الأحد، 10 يوليو، 2011

محمد الشيباني : صوت القذافي، بين زعقة ولادته، وغرغرة نهايته





كان من الممكن أن يوكل القذافي، إلى المذيع المناوب بالإذاعة الليبية، صباح أول سبتمبر69 مهمة إلقاء البيان الأول للانقلاب، كما كان بإمكانه إسناد هذه المهمة إلى أحد شركاء انقلابه، والذين منهم من له صوت رجولي أفخم وأوسع طبقة من صوت القذافي المشوب بنبرة صبيانية، تظهر بوضوح عند شعوره بالخوف.

هناك الكثير من التأويلات لقيام القذافي بتلاوة بيان الانقلاب بنفسه، لعل أبسطها وأقربها للفهم، هو حرص القذافي على التوقيع ببصمته الصوتية المعروفة لدى شركاه في هذا العمل الخطير، وذلك لتأكيد حضوره في زفة الانقلاب، وحصوله المؤكد على حصة الأسد من كعكة النجاح، مع حرصه على إخفاء هويته الشخصية، وإبقاء نفسه في مأمن من المتابعة الأمنية، في حالة إجهاض هذا الانقلاب، والذي لن يعدم أعضاؤه، كما دأب القذافي على فعله بمن فكر مجرد التفكير في أمر كهذا، بل إنهم سيعاملون أسوة بأعضاء حركة انقلابية سابقة، اكتشف أمرها، وحوكم أعضاؤها، ولكن الملك الرحيم، إدريس، رحمه الله، صفح عنهم، وأطلق سراحهم.

هذا مجرد تقديم وتأويل بسيط لتلك الصرخة البائسة، البيان الأول، في ذلك الصباح المشئوم، والتي مزقت ذلك السكون العميق الذي كان يلف آذان الليبيين ووجدانهم قبل أربعة عقود. وهو تقديم أتيت به من أجل التعريف بتلك الصرخة المشئومة، ومن تم عقد المقارنة الممكنة بينها وبين الحشرجات والغرغرات الأخيرة لصوت معمر القذافي، خلال مداخلاته التليفونية الأخيرة، حيث وجدت تشابها واضحا، بين صوت وإيقاع ومضمون هذه المداخلات، وبين الزعقة الأولى للقذافي، عند تلاوة بيانه الأول المذكور.

هناك تشابه لا يخفى على كل أذن بين إيقاع صوت زعقة البيان الأول، وإيقاع صوت حشرجات وغرغرات القذافي الأخيرة، والتي ربما حاول القذافي إخفاءها بأقراص المهدئات، أو بتقنية الصوتيات، إلا أن ذلك كله لم يفلح في إنقاص طغيان هرمون الادرينالين لديه، وتوتر جهازه العصبي، وما ينتج عن ذلك من شد وتوتر للحبال الصوتية لحنجرة القذافي الجافة المتشققة.

كما يظهر التشابه أيضا بين الزعقة الأولى والحشرجات الأخيرة في ما يلاحظه السامع من أنفاس القذافي المتقطعة، وكأنه يقوم بسحبها من بئر عميقة، وكذا ما يقوم به من ضغط لبعض الجمل الصوتية، والقذف بها بسرعة واضحة، وكأن حيز الأثير أمام القذافي المنقلب والمحتضر ، بدا له ضيقا حرجا. وهي حالة يبررها شعور المتمرد ساعة إلقاء بيان انقلابه على نظام تعهد بالمحافظة عليه،  كما تبررها أيضا وتفسرها الحالة التي عليها القذافي الآن، وهو يهيم على وجهه خائفا من أبابيل السماء، ومن زفرات غضب أولياء الدماء.

هذا عن التشابه الشكلي، أما التشابه الموضوعي بين البيان الاستجدائي الأول، وهذه التوسلات الأخيرة، فلا يحتاج الباحث عنه إلى كثير عناء. ذلك أن القذافي إذا خاف تمسكن وأيه بالناس، كل الناس، وإذا تمكن احتقر الناس، كل الناس. وهو ما دأب على فعله طيلة مدة حكمه، وهو بهذا ( يخاف وما يختشيش)، ويؤكد ذلك حرص القذافي في مداخلاته الأخيرة على سرد السجل المدني للعائلات والقبائل الليبية، وتتبع شجرة كل عائلة، وتسلقها، والتعلق بكل غصن فيها، ولو كان هذا الغصن قصيا متيبسا.

أيضا تتشابه الصرخة الأولى والغرغرات الأخيرة للقذافي، في تقمص القذافي لشخصية شهرزاد، في ملحمة ألف ليلة وليلة، وربما فاقها في مد حبال وعوده الوردية لدرجة الخيال، وذلك مقابل النجاة من سيف شهريار الذي يراه القذافي لامعا ممتدا من الجبل الأخضر شرقا حتى جبل نفوسة غربا، ومتكأً على سواعد وهامات أسود مصراتة وقيزانها المتفجرة الملتهبة.

إن الفارق الزمني والموضوعي بين شهرزاد وشهريار 1969، وشهرزاد وشهريار 2011  هو الذي يحدث الفارق بين كل مداخلة صوتية للقذافي ولاحقتها، وهو نفس الفارق الذي جعل من الأولى صرخة ولادة مخلوق سياسي غض، لم يكن أمام الليبيين من بد إلا افتراض براءته، وتصديق وعوده المغلفة بأغلظ الأيمان. كما  جعل هذا الفارق من الحشجرات والغرغرات الأخيرة للقذافي لطخات من دم تكبر وتتجمع في كل مداخلة يقوم بها الدجال القذافي، حتى غطت هذه اللطخ أو كادت جثة الطاغية الذي ليس له بعد غرغراته وحشرجاته إلا انفضاحه وسقوطه ووفاته.
محمد الشيباني
aa10zz100@yahoo.com
Libyanspring.blogspot.com              

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق