الاثنين، 8 أغسطس، 2011

إبراهيم محمد طاهر :ثورتنا وأزمة انعدام الشفافية ...لا يمكننا أن نرضى إلا بالحقيقة



    أكثر من أسبوع كامل مر على مقتل اللواء عبد الفتاح يونس ولم يزدد لغز مقتله إلا غموضاً. جثمان اللواء تم إيجاده، ولكن الحقيقة ما تزال مفقودة، أيام الحداد الرسمي الثلاثة انقضت، وماتزال الحيرة مستمرة بدون تحديد لموعد انتهائها.
    وبالرغم من اختلاف وجهات النظر في ملابسات هذ القضية وفي تفاصيلها، وتباين الآراء في تفسير وتحليل مواقف وتصرفات الجهات والأشخاص الموجودون في وسط هذا القضية، وبالرغم من أن أصابع الاتهام قد اشتبكت من كثرة توجيهها في كل الاتجاهات، وهي الآن تكاد تُكون قبضةً تنهال على وحدتنا وتهشمها... بالرغم من كل هذه الاختلافات فإن هنالك شيئاً مُشتركاً يجمع كل الأطراف ويُوحدها، ألا وهو الرغبة في معرفة الحقيقة.

    الحقيقة هي التي ستُنهي الاختلاف؛ فهذا الاختلاف – الذي نخشى من أن يُفرق شملنا – سببه الوحيد غياب الحقيقة، وهو أمرٌ طبيعي مع كل الغموض الذي يكتنف ملابسات هذه القضية – وهذا هو سبب المناداة بالشفافية: كشف الحقيقة لتوحيد الصف.

v    أين هي الشفافية؟!

    إلى الآن لم نجد الشفافية في أي مكان، لم نرها خلف منصات الخطابات، ولم نسمع صوتها في أي من التصريحات الرسمية. وغياب الشفافية في هذا الوقت يتحمل مسؤوليته المجلس الانتقالي.
    إن مسؤولية أخطاء الحكومة لا تقع على عاتقها وحدها، ولكن يتحملها أيضاً الشعب الصامت. ولكن اليوم مشكلتنا لم تعد في الصمت؛ فالشعب كله يُطالِب بالشفافية، مشكلتنا اليوم ليست في البُكم، ولكنها في الصمم، في عدم استماع الجهات الحكومية لمطالب الشعب.

    تصريحات المجلس الانتقالي حول مقتل اللواء عبد الفتاح يونس، هي – كما نقول – في وادي والشفافية في وادي! نحن نتفهم ضرورة التعتيم على بعض الأمور للدواعي الأمنية، ولا نعترض على عدم كشف كل كبيرة وصغيرة، ولكن التصريحات المتناقضة والأقوال المتضاربة ليست تعتمياً ولا شفافيةً، بل هي إرباكٌ وتشويش!
    ناهيك عن أن المجلس الانتقالي قد مارس (التضليل) بشكل يكاد ينزلق بهم إلى هاوية الكذب الفاضح: فالحديث عن استهداف القذافي لقادة الثورة، والتركيز على مداهمة تشكيل (نداء ليبيا) المُندس – الأمر الذي دفع البعض للظن بأن القذافي و(نداء ليبيا) هم المسؤولون عن قتل اللواء عبد الفتاح يونس – هذه التصريحات بدون اتهامات مباشرة وبدون إثباتات هي تمويهٌ وتضليل لم نكن نتوقعه من المجلس! والحكومات إذا كانت لا تريد كشف المعلومات الحقيقية فيجب عليها أن لا تنشر معلومات أخرى لتضليل الشعب؛ فهذا يجعلهم هدفاً مشروعاً للاتهام بسبب هذا التصرف المُريب، والشاعر يقول:

إذا رامَ كيداً بالصلاة مُقيمها     فتارِكُها عمداً إلى الله أقربُ

    لذلك أظن بأنه كان من الأفضل للمجلس – حفاظاً على سمعته وثقتنا به – أن لا يكشف أي شيء، بدلاً من التصريحات المتناقضة والتمويه والتضليل، وأن يكشفوا لنا الحقيقة بعد انتهاء التحقيقات. بالطبع هذه ظروفٌ استثنائيةٌ لبلادنا، وكان لابد من تهدئة الأوضاع، ولكن المجلس بانعدام شفافيته (جا يبي يكحلها عماها)! فلم يزدنا إلا قلقاً!

    إن الشفافية لا تعني تغطية الحقيقة بغطاء مُزركش ومتعدد الألوان، ولا تعني تشتيت انتباه الناس إلى شيء آخر، ولكنها تعني أن الحقيقة لا يحجبها شيء سوى غشاء شفاف يحميها ولا يُخفيها.
    والمجلس الانتقالي قد فشل فشلاً ذريعاً في التزام الشفافية، وهو الآن يُمثل الحكومة في ثورتنا، مما يعني أن هدفه الأول والأخير هو خدمة الشعب، وانعدام الشفافية يُعرض المجلس بطبيعة الحال للاتهام والهجوم الناتج من التأويل والتفسير الأعمى.

v    حقيقة وظيفة المجلس الانتقالي...

    إن الوظيفة الأساسية لأي حكومة، أو جهة حكومية، في العالم كله هي خدمة الشعب. هذا أمرٌ لا نقاش فيه؛ فالحكومات لم تنشأ إلا بسبب الحاجة إلى قيادة موحدة يعتمد عليها الشعب في تحقيق مصالحه، وإذا ضاع عنصر خدمة الشعب ضاعت شرعية القيادة، فبدون خدمة مصالح الشعب لن تكون القيادة إلا استعباداً للشعب واستبداداً به، ولنا في (الأخ القائد) القذافي خير مثال ودليل على ذلك!

    المجلس الانتقالي، بصفته الجهة الحكومية الوحيدة في الثورة، هو بكل بساطة (موظف) عند الشعب، ولكنه بالطبع موظف له مزايا وصلاحيات، له حصانات وامتيازات، وهي أمور لا نبخل بها على من يتحمل عبء القيادة، بل هي من متطلبات هذه الوظيفة الصعبة، ولكنها منبعثة من هدف (خدمة الشعب)، وحين تبدأ تصرفات المجلس في الانحراف عن الإرادة الشعبية، بل وفي استثارة غضب الشعب، فحينها يكون النقد مشروعاً، بل واجباً.
    إن عقلياتنا العربية ما تزالُ مسجونةً في زنزانة (قدسية الحكومات)، لقد أصبحت عقولنا مسدودةً بالخطوط الحمراء لدرجة أن أي فكرة تولد في ذهننا لا تستطيع أخذ أي خطوة في أي اتجاه! ويجب علينا أن نكسر هذه القيود المُتخلفة. لا داعي لأن نكسرها على رؤوس أعضاء المجلس الانتقالي! فنقد الحكومات له حدودٌ وضوابط، وهي باختصار أن يلتزم التصحيح أو التعديل بموقع الخطأ فقط وأن لا يتجاوزه. فنحن حين ننتقد انعدام شفافية المجلس لا نعتبر ذلك هجوماً شاملاً على المجلس، وإلا فإننا نهاجم بذلك أحد رموز وحدتنا الوطنية في هذه الثورة، وننقض إنجازات المجلس التي لا يستطيع أحد منا إنكارها. ولذلك يجب أن نفهم بأن نقد المجلس الانتقالي على انعدام الشفافية ليس هجوماً عليه، وإنما هو ضرورةٌ تفرضها علينا الظروف الراهنة التي تتطلب منا تقييم أداء المجلس بشكل مستمر بصفته (يخدم) الشعب.

    نحن ندرك الطبيعة الحساسة لعمل المجلس، ونتفهم جيداً ضرورة الاحتياطات الأمنية لحماية قيادات الثورة في هذا الوقت، ولكن الحقيقة هي كما قال أحد الكتاب: كالشمس، حتى حين تكون في كبد السماء فإننا لا نراها كلها. وهذه هي الشفافية المطلوبة من المجلس في وظيفته: أن يكشف لنا فقط ما نحتاج إليه من الحقيقة – أن تُشرق شمس الحقيقة ويحل نهار الإدراك – وباقي متطلبات السرية والأمن نحن مقتنعون بالحفاظ على طبيعتها الخفية.


v    الديمقراطية إما أن تُمارَس أو أن تموت.

    البعض، كالعادة، يُجادلون بأن هذه ظروفٌ غير عادية؛ ولذلك فالمجلس يحق له التصرف كما يشاء في سبيل تحقيق هدف الإطاحة بالقذافي، ويدعوننا للتغاضي عن الأخطاء والهفوات في سبيل الهدف الأول للثورة. ولكن هذا الكلام خاطئ، وغير منطقي بتاتاً؛ فثورتنا قامت من أجل (إقرار) مبادئ وقيم الحرية والديمقراطية والعدالة، وليس من أجل تجاهلها، فكيف سنحافظ على ثورتنا إذا قمنا بتجاهل قيمها ومبادئها منذ الآن؟! كيف سنسعى إلى تطهير البلاد من شرور القذافي ونحن (نتغاضى) عن الشرور التي قد تتفشى في أوساطنا؟!

    بعضهم يُفصلون جدالهم حول (التركيز على الهدف الأول) فيقولون بأن الشفافية والديمقراطية هي ما نرنو إلى تحقيقه، ويجب علينا أن ننتظر قليلاً ريثما نُطيح بالقذافي لكي نتحصل عليها وأن لا نضايق المجلس الانتقالي بطلبات مثل الشفافية في هذه (الأوقات الحرجة). هؤلاء الأشخاص أيضاً مخطئون؛ فالشفافية هي من أساسات الديمقراطية التي لا تقوم بدونها، والديمقراطية – والحرية التي تُمثلها – هي كالحياة: لا يمكن انتظارها بل يجب ممارستها إذا كنا نريدها فعلاً. الديمقراطية يجب أن تُمارس لا أن توضع على الرف وتُدفن تحت غبار التأجيل والتعطيل. لقد انتظر شعبنا الديمقراطية والحرية لاثنتين وأربعين سنة، وفي النهاية لم نتحصل من انتظارنا هذا إلا على عار الخضوع، ولم ننل حقوقنا إلا بالثورة... فهل هذا ما يجب أن نفعله كلما أردنا حقوقنا: أن نثور؟! هل نريد لثورتنا هذه أن تجعل من الانتفاض والثوران عرفاً وعادة؟ هل يجب أن تفيض الشوارع بدماء الشهداء كلما أردنا حقوقاً كالديمقراطية والشفافية؟!

    لا نريد لثورتنا أن تكون مهداً لثوراتٍ مستقبلية، ولكننا نريدها أن تكون حجر أساس لدولة حرة ديمقراطية لا نحتاج فيها للثورات بعد اليوم. وهذا لن يتحقق بالانتظار، ولن يتحقق بالتغاضي عن الأخطاء بدعوى (الأوقات الحرجة)، وبلا شك لن يتحقق باستبعاد إرادة الشعب، وبحرمانه من الحقيقة.

v    الحقيقة هي دائماً الحل... دائماً.

    إن ما نخشاه اليوم من فتن ومن تفرقة ومن انحراف عن أهداف الثورة، كل هذه المخاوف والهواجس ستنجلي ما أن تُكشف لنا الحقيقة – حين يزيح عنها المجلس الانتقالي الستار بالتزامه الشفافية. نعم، الحقيقة قد تؤلم بعضنا، بل إنها قد تُدمر البعض، ولكنها لن تؤذي الثورة أبداً؛ فهي الحل لكل ما قد يُهدد ثورتنا ووحدة صفنا، وهدف الحقيقة هو حماية (الكل)، بينما أن تغييب الحقيقة هدفه حماية (البعض)، فما الحق والصواب في رأيكم: مصلحة الكل، أم مصلحة البعض؟!

    لقد اعتمدت ثورتنا منذ بدايتها على الحقيقة: كشفت حقيقة القذافي للعالم، وفي نفس الوقت سعت لكشف حقيقتها الإنسانية إلى العالم، فلماذا نستحي اليوم من الحقيقة ونخاف كشفها وكأنها عورةٌ وفضيحة؟! الحقيقة هي التي وحدت لنا صفنا في مواجهة الطاغية القذافي، فكيف نخشى من أن تُفرقنا الحقيقة وهي التي وحدتنا؟! إن الحقيقة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تفرقنا بعد أن لمت شملنا، بل هي التي ستدلنا على مواضع الخطأ وستسمح لنا بجبر الضرر وإصلاح الفساد من أجل الحفاظ على وحدتنا.
    الحقيقة لا يمكنها أن تقتلنا فهي ليست سماً، ولكنها الطبيب: هي التي تدلنا على الداء وتسمح لنا بإيجاد الدواء والعلاج... وإلا، فكيف سنعرف الداء؟ كيف سنعالج المرض ونحن محرومون حتى من (التشخيص)؟!

    لقد قلتها في مقالٍ سابق، وسأعيدها وأكررها الآن: الحقيقة هي الحل.. الحقيقة هي أقوى سلاح يحمي ثورتنا ويضمن سلامتها، ويجب أن لا نرضي بأي شيء سوى الحقيقة.
    الحقيقة ستبقى دائماً الحل.. ستكون دائماً الحل لكل ما يعترض طريقنا من صعوبات. مهما واجهنا من أعداءٍ وأسلحة، فالحقيقة ستبقى أقوى سلاح وأفضل دفاع، وحين يكون لدينا مثل هذا السلاح القوي، حين يكون لدينا حل لجميع المشاكل، فلا يمكننا أن نرضى بفقده، ولا يمكننا أن نرضى بغيره...

    الحقيقة هي دائماً الحل... ولا يمكننا أن نرضى إلا بالحقيقة، ولا شيء سوى الحقيقة.


إبراهيم محمد طاهر.

هناك تعليق واحد:

  1. ابرهيم استاذ ابراهيم صدق والله صدقت...

    ردحذف