الاثنين، 11 يوليو، 2011

ترجمة خالد المحجوب : أرواح مصراتة الثائرة



ليبيا: أرواح مصراتة الثائرة
فنسان أوجو مراسل مجلة إكسبريس الفرنسية بمصراتة نشر بتاريخ 09/07/2011
ترجمة: خالد المحجوب

محاصرة وشهيدة، تبقى ثالث مدن ليبيا الواقعة إلى الشرق من طرابلس عصية على القذافي. طلبة، وأساتذة، وموسيقيين، ومزارعين، ورجال أعمال... كل أهالي المدينة الشامخة يجاهدون الآن لتعجيل سقوط الزعيم المزعوم. مصراتة الثائرة والجريحة تتحدى وتتصدى لجبروت معمر القذافي المدجج بدباباته وصواريخه وقنابل مدافعة ولوائه 32 المعزز بقيادة أبنه خميس. لكن هذه المدينة المناضلة ورغم تشديد الخناق عليها من جميع الجهات ورغم تعرضها لطوفان من الحديد والنار، استطاعت تقاوم بكل ما أوتيت من قوة لتنجح في منتصف شهر مايو، في دحر جنود وقناصة القائد الموهوم خارج أسوارها وتتنفس الصعداء.
لا شك في أن ثالث أكبر مدن ليبيا والتي تبعد فقط 200 كيلو متر شرقي طرابلس العاصمة لا زالت في خطر محدق. إذ في يوم 4 يوليو صباحاً، استقبلت مصحة الحكمة أربعة جثامين وعشرات الجرحى من الجبهة الجنوبية. حصل كذلك في احد الليالي أن حصد صاروخ غراد عائلة بأكملها، كما اعتدنا رؤية سائقي سيارات الإسعاف وهم يهمون بسرعة لنقل مجموعة من الشباب المجاهدين الذين حزت الشظايا أطرافهم ومزقت أوصالهم؛ إلى المشفى الميداني بمنطقة الدافنية غربي المدينة.

مشهد حضري تراجيدي بين بيروت وفوكوفار
بعيداً عن بنغازي معقل الثوار، وبعيداً عن المقاومة في جبل نفوسة المؤازرة بإنزال مظلي لأسلحة فرنسية وهي بذلك تتوعد العاصمة من ناحية الجنوب الغربي، تظل مصراتة المدينة المرفئية المزدهرة ذات الأربعمائة ألف نسمة، تشكل تهديداً خطيراً لما يعرف بأرض معمر (المناطق الغربية التي يسيطر عليها القذافي)... ولكن والحق يقال إنها قدمت الغالي والنفيس: زهاء 1500 شهيد ودمار شامل للمنشآت المدنية والسكنية جاعلاً منها بيروت أخرى وفوكوفار ثانية. عمارات مخربة، واجهات مهشمة، حوائط مثقوبة، محال محترقة: لم يسلم أي مبنى في شارع طرابلس من التهدم والتقويض. هنا يربض هيكل متفحم لدبابة سوفيتية الصنع، وهناك شاحنتان صفراوان يعترضان الشارع المشّرط اسفلته من دوس جنازير الدبابات؛ غير بعيد من هذا المشهد تتراص مجموعة حاويات مملوءة بالرمل الذي إندلىء بشكل متموج بفعل الرياح. نعود لسلالام ذاك البرج (عمارة التأمين) حيث تتناثر أظرف الذخيرة الفارغة واسطوانات الصواريخ وهو المكان الذي أضحى هيكل خراساني أجرد، وأصبح سطحه الناتئ مناسباً لقناصة ورماة القذافي لإرهاب وقتل المدنيين.
غير بعيد عن هذه الفوضى أقيم "معرضاً عسكرياً". على الرصيف المقابل، يتطاول الأطفال للصعود على أحدى المدرعات لالتقاط الصور التذكارية. تنتشر بشكل لافت مجموعة من الأسلحة الفتاكة من كل الأعيرة. بالداخل تصطف لوحات مزركشة بالزهور الاصطناعية تحمل صور الشهداء والمخطوفين. كل حي من أحياء مصراتة أسس متحفه الخاص إحياءً لشجون هذه الحرب التي لم تنتهي في ذاكرة الأجيال. ففي زاوية المحجوب مثلاً، كلل مجاهدي الأمس واليوم على حد سواء بالإشادة والثناء.
النخبة المحلية، وريثة عادات عريقة في عدم الخنوع، لم تغفر البتة للقذافي، الذي درس ثانويته هنا، لم تغفر له طمسه لأمجاد المجاهد البطل رمضان السويحلي الذي حارب الغزاة الطليان في بدايات القرن الماضي ومؤسس أول جمهورية طرابلسية. احد أحفاد هذا المناضل ندد على قناة الجزيرة بالقمع المفرط القوة وبالذخيرة الحية لانتفاضة فبراير، فأختطف من قبل أتباع النظام قبل أن تتمكن إحدى فرق الخاصة الخاصة من فك أسره وتهريبه خارج الحدود.
"هنا نقدم شهادة عبد الله الفورتية سليل إحدى العائلات المحلية المعروفة والتي لم يعرف عنها التملق يوماً". هذه العائلة دفعت غالياً ثمن رفضها الانصياع والخضوع لقادة الجماهيرية: فوالد عبد الله (مدير مستشفى) قضى نحبه في السجن، وأخيه أبو القاسم استشهد في مجزرة سجن أبو سليم في يونيو 1996. أما الأخ الأصغر محمد فقد توفاه الأجل في الساعات الأولى للثورة برصاص عصابة الطاغية عندما أراد فقط حماية الجرحى المدنيين أمام إحدى المستشفيات. "هذه الثورة كانت الفرصة الأخيرة أمامنا للانتهاء من الحكم التعسفي، يتابع عبد الله تحت صحن البيت الموسر الذي شهد عديد الاجتماعات السرية. ليس لدينا ما نخسره. لقد ارتكب القذافي خطأً فادحاً عندما استعمل السلاح لمواجهة المدنيين المسالمين العزل مما شجعهم للانخراط معنا في هذه الثورة العارمة. إننا نستمد قوتنا منه أكثر من أنفسنا. لكن والحق يقال، فإن مصراتة تدين بانتصاراتها لحكمة قادتها: فمنذ الليلة الأولى للانتفاضة شكلت لجان الدعم والمساندة –منها اللجنة العسكرية– والتي سيطرت للوهلة الأولى على مقاليد الأمور".

لا خبرات حربية، ولكن ملكات إبداعية
في الواقع، وجدت ثواراً مبدعين رغم النقص الواضح في الخبرة العسكرية. ودليلنا في ذلك التصفيح المميز للشاحنات الصغيرة "بيك أب"، إذ كسيت بألواح معدنية وجهزت بسباطانات مضادات الطائرات أو بمدافع الدبابات. لقد استشهد ابن احد الضباط السابقين بطلقة في رأسه يوم 19 مارس بعد أن دمر ثلاث دبابات بقاذف للصواريخ. كما كشف لنا حمزة ابن 17 ربيعاً الفتحة التي أحدثوها في جدار بيتهم لتوفير غطاء الحماية للثوار: "كل سكان شارع طرابلس قاموا بنفس العمل – يشرح لنا، وهو الأمر الذي سمح للشباب بالمضي قدما في مطاردة قناصة عمارة التأمين".  في كتيبة عبد المنعم يقاتل يد بيد، الطلبة والمهندسين ورجال الأعمال والتجار والمصرفيين والمزارعين. نلتقي هنا برب أسرة يبلغ عمره 38 سنة وهو مدرس كيمياء والذي بدوره أكد لنا بأنه "لم يسبق له أن لمس بندقية". كما يستطرد: "المسألة هنا ليست خياراً لي أو لعائلتي. الواجب يناديني للدفاع والذود عن أرض وأطفال مصراتة".
في مصحة الحكمة كان لنا لقاء مع ضابط الاتصال عبد المنعم الذي يسهر على راحة المتطوعين الجرحى. "أوضح لنا هذا المدرس الملتحي بأنه إذا لزم الأمر فإنني انطلق على الفور إلى ساحة الوغى". سألناه إن كان يروق له الالتجاء إلى الخنادق فأجاب "بصراحة لا. عشية سقوط القذافي سأرجع بندقيتي وأباشر عملي كمدرس". أحمد سائق الشاحنة يشاطر عبد المنعم رأيه، ويضيف هذا الصنديد، شديد البأس قائلاً: "إنها علامة فارقة في حياتي، حتى في عملي سأكون مرتاحاً عند التخلص من أتباع القذافي الفاسدين".
في أحد المحلات المعارة لهم من طرف المجلس الانتقالي لمصراتة، يجتمع موسيقيو فرقة "صوت الحرية" لموسيقى  الروك-فولك-كنتري التي تأسست منذ شهر ونيف، للحن وعزف 11 أغنية –ثورية ووطنية– وهم يعملون على تسجيلها وإصدارها لاحقاً في ألبوم جديد. لدينا هنا محمد المغني، مصمم مواقع الويب والطالب في تقنية المعلومات. هناك حسن، مؤلف الأغنيات، العائد حديثاً من مالطا أينما عمل نادل مقهى. نجد أيضاً ربيع،عازف القيثارة ومريد فرقة بينك فلويد العالمية. يتغيب فقط عازف الطبل يوسف، المتواجد حالياً في جبهة الدافنية غربي المدينة ويشاركه في ذلك صديقه محمد.                       
بعيد ذلك انتهينا إلى شخصية هزيلة ومهمومة التي حكت لنا قصتها: "قام رجالات السلطة بتوقيفي. هناك عذبوا السجناء أمام ناظري ولكنهم في نهاية المطاف أطلقوا سراحي عندما تظاهرت لهم بالجنون. في المقابل، مازال أفراد من عائلتي تحت الإقامة الجبرية في زليطن". في تلميح ضمني منها إلى هذا العائق الاستراتيجي (زليطن) على الطريق المؤدية لطرابلس والتي يتحرق الثوار لتحريرها. "أنهاجم أم لا؟ لقد اختلف القادة السياسيين والمحاربين أنفسهم في ذلك، هكذا اعترف لنا أحد الشخصيات البارزة. ولكن لنكن صريحين: في ساحة القتال يفعل القادة الميدانيين ما يحلو لهم". من جانب آخر يمكننا تخمين مشاعر الوغر والغمر الدفينتين والتي يحاول القذافي وجماعته نثرها بزرع الانشقاقات والفتن العصبية والقبلية. أهالي مصراتة يرون أن أبناء عمومتهم في بنغازي رفقاء أكثر من اللزوم مع العدو، ولكنهم في نفس الوقت يرون غير ذلك مع جيرانهم كما يخبرنا محدثنا، "لنكن متسامحين مع أهالي زليطن فالخوف يشلهم، أما غلمان تاورغاء في الجانب الشرقي فلا شفاعة لهم، لأنهم قدموا يد العون للمعتدين".

مزيج من جنون العظمة والجوسسة  
فيروس آخر يطفو على السطح، إنه خليط من جنون العظمة والجوسسة الذي يعكر الأجواء في بعض الأحيان. فالصحفي المصور الذي أطلق النار على أحد الجرحى مانعاً تدخل المسعفين يعطينا انطباعا على هذا الحكم: "أنت، انك تعمل لحساب القذافي!" "تركة عقود من البغي والطغيان، يتنهد أحد التجار: بداخل كل واحد منا يغفو معمر صغير. ليس من السهل اجتثاثه".
إذا كان الاغتصاب ولا زال من المحرمات فالحال غير ذلك بالنسبة لعمليات الخطف. طارق عبد الهادي، مدير مكتب الشهداء والجرحى والمخطوفين والذي يشغل أيضاً المدعي العام للمدينة، يقوم بتجميع وتصنيف الاستمارات المقدمة من ذوي المتضررين القلقين على مصائر أبنائهم. حتى يوم 2 يوليو تم حصر 1224 حالة اختفاء من بينهم حوالي 50 امرأة و44 أجنبي من مصريين وسوريين وفلسطينيين، والشريحة الأكثر استهدافاً هم من الشباب القادر على حمل السلاح. الصديق، صاحب صيدلية أعشاب طبية كبيرة انقطعت عنه أخبار 13 فرداً من عائلته. "يتحصل الخاطف على مبلغ ثلاثة آلاف دينار ليبي (ما يعادل حوالي 1500 يورو) على كل رأس. أغلب المخطوفين يتم نقلهم لطرابلس حيث تنتزع منهم اعترافات متلفزة ويجبرون على التظاهر تأييداً للقائد. وبعبارة أخرى قمت باستقصاء جميع التقارير عن الساحة الخضراء بطرابلس (مكان الاعتصامات الفنية المؤيدة للنظام) ولكن دون جدوى حتى اللحظة".
مصراتة مدينة شهيدة ولكنها ليست أبداً مدينة شبح. ابتكار وتيرة جديدة للحياة يعتبر مقاومة للنظام. على جوانب الطرقات تنتشر فرق الشباب المتطوعين –قبعات حمراء وسترات صفراء فضفاضة– ينظفون مجاري الصرف الصحي. يمكننا هنا، بينما ترعد من بعيد أصوات قاذفات الصواريخ، طلب قطعة بيتزا أو تصفح شبكة الانترنت حتى الساعة الثانية صباحاً في أحد مقاهي النت الخاصة أو اصطحاب الأطفال للعب والتنزه في ساحة الحرية. مدرسة التقدم الواقعة على الطريق المؤدي للدافنية فتحت أبوابها منذ 15 يونيو لاستقبال زهاء 200 تلميذ معطل من سن 5 حتى 12 عام. لا يتعلق الأمر مطلقاً باصطياد حرب العقول، لأنها هنا في كل مكان: على جدار فستقي اللون لأحد المباني المشجوجة بالطلقات والقذائف؛ بداخل الصالة حيث تعرض بعض الأعمال اليدوية: دبابات وعربات من الورق المقوى، بنادق من الخشب، ونماذج مصغرة لعمارات هدمتها الغارات، وكذلك تجمعات لطقوس عسكرية. في الفناء الخارجي يصطف الأطفال في طوابير وهم يضربون على الأرض في إيقاع موحد ويتغنون، وأيديهم على قلوبهم، بالنشيد الوطني قبل انقلاب 1969 الذي حمل إلى السلطة ملازم شاب متهور، ثم يتلون آيات من القرآن الكريم تليها إنشاد لقصيدة تمجيداً لمصراتة الأبية. صباح يوم الجمعة وغير بعيداً عن فندق البركة الفاخر، نجد المتسكعين والمشترين يتزاحمون في صفوف متراصة نحو سوق الطيور الذي نجد فيه الحمام والدجاج والإوز والبط والببغاوات لكن لا يوجد صقور ولا نسور. يا ترى هل هجرت الطيور الجارحة والعقبان سموات مصراتة الشامخة العصية؟   
 
المصدر:
http://www.lexpress.fr/actualite/monde/libye-les-ames-rebelles-de-      misrata_1009947.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق