملته على قتال أهله وبني شعبه، بدعوى أنه يقاتل (خوارج) و(عصابات إجرامية) و( صليبيين محتلين) ومن يتعاطون (حبوب الهلوسة)!!!
ومعهم أيضاً ممن يقلدونه من المنتسبين إلى العلم والدين من هو شر منهم، كأمثال الشيخ المناضل خالد تنتوش!!!، والشيخ الفقيه علي أبو صوة !!! والداعية الإسلامي أبو حذيفة عثمان غريبة!! والأستاذ الشيخ أسامة الجروشي.
وحال كلِّ واحد منهم معروفة، وإلى الله المشتكى.
قال رحمه الله: (( وَمَنْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى نِيَّتِهِ. وَنَحْنُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ الْعَسْكَرَ جَمِيعَهُ؛ إذْ لا يَتَمَيَّزُ الْمُكْرَهُ مِنْ غَيْرِهِ )).
قلت: وهذا أيضاً رأيناه، فمنهم من أخرج مضطراً مكرهاً، ووفق الله كثيراً منهم لإعلان انشقاقهم وانضمامهم إلى إخوانهم وأهاليهم.
أمّا مشروعية قتال هؤلاء، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تقدم عنه أنّهم (أعطوا الأمان وغدروا) (سبوا الذراري) و (فجروا بالنّساء) و (قتلوا النّاس) فكان حكمهم كحكم الصائل المحارب.
والصول كما يعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/319): (( الظلم بلا تأويل ولا ولاية )).
وكتائب القذافي ليس لهم في ظلمهم تأويل يبيح ما يصنعون، إلاّ تمكين هذه العائلة وأذنابهم من بقائهم في حكمهم مدةً أطول، وقد اجتمع في حكم القذافي أنواع الظلم: الظلم في الدّين، والظلم في النفس، والظلم في المال، والظلم في العرض، والظلم في العقل.
أمَّا الولاية، فمقصود شيخ الإسلام ابن تيمية بهم الولاية الشرعية، وهذه لا تكون إلاّ بمبايعة شرعية، وحكومة دينية، وهي مما لا يتصف به القذافي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فإنَّ قتال المعتدين الصائلين ثابت بالسنة والإجماع، وهؤلاء معتدون صائلون على المسلمين في أنفسهم وأموالهم وحرمهم ودينهم، وكل من هذه يبيح قتال الصائل عليها، ومن قتل دونها فهو شهيد.. )). الفتاوى المصرية.
وقال ابن القيم في الفروسية (ص187): (( فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه،كما قال الله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [الحج : 39 ] وقال النبي ×: "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد )).
ودفع الصائل أنواع، فقد يكون من باب الدفع عن المال، وقد يكون من باب الدفع عن العرض، وقد يكون من باب الدفع عن النفس، ولكل واحدة حكمها المختص بها.
ودفع تلك الكتائب قد اجتمع فيها هذه الثلاثة، فسرقوا وقتلوا وفجروا، وأفسدوا وأحرقوا!!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (28/320): (( قَالَ النَّبِيُّ × (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمِنْ قُتِلَ دُونَ حُرْمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ). وَهَذَا الَّذِي تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ "الصَّائِلُ" وَهُوَ الظَّالِمُ بِلا تَأْوِيلٍ وَلا وِلايَةٍ، فَإِذَا كَانَ مَطْلُوبُهُ الْمَالَ جَازَ دَفْعُهُ بِمَا يُمْكِنُ فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا الْقِتَالُ قُوتِلَ وَإِنْ تَرَكَ الْقِتَالَ وَأَعْطَاهُمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ جَازَ وَأَمَّا إذَا كَانَ مَطْلُوبُهُ الْحُرْمَةَ - مِثْلَ أَنْ يَطْلُبَ الزِّنَا بِمَحَارِمِ الْإِنْسَانِ أَوْ يَطْلُبَ مِنْ الْمَرْأَةِ أَوْ الصَّبِيِّ الْمَمْلُوكِ أَوْ غَيْرِهِ الْفُجُورَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يُمْكِنُ وَلَوْ بِالْقِتَالِ وَلَا يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُ بِحَالِ؛ بِخِلَافِ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ جَائِزٌ وَبَذْلَ الْفُجُورِ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْحُرْمَةِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأَمَّا إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ قَتْلَ الْإِنْسَانِ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ )).
وعند التأمل في كلام شيخ الإسلام السابق تجده أنّه عبر عن دفع الصائل على المال بجواز قتله وقتاله، ولكن عندما جاء إلى الصائل على العرض ذهب إلى وجوب قتله وقتاله..
وإن عجبي لا ينقضي عندما تسمع بعضاً من النّاس ممن ينتقد ويعتب على الذين يدافعون ويصدون هذه الكتائب بحجة أنهم يفتقرون إلى القوة والعدد!!.
ولم يدر أن العلماء لم يسقطوا جهاد الدفع بسبب القلة أو الضعف، بل إن العلماء قرروا في حالة القلة أو الضعف أن الجهاد لا يلغى ولا يمنع بل وجب الدفاع على الاقرب فالاقرب ، فإنه لو كانت القدرة شرطا في جهاد الدفع لأسقطوا الجهاد ومنعوه..
قال ابن عابدين وهو من علماء الحنفية في حاشية رد المحتار (3/238): (( وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منه, فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم, فإن احتيج إليهم - تأمل - بأن عجز من كان بقرب العدو عن المقاومة مع العدو، أو لم يعجزوا ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا، فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم، لا يسعهم تركه, وثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً على هذا التدرج )).
وجاء في حاشية الدسوقي المالكي (وتعين الجهاد بفجئ العدو) على كل أحد وإن امرأة أو عبداً أو صبياً , ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج ورب الدين ) ا.هـ "حاشية الدسوقي 2/174"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدّين فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم.))
وقال أيضاً : ((وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة ، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا..)) كما في "الاختيارات ص271" للبعلي الحنبلي
وقال ابن القيم  رحمه الله في الفروسية (ص188): (( فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوباً، ولهذا يتعين على كل أحد يقم، ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق.. )).
وسبحان الله ما أشبه ما وقع في حادثة التتار وبين واقعنا الآن، حتى إنَّ المعاذير التي أطلقها بعض النّاس في زمان شيخ الإسلام ابن تيمية للمنع من قتال التتار، هي عين المعاذير التي ينطق بها ويقررها أناس من بني جلدتنا، فترى أحدهم يقول: هذا قتال فتنة!، وآخر يقول: "هؤلاء مسلمون"!! و.. و.."وأنهم يقاتلون مكرهين"!!!
وقد ذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنّهاية (14/28) عند حديثه عن وقعة شقحب المشهورة، فقال: (( وَقَدْ تكلَّم النَّاس فِي كَيْفِيَّةِ قِتَالِ هَؤُلاءِ التَّتَرِ مِنْ أَيِّ قَبِيلٍ هُوَ، فَإِنَّهُمْ يُظْهِرُونَ الإِسْلامَ، وَلَيْسُوا بُغَاةً عَلَى الإِمَامِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي طَاعَتِهِ فِي وَقْتٍ ثُمَّ خَالَفُوهُ )).
ثم قال: (( فقال الشيخ تقي الدين -يعني ابن تيمية-: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك. وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب، وعلى رأسي مصحف، فاقتلوني، فتشجَّع الناسَ في قتال التتار، وقويت قلوبهم ونياتهم ولله الحمد )).
وقال في مجموع الفتاوى (28/167): (( والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193] فمن ترك القتال الذي أمر الله به، لئلا تكون فتنة، فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده، وتركه ما أمر الله به من الجهاد. تدبر هذا؛ فإن هذا مقام خطر )).
ومن درر شيخ الإسلام ابن تيمية ما جاء في كتابه قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم (ص103): (( بل من كان من المحاربين المقاتلين للمؤمنين، فإنّه يقتل حيث ثُقِف، وليس من حكمه ألاّ يقاتل إلاّ في حالة قتاله، بل متى كان من أهل القتال الذي يخيف المسلمين، ومن شأنه أن يقاتل، قتل قائماً، أو قاعداً، أو نائماً )).
ويجب على هـؤلاء الذين أُخرجوا مكرهين ألاّ يقاتلوا إخوانهم وأهليهم، حتى لو أدّى ذلك على قتلهم تحت يدي من أمرهم أومن أمروا بقتاله..
وقد بوب الإمام البيهقي في سننه: (باب السمع والطاعة للإمام ومن ينوب عنه، ما لم يأمر بمعصية) ثم ساق بسنده ما أصله في الصحيحين من حديث علىٍّ بن أبي طالب رضى الله عنه قال: (( استعملَ رسولُ الله × رجُلاً مِنَ الأنصارِ على سَرِيَّةٍ، بعثَهم وأمرهم أن يسمعُوا له ويُطِيعُوا، قال: فأغضبُوه فى شيء، فقال: اجمعوا لى حَطَباً، فجمعوا، فقال: أَوْقِدُوا نارا، فأوقَدُوا، ثم قال: ألم يَأْمُرْكُم رسولُ اللهِ × أن تسمعُوا لى وتُطيعوا؟ قالُوا: بَلَى، قال: فادْخُلُوهَا، قال: فنظر بعضُهم إلى بعضٍ، وقالُوا: إنما فَرَرْنَا إلى رسولِ اللهِ × مِن النَّار. فَسَكَن غَضَبُهُ، وطُفِئَتِ النَّارُ، فلما قَدِمُوا على رسول الله × ذكرُوا ذلك له فقال: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إنَّمَا الطَّاعَةُ فى المَعْرُوف )).
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (3/353): (( فإن قيل: فلو دخلُوها دخلُوها طاعة للهِ ورسُولِه فى ظنهم، فكانوا متأوِّلين مخطئين، فكيف يُخَلَّدُون فيها؟ قيل: لما كان إلقاءُ نفوسهم فى النار معصيةً يكونون بها قاتِلى أنفسهم، فهمُّوا بالمُبَادرة إليها من غير اجتهاد منهم: هل هُو طاعةٌ وقُربة، أو معصيةٌ؟ كانوا مُقْدِمينَ على ما هو محرَّم عليهم، ولا تَسوغُ طاعةُ ولى الأمر فيه، لأنه لا طاعةَ لمخلوق فى معصيةِ الخالق، فكانت طاعةُ مَنْ أمرهم بدخول النار معصيةً للهِ ورسوله، فكانت هذه الطاعة هى سببَ العُقوبة ... فإذا كان هذا حُكْمَ مَنْ عذَّب نفسه طاعة لولى الأمر، فكيف مَن عذَّب مسلماً لا يجوز تعذيبُه طاعة لولى الأمر؟.
وأيضاً فإذا كان الصحابةُ المذكورون لو دخلُوها لما خرجوا منها مع قصدِهم طاعةَ اللهِ ورسوله بذلك الدخولِ، فكيف بمن حمله على مالا يجوزُ مِن الطاعة الرغبةُ والرهبةُ الدنيوية.. )).
وقد أخرج أبو يعلى في مسنده (2/ 245)، والبيهقي في السنن (8/193) عن عامر الشعبي قال: لما قاتل مروان الضحاك بن قيس، أرسل إلى أيمن بن خريم الأسدي فقال: إنا نحب أن تقاتل معنا. فقال: :إن أبي وعمي شهدا بدراً، فعهدا إلي أن لا أقاتل أحداً يشهد أن لا إله إلا الله، فإن جئتني ببراءة من النار قاتلت معك. فقال: اذهب، ووقع فيه وسبه، فأنشأ أيمن يقول:
ولست مقاتلا رجلا يصلي ~~  على سلطان آخر من قريش
له سـلطانه وعلي إثمي ~~ معاذ الله من جهل وطـيش
أقاتل مسلما في غير شيء ~~ فليس بنافعي ما عشت عيشي
وقد أخرج البخاري في الصحيح من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ: يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ))
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/536): (( فَاَللَّهُ تَعَالَى أَهْلَكَ الْجَيْشَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَنْتَهِكَ حُرُمَاتِهِ - الْمُكْرَهُ فِيهِمْ وَغَيْرُ الْمُكْرَهِ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمْ مَعَ أَنَّهُ يَبْعَثُهُمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ أَنْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بَلْ لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ خَرَجَ مُكْرَهًا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، كَمَا رُوِيَ (أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِلنَّبِيِّ × لَمَّا أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْت مُكْرَهًا. فَقَالَ: أَمَّا ظَاهِرُك فَكَانَ عَلَيْنَا، وَأَمَّا سَرِيرَتُك فَإِلَى اللَّهِ). بَلْ لَوْ كَانَ فِيهِمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، وَلَمْ يُمْكِنْ قِتَالُهُمْ إلاَّ بِقَتْلِ هَؤُلاءِ لَقُتِلُوا أَيْضًا؛ فَإِنَّ الأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ وَخِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ نَرْمِيَهُمْ وَنَقْصِدَ الْكُفَّارَ . وَلَوْ لَمْ نَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَازَ رَمْيُ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ . وَمَنْ قُتِلَ لِأَجْلِ الْجِهَادِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ - هُوَ فِي الْبَاطِنِ مَظْلُومٌ - كَانَ شَهِيدًا وَبُعِثَ عَلَى نِيَّتِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَتْلُهُ أَعْظَمَ فَسَادًا مِنْ قَتْلِ مَنْ يُقْتَلَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ . وَإِذَا كَانَ الْجِهَادُ وَاجِبًا وَإِنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا شَاءَ اللَّهُ . فَقَتْلُ مَنْ يُقْتَلُ فِي صَفِّهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِحَاجَةِ الْجِهَادِ لَيْسَ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا ؛ بَلْ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ × الْمُكْرَهَ فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ بِكَسْرِ سَيْفِهِ . وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ وَإِنْ قُتِلَ )).
وقال في الفتاوى المصرية (4/295-296): (( وأما الابتداء بالقتال في الفتنة فلا يجوز بلا ريب، والمقصود: أنهّ إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل، بل عليه إفساد سلاحه، وأن يصبر حتى يُقتل مظلوماً، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام، كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم، فلا ريب أنّ هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أنْ لا يقاتل وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلاً على قتل مسلم معصوم، فإنّه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين وإن أكرهه بالقتل؛ فإنّه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس، فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يُقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القود على المكره جميعاً عند أكثر العلماء: كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه.. )).
ومن الأشياء التي عرفت واشتهرت عن القذافي: مناداته بقيام دولة الروافض: الدولة الفاطمية:
ولم يكتف هذا الطاغية وجنوده بأن يشابهوا التتار في أفعالهم فقط، بل زاد على ذلك أن أيَّد من كان يوماً ما مؤيداً لهم.
فقد نادي القذافي بقيام هذه الدولة مراراً وتكراراً، آخرها في احتفاله كما يزعم بـ "مولد النبي ×" في العام الماضي في جمعية الدعوة الإسلامية، وقوله صراحة:
" يا شباب الفاطمية"!
" نريد قيام دولة فاطمية"!
"نحن من صنع الدولة الفاطمية الأولى، وسنصنع الثانية"!
"لا تستطيع القاهرة أن تهرب من الفاطمية"!
"القاهرة فاطمية مائة في المائة"!
"الأزهر قلعة من قلاع الفاطمية"!
وهي دولة يرجع نسبها كما يقول الإمام الذهبي في السير (15/213): (( المعروف أنهم بنو عبيد، وكان والد عبيد من نسل القداح المجوسي الملحد )).
خرج من رحمها أكبر طوائف الروافض البدعية، وقد فعلوا بالمسلمين الأفاعيل، وأفسدوا الدنيا والدّين .. وقد كانوا يداً ونصيراً للتتار في غزوهم بلاد الشام..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (27/174): (( فبنو عبيد الذين يسمون القداح، الذين كانوا يقولون: إنهم فاطميون، وبنوا القاهرة، وبقوا ملوكاً يدَّعون أنهم علويون نحو مائتى سنة، وغلبوا على نصف مملكة الإسلام، حتى غلبوا في بعض الأوقات على بغداد، وكانوا كما قال فيهم أبو حامد الغزالى: (ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض) )).
هذا آخر ما أردت عرضه من مشابهة القذافي وجنوده لجنكيز خان وتتاره، ولو ذهبت أستقصي أحوالهم لطال الأمر جداً، كما قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (28/552) عن التتار: (( لو وصفت ما أعلمه من أمورهم لطال الخطاب )).
وأخيراً، أقول: (( قال الله تعالى: ﴿وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين﴾ وقال: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾- والله تعالى قد بين في كتابه سبيل المؤمنين مفصلة، وسبيل المجرمين مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء، وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء، والأسباب التي خذل بها هؤلاء، وجلاَّ سبحانه الأمرين في كتابه، وكشفهما وأوضحهما وبينهما غاية البيان، حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام، فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان، كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلي مقصوده، والطريق الموصل إلى الهلكة، فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس وأنصحهم لهم، وهم الأدلاء الهداة.
وبذلك برز الصحابة علي جميع من أتي بعدهم إلى يوم القيامة، فإنهم نشأوا في سبيل الضلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلي الهلاك، وعرفوها مفصلة، ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى وصراط الله المستقيم، فخرجوا من الظلمة الشديدة إلى النور التام، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الظلم إلى العدل، ومن الحيرة والعمى إلى الهدى والبصائر، فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به، ومقدار ما كانوا فيه، فإن الضد يظهر حسنه الضد، وإنما تتبين الأشياء بأضدادها، فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه، ونفرة وبغضاً لما انتقلوا عنه، وكانوا أحب الناس في التوحيد والإيمان والإسلام، وأبغض الناس في ضده، عالمين بالسبيل على التفصيل.
وأما من جاء بعد الصحابة، فمنهم من نشأ في الإسلام غير عالم تفصيل ضده، فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين، فإن اللبس إنما يقع إذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما، كما قال عمر بن الخطاب: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية) وهذا من كمال علم عمر رضي الله عنه، فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها، وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول × فإنه من الجاهلية، فإنها منسوبة إلى الجهل، وكل ما خالف الرسول صلى الله عليه وسلم فهو من الجهل، فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له، أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل، أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها، وكفَّر من خالفها، واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها )) ([3]).
وصلى الله وسلم على نبينا محمّد، وعلى أله وصحبه أجمعين.


([1]) وقد لخَّص الفتوى تلخيصاً رائعاً أخي عبد الله الطرابلسي في بحثه الموسوم: (الرؤية الشرعية في الأحداث الليبية).
([2]) أنصح لهذا قراءة كتاب "نازلة العراق بين ظلم السياسة وفجور البدعة".

([3]) الفوائد للإمام ابن القيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق