الاثنين، 4 يوليو، 2011

ترجمة : خالد محمد جهيمة : امنحوا الثوار الليبيين وقتا


امنحوا الثوار الليبيين وقتا
جون أفريك (أفريقيا الفتية)
برنار هنري ليفي  Bernard Henri Lévy
ترجمة : خالد محمد جهيمة Kaled Jhima


حرب فطنة
من العجب أن يبدو للبعض قصرُ مدة اثنين, وأربعين عاما من الدكتاتورية, وطولُ مدة ثلاثة أشهر من العمليات العسكرية. لا . ما زلت أعتقد أنه لا يمكن الحديثُ عن جمود؛ لأننا هنا أمام حرب متأنية, ومنهجية. إنها حربُ نيكولا ساركوزي, الراغبِ في تجنُّبِ أخطاءَ, كتلك التي ارتكبها جورج بوش في العراق. يوجد في ليبيا قوى مدنية, تحتاج إلى وقت لتتكون, أعني بذلك تغييرَ مهندسين, وأساتذةٍ, وتجار, وقانونيين, باختصار, أناسٍ لم يمسكوا قبل هذه الحرب, ببندقية في حياتهم, إلى مقاتلين. لا ريب في أن هذا يحتاج إلى وقت طويل , إذن, بحيث يمكن لليبيين, تجنبا للخطإ الذي ارتُكبَ في العراق, أن يحرروا أنفسهم بأنفسهم, لا أن يحررهم غيرهم. فالأمر لا يتم في طرفة عين, وذلك أمر طبيعي. هذه  هي الحياة. يحتاج الأمر لكل النزق المتحول بسرعة؛ لكي نستعجل, ونفقد الصبر.
أريد أن أعرض عليكم الأمر بطريقة أخرى. يمكن لهذه الحرب أن تنتهي الأسبوع القادم؛ إذ تستطيع طائرات التحالف, إن قرر حلف شمال الأطلسي ذلك, أن تقضي غدا صباحا على ما تبقى من القوات الموالية للقذافي, لكن ذلك يختلف عن الاختيار الإستراتيجي الذي اتُّخذ منذ أول يوم بدأت فيه حملتهم؛ إذ لا يمكن أن يُسرَقَ من شعبٍ انتِصارُه, ولا يمكن أن يقوم أيٌ كان بالثورة التي يتوق إليها بدلا عنه. لذا فلنَمنحه الوقتَ الكافي؛ ليتمكن من بناء نفسه, ومن ملكه ناصية أمره, ومن وجود رغبة شاملة, وقوة خاصة به. لم يكن بوش ليقول ذلك, بل كان يمكن أن يقول: " لنضرب بقوة, ولننته من الأمر بسرعة".لكن ساركوزي يعمل بطريقة أخرى, وأحسب أنه على حق.
دور أفريقيا
من المؤكد أن الموقف الأفريقي يتطور فيما يتعلق بالملف الليبي! كما هو حال السنغال التي أعرفها جيدا؛ فقد رافقت مُمثلَي المجلس الوطني الانتقالي إلى داكار. كان عبد الله واد أول رئيس أفريقي, بل أول رئيس دولة يقوم بزيارة بنغازي, مرتكبا, بدون شك, بذلك مخاطرة. وذلك شرفٌ يجب الاعتراف له به, من فضلكم, وفضلٌ للأمة الأفريقية التي كان يمثلها في ذلك اليوم, شئنا أم أبينا. لقد تبِعَه منذ ذلك الحين آخرون, كما أن هناك آخرين في طريقهم إلى السير على خطاه. لكن لا يمكنني أن أسميهم هنا, لأن القائمة ستطول, ما بين هذه اللحظة التي أتحدث فيها هنا, وتلك التي ستنشر فيها هذه السطور. وذلك أمر مؤكد بالنسبة لي ؛ فأنا على اتصال برؤساء دول, وبمؤثرين في الرأي العام, وبمفكرين أفارقة, وأشعر بأن هناك موجة هائلة من الرفض لهذا الاستخدام المتعسِف للسلطة, ولهذه الجرأة, التي جعلت من هذا الرجل, القذافي, أن يدعي أنه من حقه أن يقول : "أنا أفريقيا", في حين أنه لا يمثل سوى نفسه, كما أنه لم يقدم أي شيء من ثروته إلى أفريقيا. سيظل هناك أناس يقولون : " القذافي واحد منا, ولا يمكن لأحد المساس به". لكنهم ليسوا أغلبية.  إن ما أحُس بصعوده اليوم, هو أفريقيا الفخورة بنفسها, وبقيمها, والتي ترفض هذه المرآة البشعة التي تحاول, هذه الشخصية,  أن تعكس صورتها من خلالها, وتدعوها  للاعتراف بها باعتبارها صورتها الحقيق. 
الأفارقة هم ورثة فرانتز هانون, وهم  عقب هوفوييتو وسنغور. كما أنهم يستندون إلى حركات تحرر وطني كانت علامات وضاءة في تاريخ الإنسانية . كيف يمكن لهؤلاء أن يتركوا أنفسهم يتحولون إلى هذه الصورة الساخرة التي يفرضها هذا الشخص العجائبي, المتقلب الأطوار, والذي لا يفكر إلا في نفسه, ويحتقر في صميم قلبه, أفريقيا؟

التحول
لست  أنا من يحدد ما يمكن أن يكون عليه التحول, لكن ما أستطيع قوله لكم, منذ الآن, هو أنني لا أؤمن بأسطورة دولتين ليبيتين, كما أنني لا أعتقد بوجود خطر قيام حرب أهلية, تقض مضاجع الدول التي لا ترغب في التغيير في أفريقيا,  بعد سقوط القذافي. لقد حضرت في قلب ليبيا, بتاريخ 12 أبريل, اجتماعا ضم وفودا من قبائل ليبيا كلها, جاءوا من شرقها, ومن غربها ومن جنوبها. كان من بينهم, بالطبع, ممثلون من طبرق, ومن بنغازي, ومن مصراتة, ومن قبائل, كورفلة, أوالقذاذفة, الذين يعتقد البعض أنهم موالون "للقائد", وقد اتفقوا جميعهم, في تلك الليلة, على القول بأن " كل القبائل الليبية ا قبيلة واحدة", وبأنهم جميعهم متحدون في وجه الديكتاتور, وعائلته, ويرغبون في أن تكون ليبيا حرة, وديمقراطية, وموحدة. كما اتفقوا على أن " القذافي, وأبناءه, قد فقدوا, بسبب ما ارتكبوه من جرائم, أيَّ حق في تمثيلهم"؛ لأن الشعب الليبي, بحسب ما عرفته عنه من خلال أسفاري إلى ليبيا, شعب عزيز, وشريف, ويعلم أن أفعالا, من مثل  ذبح أبنائه, وقصف النار على المستشفيات, وعلى المساجد, وإطلاق النار على المتظاهرين العزل من السلاح, تََرسم نقطة اللاعودة, وتُفقد الإنسان الحق في حكم بلده إلى الأبد. وفي ذلك إشارة إلى ما ينتظر ليبيا غدا.
ما بعد القذافي
هل ستكون ليبيا الغد, كما تقولون, "ديمقراطية حقيق"؟ لا أدري., لاسيما أن الديمقراطية في أساسها, وفي حقيقتها, غير كاملة. لكنني مقتنع بشيئين. أولهما : أن النظام القادم لن يكون, مهما كانت الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها , أسوأَ من القذافي ـ لن يكون أبدا أسوأ من  نظام القتل, والتلذذ بالدماء, والفوضى المؤسسية, والخوف, والابتزاز  المستمر, الذي كان السمة البارزة للقذافية. ثانيهما : أنني أعرف أغلب أعضاء المجلس الوطني الانتقالي معرفة شخصية, فقد قضيت ساعات, بل أياما في بعض الأحيان, في النقاش معهم, ومقابلة رؤاهم للحياة برؤياي, وسؤالهم عن ذكرياتهم عن تاريخ معارضتهم , أو على العكس, عن ماضيهم  المتعلق بعملهم مع النظام, ومواجهتهم في لحظة ما, الاختيار بين الاستمرار , والقطيعة معه, نتيجة عودة الضمير, أو اقتناص الفرصة, فاختاروا أن يقولوا لا, وأن يقاطعوا النظام. ما ذا تريدون أن أقول لكم, إذن. لقد تعرفت, في حياتي, على كثير من حركات التحرر, وعلى عديد من قادتها, وأستطيع أن أقول لكم إن هؤلاء الناس, بعامة, جيدون. من العلامات الجيدة على ذلك وجود عدد كبير من المحامين, والقانونيين, والحقوقيين, بينهم. سيرتكبون, بالطبع, أخطاء, وستحصل هناك نقاشات, وخلافات, كما يحدث في كل الديمقراطية الشابة. من الطبيعي أن ليبيا ما بعد القذافي, التي ستنطلق من الصفر؛ لبناء دولة, ومجتمع مدني, لن تكون جنة على الأرض, لكنني أثق كثيرا في قدرة هؤلاء الرجال على القيام بهذا التحول. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق