الثلاثاء، 26 يوليو، 2011

عمر عبد العزيز : إشاعة نسف طرابلس!!


إشاعة نسف طرابلس!!
بقلم: عمر عبد العزيز

يبدو أن كتاب (الأمير) والذي أهداه ميكيافيلي لحاكم فلورانسا، مقدماً له فيه النصح في كيفية إحكام سيطرته على شعبه، لا يفارق طاغية ليبيا لحظة واحدة، بل أنه مغرمٌ بصاحب الكتاب أيما غرام، بعد أن اعتمد المقولة المنسوبة إليه (الغاية تبرر الوسيلة) كمنهجٍ لحياته وديدنٍ لتأليه ذاته، فلقد تعمق القذافي في هذه المقولة، وسبر غورها، حتى وصل إلى قرارها، واستخرج دررها، وتفنن في الاستفادة من معانيها، وتحويل حروف كلماتها إلى صورٍ بشعة لا يحتمل الرائي النظر إليها، وإلى جرائم لا يمكن وصفها، حتى أنني خلت ميكيافيلي قد ندم على تلك اللحظة حالكة السواد، التي تفتق فيها عقله عن هذه الجملة اللعينة.


لقد استخدم القذافي كل الوسائل التي توصله إلى غايته ومبتغاه، كحاكم أبدي لليبيا، مورثا الحكم من بعده لأبنائه وربما أحفاده، ولم يدخر جهدا في هذا الباب منذ اعتلائه العرش، فمن الزج بالناس في المعتقلات، إلى حفلات الإعدام شنقا أو رميا بالرصاص أو اغتيالا، إلى حملات التخويف والإرهاب، مرورا بطمس المشاهير والنجوم وذبح المواهب، وصولا إلى ما نراه اليوم من قتل جماعي بشتى أنواع الأسلحة، وحملات الاغتصاب الممنهجة، وهدم دور العبادة، وغير ذلك الكثير.

إن ما صرح به مبعوث الكرملن الروسي إلى طرابلس نهاية الأسبوع الماضي، من أن القذافي ربما يعد لخطة تقضي بنسف طرابلس بكل من فيها إذا دخلها الثوار، لا يعدو كونه حلقة من حلقات تلك الوسائل المبررة في دين القذافي، والتي توصله إلى غايته، ولقد اختير المبعوث الروسي تحديدا لبث تلك الإشاعة، نظرا لما عرف عن روسيا من مواقف مشوِشة ومشوَشة، كان آخرها اعتراضها على الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الليبي، بدعوى أن ذلك يذكي نار الحرب الأهلية في ليبيا! وأن هذا الاعتراف يُعدُ انحيازا لطرفٍ على حساب الطرف الآخر!!! والمثير للانتباه هنا هو أن الدب النائم يلعب دورا يعلم يقينا أنه ترف من السياسة، فقد عودتنا روسيا على أن تخالف من أجل المخالفة، ولم تجني عموما من وراء هذه الأدوار الكثير من المكاسب.

لقد أراد القذافي من خلال بث تلك الإشاعة إيصال مجموعة من الرسائل لعدد من الأطراف، فسكان طرابلس ـ مثلا ـ لا بد أن الخوف سيدب إلى قلوبهم جراء سماع هكذا خبر، ومن ثم لا يتعاطون مع الثوار داخل طرابلس، ولا يفكرون في انتفاضة جماعية، أما الثوار فيتوقع أنهم سيغضون النظر عن مهاجمة العاصمة ودخولها خوفا على حياة السكان، أما الرسالة الثالثة فيبرق بها إلى دول التحالف، لا سيما تلك التي أبدت تململا من طول أمد الأزمة، مما يقوي موقف المشوشين كروسيا وبعض الدول الأفريقية، التي تدعو لحل سلمي سياسي، لا يتضمن بالضرورة تنحي القذافي، أو رحيله على الأقل.
لا يمكننا الجزم بصحة هذا الخبر، إلا أن ما يمكننا التأكيد عليه هنا، هو أن القذافي يستخدم الآن كل أوراقه المتبقية لديه، قوية كانت أم ضعيفة، صحيحة كانت أم محض خيال، ولا شك أن خياله واسع في هذا الباب، فلقد اختلق على امتداد سنوات حكمه، الكثير من القصص، والتي تبين فيما بعد أنها لم تكن سوى مناورات سياسية خبيثة.

ما نعتقده حقيقة هو أنه لم يعد أمام الليبيين سوى خيار واحد، وهو التخلص من هذا الحاكم القاتل أياً كان الثمن، ونتوقع أن هذا الخبر سيكون حافزا لهم للاستمرار في هذا الطريق، فسكان العاصمة يعلمون الآن أنه وضعهم أمام أمرين، إما أن يحكمهم بالحديد والنار وتحت تهديد الصواريخ الموجهة، وإما أن يفنيهم عن بكرة أبيهم، وما نتمناه هنا وندعوا إليه هو ألا يفكر الثوار وسكان طرابلس كثيرا في هذه الخطة الانتحارية المزعومة، لعلها تكون مناورة وإشاعة.

وأخيرا لا بد من التذكير بأن طريق الحرية محفوفٌ بالأشواك، ومضرجٌ بالدماء، ومرصوف بجثث الشهداء، وما دخول الثوار إلى البريقة ، رغم الحديث عن أربعين ألف لغمٍ زرعت هناك، عنا ببعيد.

نشر في العدد الخامس من المنارة الورقية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق