الاثنين، 2 مايو، 2011

فتحي عقوب : الثورة وضرورة الوعي المدني

يوما بعد يوم يتسع ميدان معركة التحرير، الأمر الذي يتطلب اتساعا مكافئا له في الوعي بمتطلبات المرحلة ومقتضياتها، ففي ظل ظروف الأزمة – كما هو حال الثورة في ليبيا - فإنَّ الغوغاء والرّعاء يحرصون على استغلال الفرص لتغييب مظاهر النظام وبثّ الفوضى والفتن والشبهات بين الناس، لينفضَّ الناس من حول قيادة الثورة ومن يمثلونها أمام العالم. نحتاج أولا للنظر في دور تلك الفئة وما تسببه من بلبلة في الصفوف، من خلال إحياء ظاهرة الإرجاف والنفاق كما وصفها القرآن الكريم قديماً ضمن ما يعرف بـ"الطابور الخامس" وذلك في قوله تعالى : ( لَئِن لَمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاّ قَلِيلاً ) فإنَّ هذه المجاميع الهزيلة لا هدف لها سوى الإرجاف بالأخبار الكاذبة والتأويلات الفاسدة للالتفاف حول الثورة ومكتسباتها، وشق الصف الوطني أو إضعافه، لذا فقد وجب التعامل مع هذه الظاهرة التاريخية القديمة بحذرٍ كافٍ ومكافيء.




كيف ولماذا لجأ ديكتاتور ليبيا - وسبقه في ذلك بن علي ومبارك ثم علي - إلى الغوغاء أو ما عرف بـ"البلطجية" ؟!.. لا أعتقد ان هناك تنسيقا بينهم في هذا الأمر، ولكنه تشابه القلوب والسياسات والأساليب، إذ إن هذه الظاهرة غير السويّة تترعرع في ظل ديكتاتوريات الحديد والنار والبطش، التي جثمت على صدور الناس في معظم بلادنا العربية، بل فوق ذلك دعم - مع سبق التعمّد - ثقافة الغوغاء والبلطجة ونشرها بين أفراد المجتمعات التي طحنها "مثلث الموت" : الفقر والجهل والمرض؛ إذ إنّ تدني مستوى الوعي، وقِلَّة ذات اليد وضعف البنية والعجز تتوفر بيئة مناسبة لنمو هذه الطحالب وتتعاظم هذه الظاهرة، فحين خرجت المظاهرات السلمية إلى الشوارع مطالبة بحقوق الحرية والكرامة والعدالة .. شعرت تلك الأنظمة القمعية الحاكمة بخطرٍ كبير يُهدد وجودها، فدقّت أجراس الخطر، وأعلنت أنه : "قد دقّت ساعة العمل، ودقت ساعة الزحف، إلى الأمام .. لا رجوع ..الخ" وما هو إلا تحريض لطوابير الغوغاء، فقد حانَ الوقتُ لاستخدامهم! للقيام بمهام التخريب والقتل والاعتداءات، لبث الخوف والحذر في نفوس عموم الناس من الخروج في التظاهرات والاحتجاجات، وبالتالي يُتوقّع تراجع عدد كبير ممَن خرجوا لِما رأوه من الخراب والدّمار والحرق والقتل!.. فلا تعود المظاهرات السلمية – في نظرهم - سبيلا لاستعادة حقوقهم من السلطة التي تحكمهم وتنتهكُ حرّياتهم! وبهذا فإنّ ظاهرة الغوغاء غير عفوية على الإطلاق، وإنما هي عملية "تربية" مقصودة وخطوة استباقيّة تنشأ وتنمو بصورة متعّمدةٍ ومخطط لها في ظل الحكومات القمعية، لأنَّ الوعي الصحيح الذي قد ينشأ عنه مطالبة سلمية بالحقوق هو أول أعداء تلك الأنظمة.



بهذا أيضا يتضح لنا سبب محاربة الديكتاتور للمجتمع المدني!.. وقد صرّح بأنّ "ليبيا ليست بحاجة لمجتمع مدني"! بالتأكيد هي يجب أن تكون كذلك في نظره؛ لأنّ الوعي بالمجتمع المدني، وبمرتكزاته وبضرورة توفّر الروح الوطنية التي تغذيه وتوجّه العمل في مؤسساته المختلفة، هذا الوعي هو النقيض المباشر لظاهرة الغوغائية وثقافتها المقصود بثها وتأصيلها في النفوس، لتبقى الأمور تحت السيطرة، إذ في ظل توفر هذا "الوعي المدني" يمكن – في أي وقتٍ - أنْ ينشأ "النضال المدني" حين تتم عملية تنمية قدرات المجتمع وتدريب طاقاته وكوادره بطرائق سلمية ومتمدّنة، ولاشك أنّ هذا لا يتماشى مع أسس قيام حكومات القمع وأنظمتها المستبدة، بل لا يُمكن أن يُسمح به قط ويعتبر خطا أحمر. إنّه في ظل افتقار مجتمعاتنا إلى وجود دولة ذات أنظمة دستورية، ومؤسسات مدنية قوية، فإنَّ ثقافة النضال المدني وأسلوبها السملي قد يصير غير مجدي – بحد ذاته - كما في حالتنا الليبية. وهذا ليس تبريرا لعسكرة الثورة وإنما هو تفسير لسبب انطلاقها.

ولهذا فإن معركة التحرير الميداني والنضال العسكري المنظّم، يجب أن تصاحبها مرحلة تطوير ثقافة النضال المدني وثقافته في عموم المستويات ولدى مختلف الفعاليات، وأن يتم نبذ حالات التخوّف والحذر من السلبية التي قد يتصف بها البعض، لأن تنمية هذا الوعي تعتبر ضرورة لإتمام أهداف النضال العسكري الميداني، وفي نفس الوقت هي ضرورية أيضاً للقضاء على ظاهرة الغوغاء التي لن تفتأ تشعل فتائل الفتنة وتثبط العزائم وتعكر الصفاء الوطني الذي شهدناه مع انطلاقة هذه الثورة المباركة، كل ذلك لتحقيق مآرب مادية سريعة لاشرعية لها ولا وطنيه ولا أساس من الإنسانية حتى! فوجبت صيانة الثورة أولاً بتحصينها بهذا النوع من الوعي المدني الحضاري، الذي هو تمهيد لابد منه للمستقبل، فليبيا تعتبر لا أقول من مرحلة إلى مرحلة تالية، بل إنها تحتاج أن تعبر عقودا من الزمان غابت فيها عن الوعي وغيبت بفعل نشر ثقافة الغوغاء وأساليبها ..

وغني عن القول أن نشر هذا النوع من الثقافة والوعي المدني لا يتحقق دون تخطيط مُسبق وإدارةٍ وقيادة، من قبل الجهات المدنية التي ينبغي أن تبدأ في التشكل والظهور وأخذ زمام المبادرة، والتي يجب أن ترى في الشباب وقود حركتها وزاد انطلاقتها، وتتلاحم معهم وتلمس حاجتهم وتمد لهم يد العون والدعم والتوجيه والتكوين، فهم رصيد هذا الوطن وذخره وزاد ثورته المباركة، وإلا فإنها سترجع إلى المربع الأول وستحكم على نفسها بالفشل.

هناك تعليق واحد:

  1. هذه الدنيا من اجتهد فيها وجمعها وحرص عليها وشغلته عن الله عز وجل بماذا خرج منها هل خرج بشيء غير القطن والكفن (وبعضهم لايجد) ...
    قلت فأصبت...... وتحدثت فأحسنت ......ونصحت فأتحفت
    اشكرك شكرا جزيلا جدا على كلمات اغلى من الذهب الخالص

    ردحذف