في الأول من فبراير 2026، ومع إفراج وزارة العدل الأمريكية عن الدفعة الأضخم من وثائق "جيفري إبستين" (3.5 مليون صفحة)، دخل العالم مرحلة من المكاشفة الجيوسياسية غير المسبوقة. لم تكن هذه الوثائق، التي أُفرج عنها بموجب "قانون شفافية ملفات إبستين" (Epstein Files Transparency Act) الذي وقعه الرئيس ترامب في نوفمبر 2025، مجرد سجل لجرائم أخلاقية، بل كانت "خريطة طريق" لعملية نهب سيادي كبرى. وبينما كان الليبيون في عام 2011 يقاتلون في الشوارع من أجل الحرية، كانت "وكالة استخبارات خاصة" تعمل في المناطق الرمادية، تخطط لتحويل الدولة المنهكة إلى "ساحة لصيد الجوائز" قبل أن تجف دماء الثوار.
ليبيا كـ "أصل متعثر": عندما تصبح الدولة فرصة لـ "رأسمالية الكوارث"
كشفت الوثائق المسربة عن نظرة باردة ومجردة من الإنسانية للدولة الليبية عقب سقوط نظام القذافي. فقد تم تصنيف ليبيا في أدبيات شبكة إبستين كـ "أصل متعثر" (Distressed Asset)، وهو مصطلح تقني يُستخدم لوصف الشركات المنهارة، لكنه استُخدم هنا لتبرير "رأسمالية الكوارث".
"وصفت الوثائق ليبيا بأنها فرصة استراتيجية للمبادرات المالية والقانونية، نظراً لاحتياطيات الطاقة الهائلة، متجاهلة تماماً البعد الإنساني للصراع."
هذا المنظور سمح للشبكة بالتحرك في "المنطقة الرمادية" للاستثمار الدولي، حيث يتم استغلال الفوضى القانونية لتحقيق أرباح خيالية عبر رهن مقدرات الشعب الليبي لمصالح خاصة.
جيولوجيا الأموال المجمدة: ما وراء الـ 80 مليار دولار الرسمية
كانت المؤسسة الليبية للاستثمار (LIA) هي "الجائزة الكبرى". وبينما ركزت التقارير الرسمية على أرقام محددة (حوالي 32.4 مليار دولار مجمدة في الولايات المتحدة، و80 مليار دولار كإجمالي تقديرات عالمية)، إلا أن شبكة إبستين كانت تتحرك بناءً على ما يُعرف بـ "التقديرات السوداء".
تشير المراسلات السرية إلى أن الشبكة كانت تلاحق أصولاً مختلسة ومخفية تتجاوز الأرقام الرسمية بـ 3 إلى 4 أضعاف. بالنسبة لإبستين، لم تكن الأرقام الرسمية سوى قشرة خارجية؛ أما الحقيقة فكانت تكمن في مليارات الدولارات الموزعة في شبكات بنكية سرية، والتي سعى لاختراقها باستخدام تقنيات تعقب استخباراتية.
"بروتوكول يوليو": المخطط العملياتي لنهب السيادة
من بين أكثر الوثائق صدمة ما يُعرف بـ "بروتوكول يوليو 2011". في ذلك الوقت، كانت ليبيا تعيش فراغاً سلطوياً كاملاً، وهو ما اعتبرته الشبكة "نافذة الفرصة" المثالية للتحرك قبل استقرار أي هيكل إداري جديد.
نص بريد إلكتروني (يوليو 2011): "هناك دعوة صريحة للتحرك السريع لـ 'تحديد واسترداد' الأصول قبل استقرار الحكومة الجديدة."
تم تنفيذ هذا المخطط عبر أربع مراحل دقيقة أطلق عليها المحققون "النهب المقنن":
- الاستخبارات (Intelligence): تحديد مكان الأصول المخفية عبر شبكات تجسس متطورة.
- الغطاء القانوني (Legal Wrapping): توفير "تغليف قانوني" للعملية عبر شركات محاماة دولية (Professional Enablers) ترفع دعاوى باسم "الشعب الليبي" لتوفير شرعية شكلية.
- الوساطة السياسية (Political Brokerage): استخدام شخصيات نافذة (VIP) للضغط على الحكومات الغربية لرفع التجميد.
- إعادة التدوير (Recycling): استخدام الأموال المستردة لاحتكار عقود إعادة الإعمار المستقبلية.
خصخصة التجسس: "الموساد" و"MI6" في خدمة المحفظة الخاصة
لم يكن إبستين مجرد وسيط مالي، بل كان "عميل وصول" (Access Agent) يمتلك القدرة على "خصخصة التجسس". كشفت الوثائق عن تورط ضباط سابقين في الاستخبارات البريطانية (MI6) والموساد الإسرائيلي في العمل كأدوات تنفيذية لتتبع الأموال الليبية.
اعتمدت الشبكة على مزيج مرعب من التقنيات:
- الاستخبارات الجنائية (Forensic Intelligence): منهجية استخباراتية لاختراق الشبكات المصرفية السرية.
- المحاسبة الجنائية (Forensic Accounting): آلية دقيقة لتتبع "أثر المال" المختفي وحساب العمولات المخفية.
- المصادر البشرية (HUMINT): تجنيد مخبرين داخل المؤسسات الليبية الناشئة لضمان تدفق المعلومات.
- الضغط والابتزاز: استخدام المعلومات الحساسة لإجبار المسؤولين على توقيع عقود الاستشارات.
نموذج "أتعاب الطوارئ": عمولات بالمليارات من قوت الشعب
حولت الشبكة سيادة ليبيا إلى صفقة تجارية بحتة. فبدلاً من الأجور الثابتة، اعتمدوا نموذج "أتعاب الطوارئ" (Contingency Fees)، وهو نظام "صيد جوائز" يهدف لتحقيق أقصى ربح ممكن.
كانت الشبكة تستهدف عمولات تتراوح بين 10% إلى 25% من الأصول المستردة. وفي عملية واحدة، كان الربح المحتمل يتراوح بين 800 مليون إلى 2 مليار دولار. ولم يكتفوا بذلك، بل خططوا لاحتكار عقود إعادة الإعمار بقيمة 100 مليار دولار، مما يعني تحويل الدولة بالكامل إلى ملكية خاصة لهذه الشبكة.
شبكة النفوذ العنكبوتية: اللاعبون الكبار خلف الستار
لم تكن العملية لتنجح دون "غطاء سياسي" رفيع المستوى منح المخطط شرعيته:
- بيتر ماندلسون: "الدبلوماسي في خدمة الظل"؛ كشفت الوثائق عن تواصله المستمر مع إبستين (حتى بعد إدانة الأخير الأولى)، وتحديداً في يناير 2011 لتسهيل "الدخول السياسي" للملف الليبي.
- الأمير أندرو: بصفته "الممثل الخاص للمملكة المتحدة للتجارة والاستثمار"، كان دوره محورياً. أشارت الوثائق بوضوح إلى استغلال مكانته الرسمية، مع تعليق صادم من إبستين يقول فيه: "إنه الآن مسموح له بجني المال" (He is now allowed to make money).
- سلطان بن سليم: (رئيس موانئ دبي العالمية)؛ مثّل "البوابة الخليجية". تشير رسالة بتاريخ 7 ديسمبر 2009 إلى ترتيب اجتماعات "ثنائية وغير رسمية" (One-on-one, off the record) معه لتوفير المصداقية التجارية والقدرة اللوجستية في المنطقة.
- جيس ستيلي (JP Morgan): لعب البنك دور "القناة الخلفية" (The Backdoor). بينما كانت إجراءات "الامتثال" (Compliance) الرسمية تمنع التعامل المباشر مع كيانات ليبية غير مستقرة، استُخدم إبستين كـ "بوتيك استثماري" وسيط لإخفاء العلاقة المباشرة وتجاوز الرقابة، واصفين البنك بأنه "ذراع شبه حكومية أمريكية" (Quasi-US Govt Arm).
الخاتمة: السيادة ليست للبيع
إن زلزال "ملفات طرابلس" في عام 2026 لم يكن مجرد فضيحة عابرة، بل كان درساً قاسياً في كيفية تحول سيادة الدول إلى "سلعة" في سوق النخاسة الدولية. لقد أدت هذه التسريبات إلى استقالات مدوية (أبرزها بيتر ماندلسون من حزب العمال) وأزمات دبلوماسية لا تزال فصولها مستمرة.
بينما كان الليبيون يقاتلون من أجل حريتهم، كانت هذه الشبكة تقاتل من أجل محافظهم؛ فهل استعدنا حقاً سيادتنا، أم أن هناك أموالاً لا تزال تتدفق في القنوات التي حفرها إبستين وشركاؤه؟ إن التدقيق في كل عقد "استشاري" أو "قانوني" وُقع في تلك الفترة الانتقالية ليس مجرد إجراء مالي، بل هو المعركة الأخيرة لاستعادة كرامة دولة رفضت أن تظل مجرد "بند" في جدول أعمال جيفري إبستين.
















ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق