الجمعة، 19 أغسطس، 2011

محمد أمين العيساوي : رؤية حول المرحلة الانتقالية



يدور الجدل والنقاش الأن على الساحة الليبية مع اقتراب ساعة الحسم بتحرير كامل مدننا العزيزة وسقوط نظام صعاليك الخيمة الذي جثم على صدورنا منذ ليلة 1/9/1969 يدور هذا الجدل حول ما نسميه بالمسار الدستوري ونعني به إدارة المرحلة الإنتقالية التي تعقب سقوط نظام وتستمر الى ولادة الدستورية التي تنشدها الأمة ، ولقد رأيت أنه من واجبي الوطني وفي هذا الوقت العصيب أن أسهم بمساهمة متواضعة وبالقدر المتاح لي في دائرة هذا النقاش محاولة مني في تقريب المفاهيم حتى نكون على بيِّـنة ودراية بهذه المسألة الحساسة التي نحن بصدد مناقشتها جميعا وإبداء رأينا فيها .

وقبل الحديث عن ماهية المرحلة الإنتقالية وطبيعتها وكيفية إدارتها يقتضي الحال التعرف على مفهومها وماذا تعني لنا بالضبط ، فالمرحلة الإنتقالية عادة هي تلك المرحلة التي تعقب سقوط نظام سياسي وإقامة نظام سياسي بديل له ، وهي تحمل في مضمونها مفهومان أحدهما مفهوما سياسيا والأخر هو مفهوما دستوريا ، ووقوفنا على معرفة هاذين المفهومين يعني لنا معرفة توقيت هذه المرحلة أي الوقت الذي تستغرقه بحسب كل مفهوم من المفهومين المذكورين .
- المفهوم السياسي للمرحلة الإنتقالية :
المرحلة الإنتقالية بالمفهوم السياسي هي مرحلة إنتقال الدولة من حالة اللاشرعية (غير الدستورية) الى حالة الشرعية (الدستورية) ، أي الإنتقال من دولة لا دستورية الى دولة دستورية بقيام مؤسساتها التي يُنشأها الدستور فهي تبتدئ عادة من وقت أو من تاريخ سقوط النظام السياسي وتمتد الى تاريخ إستلام السلطة الشرعية بمقتضى الدستور الذي تقرره الأمة . 
- المفهوم الدستوري للمرحلة الإنتقالية:
إذا كان المفهوم السياسي يعني إنتقال حالة (الدولة) من اللادستورية الى الدستورية فإن المفهوم الدستوري الذي يهتم بشأن السلطة يعني إنتقال السلطة من حالة الأمر الواقع الى حالة شرعية الأمة ، أي الانتقال من سلطة الأمر الواقع التي لا تستند الى شرعية إرادة الأمة وهي التي عادة ما تفرزها الثورات وعقب سقوط الأنظمة مباشرة لملء الفراغ السياسي والدستوري في الدولة الى سلطة إرادة الأمة أي السلطة التي تستمد شرعيتها من إرادة الأمة ، وهي عادة ما تبتدئ من سقوط النظام السياسي وإستلام الدولة وتستمر الى إنتخاب الجمعية الوطنية التأسيسية التي تمثل إرادة الأمة ، ومن هنا تنتقل مشروعية السلطة التي تدير المرحلة الإنتقالية من حالة الأمر الواقع الى حالة الشرعية التي تفرزها العملية الإنتخابية والمتمثلة بالجمعية الوطنية المذكورة .
وهكذا فإنه من خلال تحديد المفهومين السابقين يمكننا تحديد الوقت الذي تستغرقه هذه المرحلة الإنتقالية بكاملها ، وكذلك تحديد طبيعة السلطة التي تقود هذه المرحلة في كل جزء منها . فهي مرحلة كما تبين لنا أنها مكونة من جزئين وفقا للمفهوم الدستوري وهو المفهوم الذي أراه دقيقا في تعريف هذه المرحلة لأنه يتعلق بمسألة شرعية السلطة التي تقودها ، فالجزء الأول منها والذي يبتدئ من سقوط النظام الى انتخاب الجمعية الوطنية تكون السلطة فيه هي سلطة أمر واقع بمعنى الكلمة فشرعيتها تستمدها من الواقع وليس من الإرادة الصريحة للأمة . أي أن وجود تلك السلطة أمر تفرضه الضرورة ويحكمه الواقع ، في حين أن الجزء الثاني الذي يبتدئ من انتخاب الجمعية الوطنية التأسيسية الى انتهاء المرحلة الإنتقالية بالمفهوم السياسي الذي أوردناه وهو ولادة الدولة الدستورية وقيام مؤسساتها المقررة في الدستور هي سلطة تستمد شرعيتها من إرادة الأمة و إن كانت تسمى تجاوزا سلطة أمر واقع ، وبهذه الشرعية التي تضفيها عليها إرادة الأمة من خلال العملية الانتخابية تجتمع في يد هذه السلطة السلطتين المعروفتين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بصورة مؤقته ريثما تنتهي العملية الإنتقالية بإقرار الدستور و قيام مؤسسات الدولة الدستورية ، و على هذا الاساس فان أي تصرف قانوني يصدر عنها هو تصرف مشروع لأنه يستمد مشروعيته من إرادة الأمة المتمثلة في الجمعية الوطنية التي هي مصدر السلطة هنا .
وازاء هذا الفهم لطبيعة هذه المرحلة يثار التساؤل هنا حول دور المجلس الوطني الانتقالي في هذه المرحلة بجزئيها اللذين تحدثنا عنهما باختصار .
- دور المجلس الوطني الانتقالي :
لاشك أن المجلس الوطني الإنتقالي قد تشكل تلبية لظروف المرحلة التي فرض فيها النظام الصعلوكي عسكرة الثورة و في ظل إنعدام أي مؤسسة دستورية فكان لابد من وجود جسم قيادي يتولى إدارة هذه المرحلة سياسيا وعسكريا وأن يدير الأمور في المناطق المحررة بما يحافظ على كيان المجتمع وتحقيق الأمن والسلم الاجتماعي وأن يكون صوت معبر عن إرادة الشعب في حواره مع الاخر ( دول و منظمات دولية واقليمية ) ومن المعلوم أن هذا الجسم لم يفجر الثورة ولم يصنعها وإنما الشعب هو الذي فجر هذه الثورة وهو الذي صنع هذا الجسم بمبادرة منه ليملئ هذا الفراغ الذي إقتضته المرحلة .
ومن ثم فان دور المجلس الوطني الإنتقالي في تقديري والذي اكتسب شرعيته من شرعية الثورة والأمر الواقع الذي فرضته أن يتحول عقب التحرير مباشرة الى مجلس سيادة مؤقت بأن يلتئم بكامل أعضاءه الممثلين لكافة مناطق بلادنا وهنا ينبغي أن نشهد تحويرا في هيكليته تمليه ظروف المرحلة بإعتباره سيتحول الى مجلس سيادة مؤقت كما ذكرت وظيفته الأساسية هي كونه أداة سيادة لتشكيل حكومة مؤقتة تبسط سيطرتها على كامل التراب الليبي وهي حكومة ينبغي أن تشكل من نسيج المجتمع الليبي ومن ذوي الكفاءات والخبرة الإدارية القادرين على إتخاذ القرار المناسب في إدارة الدولة وتصريف أمورها ومهمة هذه الحكومة المؤقته علاوة على إستلام إدارات الدولة القائمة وتصريف أمورها وهي المهمة العادية والطبيعية لها فإن لها مهمة أساسية وجوهرية ألا وهي إتخاذ الإجراءات والترتيبات اللازمة مع المجلس الوطني الإنتقالي لإعداد البلد وتهيئته للعملية الإنتخابية أي إجراء الإنتخابات العامة للجمعية الوطنية التاسيسية وفق قانون إنتخابي مؤقت يصدر عن المجلس الوطني الانتقالي بناءاً على عرض هذه الحكومة المؤقتة يبسط فيه بوضوح كيفية إجراء هذه الإنتخابات والمعايير التي ستعتمدها وهي إنتخابات حتما ويجب أن تتم تحت الإشراف المباشر لهذه الحكومة المؤقتة وليس تحت إشراف هيئة دولية كما سمعته من البعض ، ذلك أن ليبيا هي دولة مستقلة ذات سيادة وشأنها  شأن داخلي لا ينبغي ان نترك زمام أمرها تحت إشراف دولي وإنما الصحيح هو أن تتم هذه الإنتخابات تحت الإشراف المباشر للحكومة المؤقته بمراقبة دولية سوء كانت من الامم المتحدة او من أي منظمات أخرى والفرق هنا شاسع في التعبير بين عملية الإشراف المباشر والرقابة فالإشراف يتم من دولة ذات سيادة والرقابة قد تتم من خارج هذه الدولة لضمانة ونزاهة هذه العملية الإنتخابية وجدير بالذكر هنا أن الجمعية الوطنية المراد إنتخابها في هذه المرحلة والتي ينبغي أن تكون لها الصلاحيات الواسعة بإعتبارها سلطة سيادية مُؤسِّسة أن تحدد مهمتها من خلال عملية إستفتاء عام يصاحب عملية إنتخابها ، إذ يجب أن يُسأل المواطن الليبي من خلال هذا الاستفتاء على ما يلي :
-         هل يريد من هذه الجمعية أن تكون سُـلطة مُؤسِّسة لاعداد دستور جديد للبلاد ، وإذا كان الجواب بالإيجاب هل يريده دستورا يعتمد الشكل الملكي الدستوري أو الجمهوي البرلماني أو الرئاسي ؟

-         هل يريد من هذه الجمعية أن تكون سلطة مُؤسِّسة وأن تـُجري على دستور 1951 م التعديلات التي تراها مناسبة مع الاحتفاظ بشكل الحكم الملكي أو أن تـُجري عليه التعديلات اللازمة و إستبداله بشكل الحكم الجمهوري البرلماني أو الرئاسي بإعتبار أن دستور 1951م هو الدستور المؤسس للدولة وشهادة ميلادها وهو دستور دولة الإستقلال ؟

وعقب الإنتهاء من هذه المهمة وفي أول إجتماع للجمعية الوطنية التاسيسية ينتهي بطبيعة الحال دور المجلس الوطني الإنتقالي لمجلس سيادة وأيضا الحكومة المشكلة منه ، وعلى الجمعية في هذه الحالة أن تبقي على الحكومة المؤقتة أو أن تـُعيد تشكيلها وفق ما تراه ، ومن هنا يبتدئ الجزء الاهم من المرحلة الإنتقالية حيث ستتفرغ الجمعية لممارسة مهمتها الدستورية المكلفة بها من الشعب وتتفرغ الحكومة المؤقتة المنبثقة عنها لإدارة الدولة وتصريف أمورها وفق ما تتطلبه المرحلة لتهيأتها للمرحلة الدستورية وذلك الى أن يتم الفراغ من إعداد الدستور وفقاً للمهمة التي كلفت بها تلك الجمعية و يتم عرضه في إستفتاء عام لتكتمل بهذا الاستفتاء الصورة الديمقراطية المثلى لنشئة الدساتير كما أستقر عليه غالبية الفقه الدستوري و تنطلق بعد ذلك الدولة الدستورية بمؤسساتها المقررة في ذلك الدستور ، وهكذا في تقديري نضمن إدارة ديمقراطية لمرحلة إنتقالية جوهرية في حياة أمتنا الليبية ، فالعبرة أيها السادة هي ليست بالمواعيد والتواريخ المقررة لهذه المرحلة بل في مظمونها وديمقراطيتها وفاعليتها علما بان تحديد مهمة الجمعية الوطنية من قبل الشعب ومن خلال استفتاء عـام هو الطريقة التي نشأت بها الجمهورية الرابعة الفرنسية سنة 1946م عقب تحرير فرنسا من النازية في الحرب العالمية الثانية .

وفق الله الجميع الى ما فيه صالح الثورة والأمة ، وللجميع تحيتي وللوطن عشقي و محبتي.  

محمد أمين العيساوي
19/8/2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق