الأحد، 24 يوليو، 2011

ترجمة : خالد محمد جهيمة : ثورة الفصل العشرون من كتاب "تشريح طاغية"



ألكسندر نجار Alexandr Najjar
ترجمة : خالد محمد جهيمة Kaled Jhima

نقرأ في الكتاب الأخضر : "عندما تكون أداة الحكم ديكتاورية, (...) لا يمكن للمجتمع تصحيح هذا الانحراف إلا عن طريق العنف, مما يعني الثورة على النظام الحاكم". لكن معمر القذافي لم يكن يعتقد ذلك.
لقد اجتاحت الثورة ليبيا في عام 2011, على إثر حركات الاحتجاج التي  تهز العالم العربي؛ فقد تجمع عدد من مواطني مدينة بنغازي, مساء 15 فبراير؛ للمطالبة بإطلاق سراح السيد فتحي تربل, محامي عائلات سجناء قتلوا رميا بالرصاص في سجن أبي سليم, عام 1996, والذي أوقف "لإطلاقه إشاعة مفادها أن السجن قد تم حرقه". لكن الإفراج عنه لم يهدئ من روع المحتجين؛ حيث تمت الدعوة لإقامة "يوم غضب" يعم البلاد جميعها, في 17 فبراير. بدأ المحتجون بالمطالبة, كما في الثورتين التونسية, والمصرية, بمزيد من الحريات, وبقدر أكبر من الديمقراطية, وباحترام حقوق الإنسان, وبتوزيع الثروة توزيعا عادلا, وبوضع حد للفساد الذي ينهش صدر الدولة, ومؤسساتها. أكان يمكن التنبؤ بهذه الثورة؟ في الواقع, وعلى الرغم من الكلام المسكِّن الذي أطلقه القائد في المقابلة التي أجرتها معه قناة يورونيوز التلفزيونية, والذي ذكر فيه أنه فعل كل شي من أجل أن يكون شعبه "حرا, وسعيدا", فإن الثورة بدأت تتنامى في ليبيا منذ زمن. لقد كتم الشباب الباحث عن الحرية, والذي يمثل الأغلبية الساحقة من الشعب الليبي؛ إذ تقل أعمار 75% من أبنائه عن 30 عاما, غيظه, وانتقدَ إساءة استخدامَ السلطة, وتعسفَ أبناء القائد. لقد اتجهوا, بلا مبالاة, إلى التهريب, أو إلى التفريج عن همومهم في مالطا. إضافة إلى ذلك فإن سجل نظام القذافي الكارثي قد صار واضحا جدا, بحيث لا يمكن أن ينكره إلا أعمي, أو من أعمته أيديولوجية الكتاب الأخضر؛ فقد قام الطاغية بإلغاء الدستور, والحياة البرلمانية, وأحل محلهما نظاما بوليسيا, فاسدا, وبإضعاف الإدارة, ومؤسسات الرقابة, وبإهمال قطاعي الصحة, والاستشفاء, وبصرف أكثر من 40% من ثروة البلاد في شراء الأسلحة[1], وباستغلال القضاء, وبمصادرة الحريات, وبممارسة "إرهاب" حقيق على المعارضين؛ إذ سَجَن, وعذَّب حوالي ثلاثين ألف مواطن بطريقة اعتباطية. أما على المستوى الاقتصادي, فقد خلقت السياسة الارتجالية عدم استقرار مزمن, كما بلغ التضخم عددا برقمين (11% في 2007), وقارب مستوى البطالة نسبة 30 %, واحتلت اليد العاملة الأجنبية (التي تقدر بـ 1,5 مليون عامل, يعيش أغلبهم في وضع غير قانوني) الوظائفَ التي تتطلب مهارات, أو تلك الوضيعة في كل قطاعات الحياة, وتقوم الدولة بتوظيف نصف المواطنين القادرين على العمل في وظائف حكومية. لقد عرفت البلاد ثلاثين عاما من الركود, صاحبه هبوط في مستوى الدخل القومي بلغت نسبته 40% فيما بين عامي 1983, و1988, كما كَلَّفت عقوبات السنوات السبع التي فرضتها الأمم المتحدة عليها اقتصادَها 30 مليار دولار . فيما يتعلق بالجانب السياحي, ظلت البنى التحتية, التي أُهمِلت خلال فترة الحصار, بدائية, كما أسخطَ فرضُ وجود "مراقبين" في حافلات السياح, تُطعمهم, وتُؤويهم الوكالات السياحية, وكذلك ضرورة ترجمة جوازات سفر السياح إلى اللغة العربية, الزائرينَ الأكثر تفهُّما؛ لذا لم يزر ليبيا سوى مائة وثلاثين ألف سائح, في حين أن المغرب جذب منهم 8 ملايين!
أما على مستوى السياسة الخارجية, فقد شلت كل مشاريع الوحدة التي روَّج لها العقيد, ناهيك عن الاعتداءات التي قام بها في الخارج, وعن دعمه المطلق حوالي ثلاثين منظمة إرهابية, وعن اشتراكه في حوالي أربعين انقلاب, أو محاولة انقلاب عسكري. كما جند حوالي 15000 مرتزقا؛ للقيام بأعمال تخريبية, وأنشأ حوالي ثلاثين معسكر تدريب على السلاح, وعلى التفجير. لقد تعرض الليبيون, فيما بين عامي 1992, و1999 لحصار قلل (الطاغية) من نتائجه بقوله : "فشل الحصار الذي فُرض علينا؛ فقد عاقبت أمريكا نفسها, وحُرمت من مليارات الدولارات التي كانت تحققها لها مشاريعُها في ليبيا. لقد حاصرت نفسها, وخسرت كثيرا..."[2] .
لقد اضطهد الذي يقدم نفسَه "حامي الأقليات", البربرَ, الذين يمثلون نسبة 5% من السكان, ويتواجدون , أساسا, في غدامس, وفي جبل نفوسة, وفي زوارة, ولم يتردد في سجن من يُعَلِّم لُغتَهم. كما عانى سكان المنطقة الشرقية طويلا من إهمال السلطات لهم. وهو ما لاحظه حتى السياح الذين صُدموا بمدى التفاوت بين إقليم طرابلس, الذي يتمتع ببنية تحتية, وبمتاحف حديثة, وبين إقليم برقة, بمتاحفها القديمة, وسيئة الصيانة, وبمشاريعها الغير مكتملة؛ لذا لم يحمل سكان هذا الأخير أي حب لهذا النظام في قلوبهم؛ فقد تم في عام 1976, حرقُ مقر الاتحاد الاشتراكي في بنغازي, الذي تم شنق المسؤولين عنه مباشرة, وعرضت جثتهم على الجماهير خلال يوم كامل. نظمت السلطة , في شهر أبريل من عام 1984, عملية شنق لأحد عشر "طالبا مناهضين للثوريين" أمام الناس في جامعة بنغازي, وأذاعتها مباشرة على شاشة التلفزيون. أما في عام 1987, فقد تم إعدام تسعة شباب من سكان المدينة نفسها, اتهموا بقتل أحمد مصباح, العضو المهم في اللجان الثورية. لكن كره القذافي قد برز بطريقة واضحة بمناسبة حرق القنصلية الإيطالية في بنغازي, في فبراير 2006, على إثر استفزاز وزير إصلاح المؤسسات الإيطالي, روبيرتو كالديرولي, الذي يعتبر يد امبيرتو بوسي زعيم حزب رابطة الشمال, اليمنى, والذي لبس قميصا عليه رسوم ساخرة للنبي محمد . من المرجح, أن النظام الليبي هو من نسق, وأشرف,في البداية, على مسيرة "الجمعة السوداء" التي جرت في 17 فبراير 2006[3] ؛ فقد قام خطباء المساجد التابعين للنظام, بتشجيع المصلين, ودعوتِهم للرد على "الإهانة المزدوجة للإسلام", والمتمثلة في نشر الرسوم الساخرة في الصحف الدانمركية, وفي موقف الوزير الإيطالي. أما أمين مؤتمر الشعب العام, فقد دعا إلى قطع العلاقات مع إيطاليا, ردا على "هذه الحملة الصليبية الجديدة البغيضة ضد الإسلام". ثم قامت, بعد ساعات من ذلك, هدى بن عامر, وهي من المسؤولين في مجلس شعبية بنغازي, بقيادة المظاهرة, لكنها فوجئت بجزء من المتظاهرين يهتفون ضد القائد, وجماهيريته, بدلا من سب الدانمركيين, والإيطاليين, فانسحبت مباشرة من المظاهرة, وتبعَها في ذلك كل المسؤولين الموجودين هناك. قامت قوات مكافحة الشغب, ردا على هذه الهتافات المناهضة للنظام, بإطلاق النار على المتظاهرين برصاص حقيق, فكانت الحصيلة, بحسب المصادر الرسمية, أحدَ عشرَ قتيلا (حوالي أربعين, بحسب المعارضة الموجودة في الخارج؛ أما بحسب وزير خارجية إيطاليا, فعددهم 14 قتيلا) وخمسة وثلاثين جريحا. وهو ما دعا رئيس مجلس الشيوخ الإيطالي مارسيلو بيرا, إلى اتهام النظام الليبي بكونه المحرض الفعلي على هذه المظاهرة العنيفة[4]. لقد أكد شاهد لصحيفة لاريبوبليكا[5] أن غضب المتظاهرين لم يكن موجها ضد إيطاليا, بل ضد ظروفهم المعيشية الصعبة". ثارت الجماهير الغاضبة, على إثر ذلك, فأحرقت, مابين يومي 18, و20 فبراير حوالي ثلاثين مبنى حكومي, وكنيسة, وديرا, كما تم تخريب مقرات اللجان الثورية, وتمزيقُ صور القائد. مما اضطر السلطات الليبية, التي خافت  أن يتطور الأمر إلى أسوأ من ذلك, إلى أن تبعث على وجه السرعة إلى بنغازي بسيد قذاف الدم ابن عم القائد, والذي يرأس "مجلس القيادات الشعبية",   الذي يشبه مجلس الأعيان.,  ليَعرضَ على عائلات الضحايا تعويضات مجزية ـ رفضها أهل القتلى, وعلاجَ الجرحى, الذين نقل كثير منهم إلى الجارة مصر. أما في طرابلس, فقد  دعت مؤسسة القذافي إيطاليا لاتخاذ "إجراءات سريعة ضد هذا الوزير, العنصري, والحاقد"و وإلا فإن "مصالحها, وعلاقاتها (مع ليبيا) ستمر بمرحلة دقيقة, وحاسمة, وسيعاد النظر فيها", كما عبرت عن "أسفها العميق" لأسر الضحايا, مطالبة في الوقت نفسه بفتح تحقيق قضائي . لكن الإعلان عن إقالة نصر المبروك وزير الداخلية,  واستقالة الوزير المبغض للإسلام في روما, لم يفلحا في تهدئة الأوضاع؛ فوُضعت المدينة تحت سيطرة القوات الخاصة في الجيش الليبي التي يقودها اللواء عبد الفتاح يونس؛ فتضاعفت حملات الاعتقال , وتم قفل مقاهي الانترنت , وتحديدُ اتصالات الهواتف النقالة. وانتقل إلى بنغازي كل رجال النظام الأقوياء, بمن فيهم رئيسا أجهزة الاستخبارات, عبد الله السنوسي, وموسى كوسة. تلخص مجلة جون أفريك ذلك بقولها "كان يجب, بالنسبة لسلطات الجماهيرية, كبتُ هذه الانتفاضة الجديدة, بأي ثمن, لكي لا تنتشر في البلاد انتشار النار في الهشيم, ولئلا تجد لها ردود فعل في الخارج, بخاصة. يبدو أن القذافي قد استطاع تحقيق ذلك, حتى الآن على الأقل. لكن فرج أبو عشة, وهو أحد قادة المعارضة في المنفى, متأكد من أن "فترة الراحة ستكون قصيرة جدا, ومن أن أيام الطاغية باتت معدودة"[6].
يقول الطاغية معلقا على هذه الأحداث, محاولا إخفاء حقيقتها: "إن الليبيين يبحثون عن أي فرصة ممكنة للتعبير عن غضبهم ضد ماضي إيطاليا الاستعماري". لذا فإن المشاغبين كانوا ينوون, بحسب روايته للأحداث, قتلَ القنصل الإيطالي جيوفاني بيرلو, الذي رجع إلى بلاده بسبب الفجيعة, وبسبب أسرته. "يقول مواطنيَّ : مالذي تمثله حياة قنصل إيطالي مقابل 700000 ليبي قتلتهم بلاده خلال الحقبة الاستعمارية؟" ؛ فالأسباب الفعلية لهذه الحوادث  لا تكمن, بحسبه, في نشر الصور الساخرة في الدنمارك, ولا في استفزازات عنصرية, وفاشستية, أطلقها وزير إيطالي, واستخدم فيها معجما صليبيا, واستعماريا, ومتخلفا", وإنما في استياء شعبه من المستعمِر السابق : " إن من يكرههم الليبيون هم الإيطاليين, وليس الدنمركيين !". لقد استطاع القذافي  بطبيعته المراوغة, استثمار هذه الانتفاضة التي قامت ضد نظامه, للضغط على إيطاليا؛ وإرغامها على أن تدفع  تعويضات كبيرة؛ تكفِّر بها عن ماضيها الاستعماري. لكنه لم يفهم, بسبب سجنه نفسَه في منطقه الخاص, أن ثورة كبيرة ضد نظامه كانت في إطار التكوُّن.
لكن لنرجع إلى عام 2011, حيث انتقلت الثورة, على الرغم من قمع السلطة الدموي, إلى طرابلس بتاريخ 20 فبراير, التي قُتل فيها, بحسب منظمة حقوق الإنسان الدولية, 173 شخصا في أربعة أيام من المواجهات. لقد بدأت دعائم النظام تتلاشى شيئا فشيئا؛ إذ استقال ممثل ليبيا في جامعة الدول العربية من منصبه, وانضم إلى المعارضة, وتبعه في ذلك نظيره في الأمم المتحدة, وتتالت الانشقاقات في صفوف الجيش, كما طالب شيوخ قبائل بتنحي القذافي, وهددوا بقطع إمدادات البترول. لقد استولى الثوار, في 21 فبراير, على بنغازي, وعلى عدد آخر من المدن, في حين ظلت طرابلس التي كانت تعاني من مواجهات قاتلة, تحت سيطرة القوات الحكومية. انتشرت الثورة في أماكن أخرى من البلاد, وخرج أغلب البلاد عن سيطرة السلطة المركزية. ثم ظهر العقيد, الذي بدا أن الأحداث قد تجاوزته, لأول مرة, ممسكا بمظلة, ومعتمرا قبعة, وقال: " أنا في طرابلس, ولست في فنزويلا, كما ادعته الكلاب الضالة. كنت أريد الذهاب إلى الساحة الخضراء لأكون في وسط الشباب, لكن المطر بدأ ينزل. الحمد لله. هذا شيء جيد".
لكنه ألقى في 22 فبراير خطابا تلفزيونيا, يمكن أن يُستشف منه الكثير عن حالته النفسية. لقد وعد, في لباسه الجذاب, والكتاب الأخضر في يده, وهو يهذي, بسَفك دم الثوار, وقال مهددا: " سلموا أسلحتكم مباشرة, وإلا فستقع مجزرة". كما ذكَّر بأنه ليس رئيسا كالآخرين؛ ليستقيل, لكنه "قائد ثورة", أي أنه زعيم دائم. كما هاجم أيضا شباب بلاده, واتهمهم بتناول حبوب الهلوسة, وطلب من أهاليهم إرغامهم على العودة إلى بيوتهم. واتهم ابن لادن صراحة بمسؤوليته عن الانتفاضة في بلاده, موجها بذلك رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة؛ يذكرها فيها بعدوهم المشترك. ثم ختم, وهو يلوح بقبضته, قائلا عن نفسه : " أنا معمر القذافي الزعيم الذي ستدافع عنه الملايين, التي سأزحف, وإياها؛ لتطهير ليبيا شبرا شبرا, وبيتا بيتا, وزنقة زنقة. دقت ساعة العمل, دقت ساعة الانتصار, لا رجوع ! إلى الأمام, ! إلى الأمام ! ثورة ! ثورة ! ثورة !"
عبر السياسيون والصحفيون, مباشرة, عن ذهولهم من الخطاب المفكك, والمكرر لرجل متضايق, كما لو أنه كان يعبر لأول مرة هكذا, أو كأنهم كانوا يجهلون, إلى هذه اللحظة, إلى أي درجة كان "منزعجا"... ما هو الموقف الذي يجب تبنيه لإخضاع هذا المجنون؟ لقد كان المجتمع الدولي مترددا؛ لأن هناك العديد من الرهانات المالية في الميزان, ولأن الجميع لا يرغب في تجديد ما حصل في العراق. لقد بدا لنا أحد السفراء الفرنسيين, الذي سألناه عن الموضوع, متشككا كثيرا: "من يكون هؤلاء الثوار؟ هل هم إسلاميون.؟ ألا يمثلون, في النهاية, أقلية؟"
سيطر المعارضون, بتاريخ 25 فبراير, على عدد من أحياء العاصمة, واجتمع مجلس الأمن, بتاريخ 26 من الشهر نفسه, لمناقشة مشروع قرار حول ليبيا, تم تبنيه, في نهاية الاستشارات, بالإجماع. إنه القرار رقم 1970 الذي ينص على إطلاع مدعي المحكمة الجنائية الدولية العام على الوضع السائد في ليبيا منذ 15 فبراير 2011, ويفرض حضرا على تصدير الأسلحة إلى ليبيا, ويدعو إلى تجميد الممتلكات, ويمنع  من السفر معمرَ القذافي, وبعضَ أفراد عائلته, وبعضَ المسؤولين الكبار في النظام, ويحثُّ الدول الأعضاء على العمل سوية من أجل تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى ليبيا.
لقد صرح جيرار أرنو, ممثل فرنسا الدائم في مجلس الأمن, بعد نهاية التصويت, بشكل قاطع, بأن "ريح الحرية بدأت تهب على جنوب المتوسط. كان ينبغي لمجلس الأمن أن يكون في موعد مع التاريخ, وأن يقف إلى جانب الشعب الليبي". في اليوم نفسه, أعلن مصطفي محمد عبد الجليل, وزيرُ العدل السابق, تشكيلَ حكومية انتقالية, معارضة للحكومة الحالية.
امتدت الثورة إلى طبرق, التي انتفضت فيها القبائل, وقاومت قصف الجيش الذي كان يسعى لقمعها, كما داس السكان ي على صور قائد الثورة, وحرقوا كتابه الأخضر. لكن القذافي انتقل إلى الفعل , وبدأ يمشط ليبيا "شبرا شبرا, بيتا بيتا, زنقة زنقة". لقد استخدمت السلطة الجيش لقمع المتظاهرين, بل وصل  الأمر بالطاغية إلى الاستعانة بمرتزقة , وبخاصة من الطوارق القادمين من مالي, ومن النيجر, وبتشاديين أعارهم له الجنرال إدريس دبي[7]. بدأت المدفعية تطلق نيرانها, والطائرات تقصف المدن, لطرد الثوار الجاثمين على سيارات البيك أب وعلى "دبابات قديمة", مما دعا إحدى المجلات الساخرة إلى الحديث عن "ثورة درجات بخارية صغيرة"[8], والذين تراجعوا على عدد من الجبهات, بسبب سوء تنظيمهم, وسوء تسليحهم. وتحولت المظاهرات إلى انتفاضة مسلحة, وغرقت البلاد في الفوضى, وفي الحرب الأهلية, لكن العقيد لم يستخلص النتائج من هذا الانفجار, على عكس ابن علي, وحسني مبارك؛ فهو لا يستطيع, بحسب منطقه المتشدد, التراجعَ,, فهو لا يستطيع التفكير بحكمة, بل إنه يقلل من خطورة الوضع, ويتهمُ " الشباب الواقع تحت تأثير المخدرات", والإسلاميين. وهاهو يجيب مراسلي صحيفة لوديمانش الذي سألوه  قائلين : ألم تقلق عند رؤيتك سقوط نظامي البلدين المجاورين لك ؟" بقوله " لا. لماذا؟ فالوضع هنا مختلف جدا. السلطة عندنا في يد الشعب, ولا يوجد في بلدنا رئيس يمكنه أن يستقيل, ولا برلمانٌ ليُحل, , ولا انتخاباتٌ لِتُزور, ولا دستورٌ ليعدَّل. ليست عندنا مطالب لها علاقة بالعدالة الاجتماعية؛ لأن الشعب هو الذي يقرر هنا. أما عني, فلا سلطة لدي كما كان عليه الحال عند ابن علي, ومبارك. أنا لست سوى مرجع للشعب الليبي. إننا نواجه اليوم القاعدة, ونحن نواجهها لوحدنا, ولا رغبة لأحد في مساعدتنا" وعندما يقول له الصحفيون بأن "من يستمع إليك يشعر بأن كل شيء على ما يرام...لا شيء يحدث هنا...." يرد عليهم بأن " النظام, هنا, في ليبيا, على ما يرام !"
من الواضح أن هذا الرجل يعيش على كوكب آخر.


[1]  تقدر قيمة ما اشتراه من أسلحة, فيما بين عامي 1979, و1983, باثني عشر مليار دولار, أي ما يساوي أربعة أضعاف ما اشترته الجزائر, وهو ما يمثل نسبة 36% من كمية الأسلحة التي استوردتها أفريقيا (Burgat et Laronde, op. cit., p. 105 ; Martinez, The Libyan paradox, p. 122.).
[2] As-Sayad, 18 novembre 1988.
[3]  يلاحظ أن اختيار تاريخ 17 فبراير ليكون بداية للثورة في عام 2011, لم يكن صدفة؛ فالربط بينها, وبين مظاهرة 2006, كان مقصودا.
[4] Corriere della sera,21 février 2006.
[5] La Repubblica, 21février 2006.
[6] Jeun Afrique, 5 mars 2006.
 أشارت صحيفة لوفيجارو, بتاريخ 11 أبريل, إلى "فرقة أولى مكونة من 300 مقاتل تشادي", وإلى مرتزقة جيء بهم من أفريقيا السوداء كلها".[7]
[8] Charlie Hebdo, 30 mars 2011, p. 16.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق