الأحد، 14 أغسطس، 2011

الدكتور جمال أحمد بادي : وجهة نظر في تعميم فتوى تعيّن الجهاد في ليبيا الأحرار

الدكتور جمال أحمد بادي 

لا يخفى على المطلع وجود آلاف الطلبة الليبيين الدارسين بالخارج في مختلف التخصصات العلمية وعلى المستويين الجامعي والدراسات العليا. وبعض هؤلاء الطلاب قد قطع شوطا لا بأس به في الدراسة ومنهم من أوشك على الانتهاء. ووقف كثير منهم في حيرة بين إتمام الدراسة و الرجوع إلى البلد بعد اندلاع ثورة 17 فبراير المباركة. وكنت أنصح طلابنا الدارسين في ماليزيا في بداية الورش التدريبية للتنمية البشرية التي عقدناها – بحمد الله - في كوالالمبور وبينانج وكجانق على مدى أكثر من شهرين بضرورة العناية بدراستهم وأن اهتمامهم يجب أن يكون موزعا باعتدال بين متابعة أخبار الثورة والتفاعل معها ونصرتها و العناية بالهدف الجليل الذي تغّربوا من أجله ألا وهو الدراسة وأنه خير لهم ولبلدهم أن يرجعوا بعد تحريرها -الذي نأمل أن يكون قريبا- وقد حققوا ذلك الهدف النبيل الذي ابتعثوا من أجله. وقد ربطت ذلك بضرورة التناغم بين قوى الشخصية السوية الثلاثة: الإرادة والعقل والوجدان. 
ثم ازدادت حيرة هؤلاء الطلاب بعد سماعهم فتوى تعيّن الجهاد في ليبيا الحرة وبناء على ذلك ضرورة ترك الدراسة والرجوع إلى البلد للجهاد والإسهام في معركة التحرير. وهنا أقول بأن الفتوى وإن كانت صحيحة من حيث المبدأ والأصل إلا أنه يجب أن لا تؤخذ على إطلاقها. فهي ليست في حق كل أحد على السواء، للأسباب التالية: 
1. لم نسمع من أي جبهة من جبهات القتال عن نقص الثوار والحاجة إلى المزيد بل العكس صحيح .فهناك من سافر للبلد ولم يتمكن من الالتحاق بالجبهات لسبب أو لآخر. كما أن ثوارنا في حال تقدم وانتصار مستمر. 
2. صعوبة تحقق تنزيل الفتوى على كل فرد من حيث تنوع حال المناطق التي ينتسبون إليها من ناحية ، ومن حيث تنوع حالهم كاللياقة البدنية، والاستعداد النفسي وغير ذلك من ناحية أخرى. 
3. اختلاف أحوال الطلاب الدارسين من حيث نوعية التخصص ( فبعض التخصصات قد يوجد فيه نقص شديد في جامعاتنا) ومن حيث المدة المتبقية من الدراسة (كمن أمضى نصف أو ثلثي مدة الدراسة مثلا لا يمكن مقارنة أولئك بالمبتدئ أو من لا يزال في فترة اللغة). 
4. إن بلدنا في حاجة لأصحاب التخصصات ولاسيما الذين هم في مرحلة الدراسات العليا وبالأخص في المجالات العلمية الدقيقة. 
5. اعتبار بعض العلماء - ومنهم إمامنا إمام دار الهجرة الإمام مالك - أنّ طلب العلم نوع من الجهاد إذا أُخلصت فيه النية. 
6. يضاف إلى ذلك ما يبذله هؤلاء الطلاب الدارسون بالخارج من جهود مباركة في نصرة ثورتهم المباركة على عدة أصعدة: كالصعيد الإعلامي بالتعريف بقضيتنا العادلة سواء على أرض الواقع أو على صفحات الانترنت الذي يتيسر لهم بشكل أفضل مقارنة بحال البلد، أو بجمع التبرعات والدعم المادي بأنواعه لإخوانهم. 
لكل ما مرّ ذكره آنفا يجب أن يفرّق طلابنا بين من يترجح في حقه الرجوع للالتحاق بالثوار ونصرتهم، وبين من يترجح في حقه البقاء وإكمال دراسته. على أن لا يقع طلابنا في فخ خدعة أنفسهم فيبقون في ديار الغربة دون اهتمام بدراستهم بحيث يصل الأمر إلى الإهمال الذي يترتب عليه عدم استيفاء شروط مواصلة الدراسة. 
إن من تقرر في حقه أفضلية البقاء لمواصلة الدراسة لابد أن يعلم أنه مطالب بجهاد الجد في التحصيل الدراسي وإعطاء الدراسة حقها من العناية والاهتمام والتضحية وبذل الوسع والمثابرة ، بل ومضاعفة الجهد والسعي لاختصار المدة الزمنية، كل ذلك نابع من الرغبة في إرضاء الله تعالى أولا ثم خدمة الوطن الذي ينتظر أبناءه البررة ليرجعوا إليه ليسهموا في بناء دعائم مستقبله، وتشييد أركان ازدهاره ورفعته. 
وليس هذا تثبيطا للهمم، فمن رأى في نفسه القدرة وصدق العزيمة وأراد أن يشارك في معركة التحرير مخلصا نيته لله تعالى، وآثر الآخرة الباقية على الدنيا الفانية فلا يترددن ، وليبادر بالسعي في تحقيق مقصده ونقول له ما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لذلك الصحابي الجليل: "إن تصدق الله يصدقك".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق