الأربعاء، 18 مايو، 2011

محمد عمر الشيباني : حمزة وهالة وشاكير، ورمق النظام الأخير


 كان بإمكان ملك ملوك الدنيا وأغنى أغنيائها معمر القذافي أن ينشئ لنفسه امبراطورية إعلامية لا مثيل لها، وما كان حينئذ للثلاثي حمزة وهالة وشاكير أن يفكروا مجرد التفكير في شغل وظيفة حراس على بوابتها الذهبية، فضلا عما يمارسونه هذه الأيام من أعمال لا إعلامية منفلتة أضرت بالنظام أكثر مما أفادته. ذلك لأن معايير ملك الملوك وفلاتره الإعلامية الدقيقة لا تسمح في أيام زهو النظام وأوقات سطوته وعربدته للمواطن البسيط المشكوك في ولائه كيوسف شاكير ومن هم على شاكلته بأن يرتقوا ذلك المرتقى الصعب، وأن يظهروا وكأنهم ضباط حركة عسكرية استولت على الحكم، وشرعت في إصدار أوامرها وإنذاراتها للرافضين، ومنح النياشين والجوائز للموالين المؤيدين. بل تبلغ الجرأة بهم أن يطلبوا من سكان مدينة مليونية كبنغازي بتسليمها ورفع الرايات البيضاء على أبوابها. 


لابد أن عميد القادة العرب، فكر في صنع تلك الإمبراطورية الإعلامية، وربما خطا نحو هذا الهدف خطوات، ولكنه عجز عن بلوغ هدفه، وقصر عن تحقيق مرامه، وذلك لسبب جوهري، وهو وجود تناقض صارخ بين أساس الإعلام البديهي المتمثل في إذهاب الجهل، وتوفير الجواب الصادق الشفاف عن كل سؤال مطروح، وبين الأساس الذي يقوم عليه هذا النظام والمرصوص غشا وتزويرا وتغفيلا وتضليلا وخنقا وتكميما لكل سؤال.
ولكن هل من دليل على توصيف كهذا ودعوى خطيرة كتلك؟
الدليل يحمله فريق الإنقاذ الأخير؛ حمزة وهالة وشاكير، ويلوحون به وبنزعة غريزية واضحة، متبعين نفس الأسلوب العتيق الذي درج عليه النظام، وهو يمارس إعلامه التجهيلي القائم على طريقة واحدة في إجابة الأسئلة، والتي يبدأ فيها المجيب المتسلط المستبد عن السؤال من حيث يجب أن ينتهي، وينتهي من حيث يجب أن يبدأ.
يبدو لك وأنت تستمع إلى أي منهم وكأنك أمام شخص تطلب منه أن يدلك على طريقة الوصول إلى مكان ما، فيبدي لك علمه الأكيد بما تريد، ويشعرك بأنه صاحب الحق الحصري في الإجابة على كل سؤال، ثم يشرع في الإجابة عن السؤال مبتدأ من المكان الذي تسأل عنه، ناسيا أو متناسيا أنك لا تعرف هذا المكان أصلا، وأنك ترجو بسؤالك المتواضع البسيط أن تصل إلى مبتغاك بطريقة منطقية تقبلها الأفهام وتتجاوب معها تضاريس المكان الوعرة المتشعبة، وخطوط ومعادلات الزمان المتغيرة.
العنوان الضائع، والسؤال الكبير الحائر المحير هذه الأيام، والذي تلهج به ألسنة الليبيين ومن تعاطف معهم من آدميين منصفين، هو الاستفتاء على النظام الجماهيري السعيد، ورأسه العتيد، سيادة القائد العقيد.
سؤال كبير خطير كتبت حروفه بنزيف دماء آلاف الشهداء الأبرار، وغصت خلفيته بأصوات المدافع وأزيز الطائرات وأدخنة الحرائق، كما حملت تضاعيف إيقاعه الموغلة في الحزن بكاء الأطفال، وأنين المجروحين، ونواح الثكالى، ونحيب الأرامل. وتكاد لوقع زلزاله المدوي أن تتشظى البلاد الواحدة شظايا عديدة، وتتباعد إلى الأبد صفائحها الجيولوجية، وتتمزق، دونما أمل في رتق، روابطها الوجدانية.
كل ذلك لا يُحدث لدى إعلام الرمق الأخير، وثلاثيه الشهير؛ حمزة وهالة وشاكير أي شيء يذكر. فأصوات قنابل السحر الطُنيِّة هي مجرد ألعاب خُط ولوَّح نارية، وجماهير الرافضين والمحتجين قلة قليلة مهلوسة، وشلل البلاد الذي سبب عرجا بائنا لها يكاد يوقف حركتها، لا يعدو سوى رقصة فولكلورية من تراثنا الفني الشعبي الجميل، اتخذت من انفجارات قنابل الناتو إيقاعات شاعرية لها. وفي ختام ذلك كله، يقذفونك بالمتلازمة الشهيرة المعروفة؛ معمر وبس، والفاتح أبدا، وتصبحون على نصر.
هل هي مجرد صدفة أن يكون أبطال الفصل الأخير من هذه التراجيديا المرهقة، هم الثلاثي الخطير، حمزة وهالة وشاكير؟
كلا إنه الانتخاب الأخير، وخلاصة الخلاصة، وعصارة العصارة، والفرزة الخاتمة لمنتجات هذا النظام المتداعي الذي يكتب هذا الإعلام الكاذب وبالخط العريض أخبار نعيه، ويلقي كلمة تأبينه.
كنا في مرات سابقة، ونحن نتعامل مجبرين مع هذا الإعلام المريض، نرهق عقولنا ونكد ذاكرتنا ونحن نحاول حل ألغاز وأحاجي الإعلام الجماهيري المراوغ الكذاب، غير أن هذه المشقة حملها عنا هذه المرة هذا الثلاثي البديع. ذلك أن ثلاثتهم يجيدون فضح أنفسهم أكثر بكثير من قدرتهم على حبك القصص الكاذبة وتصوير المشاهد المزورة، فيهونون بعملهم هذا المهمة علينا، ونتفرغ للضحك بدل إجهاد الذهن بالبحث عن الحل المستحيل لأحاجي وألغاز الإعلام الهزيل.
من أمثلة ما تبرع به أحد أعضاء هذا الثلاثي من إجابات عن السؤال الكبير المطروح هو قيام الدكتور حمزة بالتلويح بالبندقية، وهو يرتدي اللباس الفلكلوري المشحون رموزا، وينشد أناشيد القبيلة المكتنزة إثارة وحماسا، ويقسم لولي الأمر وظل الله في الأرض والقائد الضرورة بأنهم، أي حمزة وأتباعه، فداء للقائد، ولآخر طفل، وآخر رضيع، وآخر قطرة من دم.
أي إجابة أبلغ من هذه الإجابة، والتي لا يجد السائل بعدها إلا أن يختار بين الأسهم الإجبارية الثلاثة؛ قبول الجواب الإجباري، أو الموت الإجباري، أو ربما يكون محظوظا فيتحصل على المنفى الإجباري، وهي اتجاهات ثلاثة سلكها الكثير من الليبيين خلال السنين الأربعين.
أما إذا كنت من الباحثين عن الجواب في قالبه الناعم اللطيف وجوهره الرائق الشفيف، فما عليك إلا أن تكابد السهر، وتنتظر هالة السحر، وهي تطل عليك بطلتها الشهرزادية المتجددة، لتحملك على بساطها المغناطيسي المخدر، وتشيد لك من قصصها وأفلامها الهوليودية مدينة من وعود، وآفاق نصر، بل وحتى جنات خلود.
وثالث هؤلاء المغاوير المحلل الكبير، يوسف شاكير، فارس الجوجل الشهير المثير، ومالك كل سر ودليل خطير، وصاحب المسبحة الطويلة والزبد واللعاب الغزير، وهو المختزل، وبكل اقتدار، كل ما حفظه التاريخ من أوصاف عربية للمتملق ذي الوجهين، حتى أنك لا تستطيع وأنت تستمع إليه إلا أن تفترض أنه الممثل الأسطورة الذي يمثل الدورين المتناقضين في آن. ومما يساعدك على ذلك وربما يجبرك عليه إجبارا ما يقوم به المخرج من حين لآخر، وهو يعرفك بأنك أمام مؤيد حالي طويل الباع، ومعارض سابق حتى النخاع.    
ولا يمكن لي أن أختم وأنا أحاول تحليل وفهم ألغاز وأحاجي هذه الكوميديا السوداء بألوانها القاتمة المضطربة، دون التعريج على أولئك المحسوبين على الدين، والمغيرين نصوصه، الرافضة للظلم المنكرة للطغيان، إلى نصوص مشرعة للاستبداد، مستسلمة للسلطان، وكأننا أمام مجرد حالة ملتبسة كمية سوادها تساوي كتلة بياضها، أو أننا لم نتبين بعد فساد نظام اعترف القائمون عليه أنفسهم باستشراء المرض في كل أركانه ونواحيه.
يعترف هؤلاء الشيوخ بأن النظام الذي يدافعون عنه هو نظام فاسد بلا شك، وبأن القائمين عليه هم المتسببون في فساده، وبأنه لا مجال لإصلاح النظام دون التضحية برموزه. ثم يغض هؤلاء الشيوخ الطرف عن كل هذه الحقائق الدامغة ليطلبوا من جموع الناس المغبونين المظلومين مزيد الصبر على الحكام، وذلك بدعوى عدم إثارة الفتن والمحافظة على أمن الوطن، والذي لا يعدو عن كونه أمن الحاكم وديمومة بقائه هو وبطانته المسيطرة المستفيدة.
 حقا إنها قسمة ضيزى، وحكم جائر، وبهتان عظيم.
وحقا إنه إعلام الرمق الأخير.

 محمد عمر الشيباني

هناك تعليق واحد:

  1. لا عدمنا أقلام حق على هذا المستوى الراقي في الطرح والتعبير ... ولتدم هالة وحمزة وشاكير ناصرين لثورة 17 فبراير ثورة الأحرار المغاوير ... حتى وإن كانت نصرة من غير قصد وتدبير

    ردحذف