الثلاثاء، 9 أغسطس، 2011

د. فتحي عقوب : الوعي بالنضال المدني و واجب الوقت



( مساحة للوعي 3 ) 

الوعي بالنضال المدني و واجب الوقت 

د. فتحي عقوب 

إنَّ الحديث عن مفهوم النّضال المدني والخدمة الاجتماعية المدنية وأهدافها الوطنية، لا يمثل أيّة صعوبةٍ في الفهم ولا أيَّ تعقيد في التوصيف، لكنه عند التطبيق قد يواجه بعض الإشكالاتِ، لعلنا نجمل أهم أسباب تلك الإشكاليات فيما يلي : 


أولاً : تراجع أو خفوت الوعي الجماهيري بأهمية هذا المفهوم وأهدافه الهامة، نتيجة طبيعية لضعف الوعي به والاهتمام الرسمي لدى بعض القائمين على الأمر سواء من داخل المجلس الوطني الانتقالي أو مكتبه التنفيذي واللجان الفاعلة التابعة له، لكثرة التكاليف على كواهلهم من جهة، وللضعف الهيكلي لدى بعض الإدارات التي يبدو أنها مازالت لم تلملم أوراقها ولم تضع خطة عمل محددة الأهداف واضحة المعالم، بل بعضها مازال حتى وقت قريب ليس لديه مقراً رسميّا لعمله للأسف! مما رتّب جملة من التّراكمات وزاد الأعباء على عاتقهم نرجو لهم التوفيق في عبور المرحلة بسلام. 

ثانياً : قدرة التنظيمات وفصائل العمل الوطني إضافة لإمكانيات المؤسسات والهيئات الاجتماعية التي بدأت تتشكل لتأخذ مكانها في إطار "مؤسسات المجتمع المدني"، قدرتها على تحمل تبعات عملية نقل المجتمع من صحراء التخلف التي كانت يعيشها إبان العهد البائد الذي حارب هذا المفهوم – أعني المجتمع المدني - بكل قوة لعقود من الزمان، نقله من هذه الحالة التعيسة إلى واحات الوعي والاقتراب من مراحل النّضج الفكري الذي طالما مثّل حلماً جميلاً لعامة الليبيين زمنا طويلاً. وإنَّ مدى وضوح هذا الدور التوعوي، ثم مدى اعتمادهم لمشاريع وبرامج ذات كفاءة وتأثير لبناء الوعي، هو عامل الحسم الرئيس في هذا السياق، وما لم يضع الناشطون في هذا المجال أهمية رفع كفاءة الأداء والجودة نصب أعينهم فإنّ الأمر سيستغرق وقتا أطول وجهوداً أضنى. 

والذي يُخشى حقيقةً هنا، هو أننا إذا حاولنا استكشاف أو قياس مدى الوعي الجماهيري والاهتمام "الرسمي" والشعبي بمفهوم "النضال المدني" المرحلي ومقدار ما يوجَّه له من جهود بنّاءة وما يُجنَّد له مِن طاقات فإننا قد نصلُ إلى نتائج مخيبة للآمال، وليس هذا مجرّد تخيّل أو غلبة ظن، بل هي إشارات الواقع التي تصرخ بأن البون لا يزال شاسعاً بين الكائن وما ينبغي أن يكون، مما يُمكننا معه القول بأنّ البعض من القيادات الاجتماعية المتصدرة اليوم تفتقر فعلاً للتقدير الصحيح وبالقدرِ الكافي لمتطلبات المرحلة، وأنها إما لازالت أسيرة لمخلفات النظام السابق، من معايير قبلية ونظرات فئوية أو جهوية ضيقة لا مكان لها في ليبيا ما بعد الثورة، أو – على أحسن تقدير - لازالت لم تدرك حجم التغير الذي تجري فصوله حاليا. وبعامة، إنّ الأمر برمته يشير بقوة إلى غياب إدراك أهمية ما نزعم أنه "نضال مدني" هو واجب الوقت اليوم وأن ثمّت خطأ في تصور مكوناته وأهدافه الأسمى، كل ذلك على حساب عمليات حشدٍ وتعبئةٍ عامة غير فاعِلةِ أو قل ضعيفة الفاعلية، لازالت تخاطب الناس في المناطق المحررة بخطاب تعبوي مجرَّد، ضد نظام هالك بائد لا وجود له بين ظهرانيهم! نعم، لا شك أنه خطاب محبَّب للنفوس، لكنه ليس هو ما تتطلبه المرحلة، فالأمور غدت أكثر تعقيداً، والإشكال الأكبر هو أن تلك الجهود تساهم في تَغييب الدور التوعوي الضروري للمرحلة التي قد ولجها الليبيون فعلاً، ومع عدم مواكبة الجهود للمرحلة فإنّ معالم الحيرة ستنهش الكثيرين حين لا يجدون إجوبة شافية عن اسئلة مستحقّة؛ ما هو الدور المطلوب؟ وكيف؟ ومن المعني بإقامة الوضع الجديد؟ وما هي الأدوار المنوط بالمواطن؟..الخ كل ذلك فضلا عن غياب كبير للعناية بفئة الشباب، الفئة الأهم في هذه المرحلة وما بعدها، فهم زاد الثورة وعماد الدولة، غيابٌ كبير لترشيد برامجها وتنظيم صفوفها سواء من قبل مؤسسات المجلس الوطني الانتقالي ولجانه أو من قبل إدارة المكتب التنفيذي الرسمية أو من قبل "النخبة"، وأسئلة أخرى كثيرة لازالت تتشكّل لتعصف بالعقول وتبقى في انتظار إجابات شافية و وافية. 


نشر في العدد السابع من المنارة الورقية 

الجمعة 5-8-2011 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق