الأحد، 5 يونيو، 2011

سليم الرقعي : اللعبة الديموقراطية..بين النخبوية والشعبوية!؟


اللعبة الديموقراطية..بين النخبوية والشعبوية!؟
- سلسلة الوعي الديموقراطي والثقافة السياسية الجديدة -
فتش عن النخب!؟
مرحلة ما بعد القذافي تعتمد على مدى" الرشد السياسي والعقلانية" و"تغليب المصلحة الوطنية" الذي ستتسم به النخبة السياسية والمثقفة الليبية .. فالنخب في كل مجتمع تشكل القيادات السياسية والإجتماعية والفكرية والدينية المؤثرة في فكر ورأي ووجدان الشعب.. لذا فسيكون هذا أول تحدي حقيقي أمام النخب الليبية بعد أن تكسرت عنها قيود الحكم الديكتاتوري الشمولي لتثبت لشعبها وللعالم بأنها نخبة متحضرة وواعية وقادرة على الرقي بالحياة العامة وتحقيق حياة ديموقراطية عادلة ومستقرة .. فنجاح الديموقراطية يعتمد – بشكل أساسي - على حال النخب أكثر من إعتماده على حال عموم الشعب[1]!.
ونحن هنا لا نقلل من شأن عموم الناس وجماهير الشعب ولكن في كل شعب - كما هو الحال هنا في الغرب الديموقراطي - هناك نخبة سياسية تتكون من القيادات والزعامات " المعروفة" في ساحة العمل السياسي التي تخرجت من الأحزاب السياسية وخاضت العمل السياسي لسنين أو لعقود وإكتسبت الخبرة والوعي السياسي الكافي بموازين وشروط "اللعبة السياسية" محليا ً ودوليا ً.. فهذه القيادات السياسية وهؤلاء "الساسة" الوطنيين المخضرمين هم المؤهلون لقيادة الشعوب ورئاسة الدول إذ أن الأحزاب في الحقيقة هي مؤسسات ومعاهد سياسية لتخريج رجال الدولة والقادة والساسة المخضرمين القادرين على قيادة سفينة الدولة في كل أمة! .. وهذه "النخب السياسية" المختلفة والمتنافسة هي التي تتداول – فيما بينها - قيادة الدولة حسب رغبة وإختيار (الشعب/السيد) من خلال العملية الإنتخابية الديموقراطية ذاتها..هذه العملية التي يختار من خلالها "الشعب السيد"– بواسطة تصويت المواطنين – من بين عدة خيارات-  من سيقود سفينة دولته ويقوم على خدمته خلال زمن معلوم ووفق خط مرسوم .. وهذه الأحزاب في حقيقة الحال هي بمثابة "شركات خدمة سياسية" تقدم أفضل عروضها على "الشعب/السيد" محاولة ً إقناعه بكل الطرق منحها فرصة تولي مركز القيادة والإدارة في الدولة لتنجز وعودها وتحقق مشروعاتها فيختار"الشعب/السيد" من بين هذه "القيادات والمشروعات السياسية" ما يعتقد أنه أفضل العروض!.
الديموقراطية موازنة بين النخبوية والشعبوية!؟
في الديموقراطية الواقعية العملية لا يحكم الشعب نفسه بنفسه بشكل مباشر كما يدعي أنصار ما يُسمى بالديموقراطيات الشعبية الفاشلة – والتي إتضح من تجاربها العملية الطويلة المكلفة والمدمرة أنها لا هي بديموقراطية ولا هي بشعبيه كما يزعمون أو يتوهمون! - بل "النخب السياسية" هي التي تحكم وتقود وتتولى أمر الدولة.. هذه النخب التي يختار (الشعب/المواطنون) من بينها من يقدم لهم أفضل العروض(البرامج والمشروعات).. فالسوق السياسية تشبه إلى حد بعيد السوق الإقتصادية التجارية فهي بالنهاية يحكمها قانون العرض والطلب حسب رغبة الشعب!.. إلا أن "الحاكم" في النظام الديموقراطي التقليدي الصحيح ليس هو "الرئيس" بل هو القانون والدستور ثم صوت الجمهور.. وما رئيس الدولة أو رئيس الوزراء إلا "خادم عام" لدى الشعب ولدى دولة هذا الشعب.. فهو بالنهاية "موظف عمومي" يتلقى أجره من جيب الشعب!.. وهذا هو المعنى الواقعي لشعار"السلطة للشعب".. فليس المعنى أن الشعب نفسه بنفسه يمارس سلطة التشريع القانوني أو سلطة التنفيذ الحكومي أو سلطة الحكم القضائي بنفسه بل يعني أن (السلطة العامة) في الدولة يجب أن يتم "تأميمها" فتعود ملكيتها للشعب السيد – صاحبها الشرعي - ثم يختار هذا الشعب السيد بإرادته الحرة وعن طريق تصويت المواطنين من بين أبنائه (الأمناء المؤهلين) من يُوظفه ويُكلفه بممارسة هذه السلطة "القومية" العامة – سلطة الحكم والقيادة – بالوكالة أو بالنيابة عنه لتحقيق مصالح هذا الشعب السيد نفسه.. ليقود هذا "المكلف/ الموظف" سفينة الدولة إلى أجل معلوم وفق منهج مرسوم.. ويظل هذا المكلف الموظف بمثابة "الخادم الأمين" للشعب والدولة وتظل السيادة للشعب!..فهذه هي الديموقراطية الحضارية الرشيدة بطريقتها الواقعية العملية المجربة لا بصورتها الطوباوية المثالية المجردة كما في شعارها العام (حكم الشعب بالشعب بشكل مباشر)!.. فالديموقراطية الواقعية الرشيدة تقوم على موازنة بين كفاءة النخبة السياسية وإرادة الشعب.
ونخبة المثقفين!!؟
وفضلا ً عن "نخبة السياسيين" كذلك هناك في كل شعب "نخبة المثقفين" وهي النخبة التي تؤثر في صناعة الرأي العام وفي إنتاج الفكر الوطني في المجتمع بشكل عام سواء الفكر السياسي أو الإقتصادي أو الإداري أو حتى الإجتماعي والتربوي والديني..وذلك من خلال وسائل الإعلام والإتصال والتثقيف المختلفة من صحافة وإعلام وسينما وتلفزيون ومسرح وكتب وفن ومنابر وصالونات ثقافية وكذلك الحال أيضا ً فيما يتعلق بالثقافة الدينية والفكر الديني فهناك قيادات فكرية دينية مثقفة لها تاثير كبير على "تدين الجمهور"!..فالنخب الثقافية كالنخب السياسية مختلفة المذاهب والمشارب ومتعددة الألوان والتوجهات ولها تأثير كبير على فكر ورأي ووجدان عموم الشعب!.
أمل البلاد على رقي نخبها !
إذن فهاتان النخبتان الرئيسيتان في أي مجتمع فإذا كانتا صالحتيين وراشدتيين في أسلوب وطريقة التنافس والتدافع فيما بينها لكسب عقول وقلوب وأصوات جماهير الشعب فإن العملية الديموقراطية ستتسم بالرشاد والعقلانية والبعد عن العنف وأعمال البلطجة والشغب وعن المزايدات الفارغة "الديموغواجية" وعن حروب الدعاية السوداء والقذرة تحت ستار"الغاية تبرر الوسيلة" وشعار "البقاء للأشطر والأشرس"!.. وأما إذا كانت هذه النخب أنانية وفاسدة أو عدوانية ومتطرفة وغير متزنة وغير أخلاقية فقل على الديموقراطية السلام!!.. إنظر للهند مثلا ً فهو بلد عدد سكانه يزيد عن "مليار" نسمة .. وهو مجتمع متعدد الأعراق والديانات وتسيطر عليه الطبقيه الإجتماعية والإقتصادية وهناك عدة قبائل وطوائف .. ويعاني من عدة مشكلات كالأمية والفقر والمرض.....إلخ ومع ذلك فالعملية الديموقراطية في الهند تسير بسلام مع توفير حرية التعبير للجميع بل وبات من الشائع إطلاق لقب "أكبر بلد ديموقراطي في العالم" على هذا البلد.. لماذا؟ .. لأن النخبة السياسية "الهندية" بكل ألوان طيفها - سواء التي في الحكم أو في المعارضة - نخبة يغلب عليها صفة العقلانية وتغليب المصلحة الوطنية والرشد السياسي والإتزان وعدم التطرف!.. وكذلك الحال بالنسبة لنخبة المثقفين الهنديين فالطابع الغالب فيهم هو التسامح والإنفتاح والرشد الحضاري.
حقيقة الديموقراطية الواقعية؟
إن الحقيقة التي خلصت إليها من خلال دراستي للتجارب الديموقراطية – عبر التاريخ - نظريا ً وواقعيا ً هي أن الديموقراطية العملية ذات الكفاءة والفاعلية والقابلية للتطبيق المفيد ليست هي حكم الشعب بشكل مباشر كما يحلم "الطوباويون" وعلى رأسهم المفكر الشهير" جان جاك روسو" [2] – منظر الديموقراطية المباشرة - فالشعب لا يريد أصلا ً ممارسة السلطة بشكل مباشر!! .. بل يريد أن يختار من بين أفراده من يقوم على خدمته أي أنه يريد خادما ً ولا يريد حاكما ً وهذا ما يتحقق في ظل الديموقراطية " النيابية" التعددية الواقعية المطبقة في الغرب.. فالديموقراطية هي حكم النخبة السياسية التي تتولى أمر قيادة الدولة وفق إراداة وتطلعات الأغلبية الشعبية.. وهي بالنهاية ليست جنة ولا "نعيم أرضي" ولكنها تظل أفضل النظم العقلانية الراشدة الموجودة حتى الآن والتي تجمع بين فاعلية الإدارة وكفاءة النخبة السياسية والمشاركة الشعبية كما تتوفر في ظلها حرية التعبير وإمكانية التغيير السلمي الحضاري دون الحاجة لسفك قطرة دم واحدة!.. إلا أن هذا اللون من الديموقراطية يتوقف على حال النخبة السياسية والمثقفة بالدرجة الأولى فإذا كانت هذه النخبة راشدة وعاقلة ومتزنة فإن هذه الديموقراطية ستسمو وتزهو وتزدهر وتثمر وإلا فإنها تتحول إلى صراع سياسي وثقافي لا أخلاقي يخرّب العملية الديموقراطية برمتها وبالتالي يكون الحل العملي الوحيد – في ظل الفوضى والغوغائية وصراع الديكة وتناطح الأكباش- هو عودة الديكتاتورية من أجل تحقق الأمن وتفرض النظام بشكل صارم وبموافقة عموم الشعب كما حدث عقب الثورة الفرنسية التي إنتهت بحكم "نابليون"!!.
هذه هي رسالتي للنخب الليبية؟
فهذه هي "الرسالة" التي أود إيصالها للنخبة السياسية الليبية وكذلك النخبة المثقفة..هذه النخب السياسية التي يدأت في التشكل والظهور الآن وبعضها ربما يتشوف للسلطة ويرنو إليها في إستعجال!.. إن على جميع السياسيين الليبيين الذين يريدون المشاركة في "اللعبة الديموقراطية"(*) القادمة أن يعلموا أن عدم إلتزامهم  بشروط وقواعد وأخلاقيات العملية الديموقراطية ثمنه باهض جدا ً!.. فهو أولا ً سيؤدي إلى تخريب وإفشال المشروع الديموقراطي وإثارة الفوضى والغوغائية وبالتالي سيؤدي ثانيا ً وبالضرورة إلى عودة الديكتاتورية وبترحيب من جماهير الشعب التي ستكفر بالديموقراطية – وأم الديموقراطية ! - كما حدث في "الإربعينيات" من القرن الماضي في العالم العربي حيث ملت الشعوب العربية من الصراع الحزبي وإنتشار الفساد السياسي بين الأحزاب التقليدية مما هيأ الأوضاع العامة لقدوم " العسكرتاريا" في موجة إنقلابات عسكرية ديكتاتورية تتلحف بشعارات قومية وثوريه فقادت هذه المجتمعات نحو التخلف والخراب وأفسدت وأستبدت أكثر بكثير من زمان حكم الأحزاب!.
وأخيرا ً أقول : صحيح أن الديموقراطية جهاز إداري وسياسي و"طريقة رشيدة في الحكم والإدارة تعتمد على الموافقة الشعبية" ولكن هذا الجهاز لا يعمل من تلقاء ذاته بطريقة آلية تلقائية وبشكل "أتوماتيكي" سحري بل هي كالسيارة تعتمد على فهم وقدرة وطبيعة وخبرة وأخلاق "السائق"!!.
سليم نصر الرقعي
(*) لا أحب وصف "العملية السياسية" في المجتمع الديموقراطي بأنها "اللعبة الديموقراطية!!!" وقد يكون هذا الوصف ناتجا ً عن قصور في الترجمة فالسياسة لا تدخل في إطار "اللعب" بل "الجد" إلا أنني سأستعمل هذا المصطلح الشائع من باب مسايرة التوصيفات المستعملة في عالم الصحافة والوسط السياسي.
[1] عبارة "الشعب" بسبب كونها من الألفاظ الكلية المجردة قد تخلق حالة من الأوهام والأخطاء الفكرية وتربك الفكر فالحقيقة الموجودة والملموسة على الأرض هم "الأفراد" بأشخاصهم وأسمائهم وهم من يحملون صفة "المواطنين" وهؤلاء هم من سيقومون بالتصويت على أرض الواقع .. وبالتالي فالشعب ليس كتلة واحدة صماء متجانسة بل هو يتكون من أفراد ومجموعات من الأفراد المترابطين في تكتلات عضوية تجمعهم رؤى أو مصالح مشتركة .. لذلك سنجد في الديموقراطية الواقعية إنقسامات بين أفراد وفئات الشعب الواحد حول عدة مسائل تظهر في تنافس القوى والأحزاب والفرق السياسية.. فالشعب ليس شيئا ً واحدا ًمن الداخل وإن بدا من الخارج موحدا ً ككتلة واحدة فوق الوطن! .. فهناك دائما ً أغلبية وأقلية .. وهناك منافسات وتدافعات قد تتحول إلى صراعات!!.. فالبعض قد يتخيل أن الشعب كائن جماعي قومي في صورة إنسان واحد عملاق وضخم له إرادة موحدة ورأي واحد!!.. وهذا وهم كبير!.
[2] من المعروف أن "جان جاك روسو" اشهر المنظرين للديموقراطية الشعبية المباشرة والمدافعين عنها إلا أنه بعد أن فرغ في كتابه "العقد الإجتماعي" من إنتقاده للديموقراطية البرلمانية الإنجليزية وفرغ من تنظيره للديموقراطية بشكلها المثالي الإفتراضي الكامل المتمثل في الحكم الشعبي المباشر بلا نيابة ولا تمثيل إختتم دراسته بالقول أن مثل هذا النوع من الديموقراطية المثالية غير قابل للتطبيق لأنه يحتاج إلى شعب من الملائكة أو الآلهة!!.. وهو ما تفطن له الغربيون لذلك إختاروا تطبيق الديموقراطية النيابية الواقعية الحزبية مع السعي لزيادة المشاركة الشعبية بقدر ما تطيق نفوس وأمزجة الناس!.. فأغلب الناس مهما فتحت لهم أبواب المشاركة السياسية ووفرت لهم ضمانات الأمان والحرية فسيظلون على موقفهم العتيد من الشأن العام وخصوصا ً الشأن السياسي وهو "العزوف"!!.. بل حتى الكثير منهم يعزفون حتى عن المشاركة في الحد الأدني من الفعل السياسي وهو التصويت!!.. وهذا العيب ليس راجعا ً للديموقراطية النيابية في حد ذاتها بل لأن أغلبية الناس مشغلون بحياتهم الخاصة وبمشكلاتهم وهوياتهم وشهواتهم وإهتماماتهم الأخرى غير مباليين بالشأن العام!.. وهذه طبيعة في البشر فالبشر تختلف توجهاتهم وإهتماماتهم وطباعهم ..وهذه حقيقة واقعية لا يمكن تجاوزها!.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق