الخميس، 18 أغسطس، 2011

محمد الشيباني : واضرب لهم مثلا رجلين محمد يوسف المقريفعبد العاطي العبيدي

هما زميلان جمعتهما  كلية واحدة، وربما سنة تخرج واحدة، من كلية الاقتصاد والتجارة بالجامعة الليبية. وبكل تأكيد، كان قد جمعهما، يومَ تخرجهما المشترك، شعور واحد ملؤه الأمل، في لعب دور مهم لبناء بلدهما المستقل حديثا، المملكة الليبية، تلك الدولة الموعودة برفاه اقتصادي، وتطور اجتماعي، تؤكده الاستكشافات النفطية الواعدة، والتي بدأت طلائعها من براميل الذهب الأسود، تتحول إلى عملة صعبة، تتلهف لها البلاد، تلهف الظمآن إلى كوب من الماء الصعب، في يوم صيف صحراوي عصيب.
تجاوب القدر مع تطلعات الشابين الجامعيين، المقريف والعبيدي، وتساوق الإيقاع المنتظم الحالم لسيمفونية الدولة الناشئة، مع ما تحصلا عليه هذين الشابين من تأهيل عال، مكنهما من اعتلاء مناصب مرموقة، زادت هي الأخرى أملهما تجنحا، وحماسهما تدفقا وانطلاقا.
سوف نصاب بالدهشة، لو كان بإمكاننا أن نقوم بعقد مقارنة بسيطة بين ما كان يدور في خيال هذين الشابين، وهما في اليوم الأول لشغلهما تلك الوظائف الوزارية، قبل حوالي أربعة عقود، وما كان يرسمه لهما الأمل الممكن، من مشاهد تكاد ترى بالعين لبلدهم ليبيا في عام 2011، وبين الحالة المأساوية التي عليها ليبيا الآن، وقد أسلمها عبث العابثين، وفساد الفاسدين، وتسلط المتسلطين الظالمين، إلى هذه الحالة الكارثية التي ساهم فيها الجميع، وها هم الجميع يتقاسمون الثمرة المرة لناتج رحلة الضياع، وراء أمير الضياع، القذافي.
لابد أن يعقب دهشتنا المشروعة هذه، سيل من الأسئلة، يتقدمهم سؤال كبير، هو:
ما مدى مساهمة كل واحد من هذين الرجلين، المقريف والعبيدي، ونظراؤهما، في كل ما جرى؟
السؤال ثقيل بثقل السنين الأربعين، وهو ثقيل أيضا بثقل جبال الظلم والقهر والتخلف التي صنعتها حجارة السلبية واللامبالاة والجبن غير المبرر للكثير من الليبيين، والذين قام كل واحد منهم بقذف حجرة من هذه الحجرات المكونة لهذه الجبال، في كل يوم قضاه خانعا مستسلما للعقيد الدجال.
كل تلك الأثقال، من السنين ومن خنوع الخانعين، هي التي صنعت  هذه الرافعة العملاقة التي اتكأت عليها انتفاضة فبراير، والتي حركت بها الواقع البائس المرير، وتمكنت بواسطتها من تدمير عرش طاغية، جعل من بلد كامل ملهاة، يتلهى به هو وأولاده وأزلامه وتابعوه.
من المعلوم أن المقريف شغل منصب رئيس ديوان المحاسبة في بداية السبعينيات، وهو اختيار يمنح شهادة رشد رفيعة للنظام الذي اختار رجلا بكفاءة وجدارة أستاذ المحاسبة الشاب، صاحب المؤهل العلمي العالمي المعروف. وسوف تترسخ شهادة رشد النظام هذه، بإطلاقه يد هذا المراقب المالي الصارم الذي حمل بيمينه ما عرف عنه من كفاءة له وللجهاز الرقابي الذي يقود، وملأ يده الأخرى بسلطة عليا لا تخضع، عرفا أو قانونا، سوى لسلطة البرلمان.
لم يكن في تلك الفترة سلطة برلمانية، يستمد منها رئيس ديوان المحاسبة قوته، ويرفع إليها تقاريره، بل كانت السلطة، كل السلطة،  مركزة بيد العسكر قادة الانقلاب، أو بالأحرى، بيد العقيد قائد أولئك العسكر.
الأرقام مرآة، بل هي أحدُّ المرايا، وأكثرها جرأة على إظهار ما يعتري وجه الناظر إليها، ولو كان هذا الناظر إليها، ذي مزاج حاد، ويستخدم أحيانا المسدس من أجل إجبار الناظرين إليه، التغزل في عوار عينيه.
غطى العوار العيون، ولا يمكن لشخص في نزاهة وتدين وكفاءة المقريف، وهو يحمل مرآة الأرقام الحادة جدا، أن يسلم من رصاص القذافي الأعور، بل الأعمى، والذي أطلق للتو الرصاص على الدولة كلها، بكل مؤسساتها وقوانينها، وأعلن الثورة الشعبية، التي أرَّخ يوم ولادتها المشئوم، ليوم وفاة الدولة الليبية، أو على الأقل دخولها في غيبوبة طويلة المدى.
لو قُدِّر لنا أن نقرأ ردة فعل من وقفوا أمام مرآة المقريف في ذلك الزمن المبكر، من عسكر وأعوان عسكر، ممن كانوا يقودون الدولة الليبية، وما خطه عبوس وجه الناظرين ذميمي الخلقة على سطحها البراق، وما قذفت به عيونهم من كره وحقد على كل من كان يحمل مثل تلك المرايا الرقابية الفاضحة، لرأينا في ذلك الوقت المبكر جدا ملخصا وافيا لما جرى خلال العقود اللاحقة جميعها، بل ربما تمكنا من رؤية شلال الدم الذي يجري الآن في زاوية من زوايا تلك المرآة.
انطلق الرصاص على المقريف ومرآته، فلم ينحن الرجل لجمع حطام هذه المرآة، ويقوم بتثبيته وترقيعه كيف ما أمكن، وبالطريقة التي تجعل صورة وجه الطاغية البشع، وعيونه النافثة كبرا وخبثا وخيانة وغدرا، صورة وجه ملائكي، ينز براءة، ويسكب طهارة،  ويتألق هيبة وجلالا.
كلا. ثم كلا!
هذا ما نطق به الرجل، وبلغة صريحة، لا تعرف المواربة، ولا تحتمل التأويل.
ببراءة الأطفال، تساءلت آنذاك، ماذا لو لم يجد القذافي من يصنع له مرآة الأرقام التي يريد، ولم يجد خليفة للمقريف، تخالف المقريف. أجل، فالأرقام هي الأرقام، ومراياها هي ذات المرايا التي لا تمت بصلة قربى، أو وشيجة دم لأحد، مهما علا شأنه، وعظم بأسه؟
جاء الجواب على تساؤلي البريء في منتهى الإحباط، وذلك عندما رأيت زملاء المقريف ممن يشغلون وظائف وزارية عليا، يتقبلون كل ما يتقيؤه القذافي الشاذ من أفكار، بل ويروجون لها، ويتكلفون ويتعسفون في ليِّ ذراع الحقيقة، وتسفيه ما تعلموه من علوم، وكل ذلك لا لشيء إلا لإثبات أن القائد المنظر، يرى ما لا يراه الناظرون.
قال المقريف: كلا، وأوقف عمره كله على هذه الكلمة، ذلك العمر الذي جعله القذافي في بؤرة انتقامه، ووجه له كل أسلحته، وحرَّض عليه مرتزقته، ولكن حامل مرايا الأرقام، المقريف، ظل يمسك بمرآة الحقيقة، ويقذف بشعاعها الثاقب عين الطاغوت وأعوانه، حتى تمكن أخيرا من فقئها.
وها هو المقريف، رغم مكر ملك الملوك، يظهر علينا عبر الشاشات، وضاء المحيا، باسم الثغر، ساحر البيان، يتدفق حيوية، ويشتعل حماسا.
وللتاريخ، فإنني قلت ما قلت في المقريف، استنادا لما يعرفه عوام الناس المهتمين بالشأن الوطني، ولم أعرف المقريف إلا معرفة طالب مغمور، في سنته الأولى الجامعية، لأستاذ مرموق، برتبة وزير، ولا شيء غير ذلك.
أعود إلى تساؤلي الطفولي البريء: ماذا لو تكررت لفظة "كلا" التي قالها المقريف، على لسان قافلة التكنوقراط الذين مسح فيهم ذلك الطاغية الشاذ كل أوساخه وقاذوراته، حتى بدوا الآن، وكأنهم من فرط ما ألقاه على وجوههم من أدران، وكأنهم مسخ من البشر.
رجال سبعينيون كثر، قضوا كل عمرهم ركوعا أمام أباطيل وترهات ذكرٍ مثلهم، يعرفون بطلان ما يقول، ولم نسمع أحدا منهم ينبس ببنت شفة، وهو يرى الوطن يقوده إلى الهاوية حاكم شاذ، لم يجد من يقف في وجهه، ويقول له: كلا.
لا أعرف عن عبد العاطي العبيدي الكثير، سوى ما يعرفه العامة عنه، وهو تسلمه منصب الوزارة شابا، وظل في هذا المستوى الرفيع العقود الطوال، مشاركا ومؤيدا ومسئولا عن كل الذي فعله الدكتاتور. ومما يزيد العبيدي تورطا في موالاة الظالم، هو ركونه هذه الأيام له، والسعي من أجل تبرئة من شهد عليه الجميع بقتل شعبه، ومحاولة إضفاء الشرعية عليه، بعدما خلع العالم أجمع الشرعية عنه.
هي إذن كلمة "كلا" التي تجبرنا دائما بالعودة إليها، عندما نحاول أن نعيد قراءة التاريخ، ونقوم بعقد المقارنات العادلة المفيدة بين رجل قال: كلا، وآخر أخرسه طمعه عن البوح بها.
لو قال كلمة "كلا" الأنيقة الخفيفة هذه، الصف الأول من التكنوقراط الذين استعان بهم القذافي في بداية عهده المشئوم، ثم تبعهم بقولها الصف الثاني، وحتى الثالث، لوفروا علينا بعملهم المجيد هذا، شلال دماء آلاف الشباب الذين ذبحتهم شحنات كلمات "كلا" المتراكمة المنحبسة، والتي أحجم عن قولها في الوقت المناسب أجداد هؤلاء الشباب، من أمثال عبد العاطي العبيدي، ومن هم مثله، ولكانت ليبيا غير هذه التي نراها.   
لابد أن نقف وقفة إجلال واحترام لكل من وقف في وجه الطاغية، والذين منهم من قضى نحبه شهيدا، ومنهم من أكرمه ربه بمشهد رؤية سقوط هبل ليبيا.
أكاد أهيم حبا بكلمة "كلا" هذه، بل ويدفعني حبي لها إلى المطالبة بتخصيص مادة في دستور ليبيا المقبل، تتضمن التنويه بكلمة "كلا"، وجعل النطق بها حقا مشروعا، بل وواجبا على كل مواطن.
"كلا" الفاتنة هذه، والتي فجرت ثورة فبراير، تستحق أن ننشئ لها في كل مدينة من مدننا ميدانا كبيرا نسميه باسمها، أي "ميدان كلا"، ونجعل أرض الميدان وقفا مقدسا، وحرما آمنا لكل من يقول للحاكم "كلا".
فهل من مؤمِّنٍ على ما دعوت، ومؤيدٍ لما قلت؟
محمد الشيباني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق