الجمعة، 27 مايو، 2011

(اغتصاب النساء)‎ رؤية شرعية اجتماعية - للكاتب عبد الله الزنتاني


بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله كثيراً حتّى يرضى، والصلاة والسلام على محمد النبي المرتضى، أما بعد:

فكثيراً ما يتناقل الناس هذه الأيام أخباراً عن جرائم كتائب القذافي المجرم، التي من أشدّها على النفوس المسلمة الحرّة: العدوان على الأعراض، بالقذف والزنا ومقدّماته، وقد صرّح بعض كبار المنشقّين عن المجرم، وبعض أفراد الكتائب المخذولة، بأن الأوامر صدرت من القادة الفجرة بفعل كلّ ما يهين كرامة الناس في المناطق المغزوّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأحبّ هنا أن أنظر في الأمر نظرة شرعيّةً واجتماعيّة، أقصد منها إعادة النظر في نشر مثل هذه الأخبار بهذا الشكل المعلَن الذي نراه، ثم أتمّم بذكر بعض الأحكام الشرعية المتعلّقة بهذا الأمر، يحتاجها من ابتلي بهذا الأمر في نفسه أو أهله.


فأقول:

إنّ المتأمّل في حكم الشرع في هذه القضايا يجد المسألة يتناولها أصلان مهمان:

أولهما: النصوص المتضافرة التي جاءت تأمر بالستر على المسلم، وهذا من الحقوق اللازمة بعقد الإسلام، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)([1]) فليس لأحد أن يذيع عن أخيه المسلم ما يكره أن يظهر عليه([2])، حتى لو كان هذا الأمر معصيةً أتاها فاعلها عامداً، ما دام يأتيها مستخفياً بها، لا يبارز الله والمؤمنين بإثمه، فكيف إذا كانت مصيبةً لا يد له فيها ؟ لكنه يكره أن تعرف عنه، صيانةً لسمعته وسمعة أهل بيته وشرفهم.

ومن صيانة الله لعرض المسلم وتعظيمه لحرمته، أن حرّم القذف والطعن في عرضه، وجعل شرط قبول ذلك أن يشهد به أربعة شهود، فلو كان الشهود ثلاثة فأقلّ فإنهم يجلدون، وإن كانوا في نفس الأمر صادقين في شهادتهم.

ومعلومٌ لدى الجميع أنّ المسلم لا يعزّ عليه بعد دينه مثل عرضه، بل إنّ نفس المسلم قد تترخّص بقول كلمة الكفر حال الإكراه، ولا تقبل تسليم العرض لمن يعبث به ولو كان في ذلك الهلاك، مع أنّ مصلحة حفظ النفس والدّين أولى من حفظ العرض كما هو مقرّر.

لذلك لا يجوز الخروج عن هذا الأصل الشرعيّ المحكم، وهو السّتر على المسلمين، إلا لضرورة ضيّقة تقدّر بقدرها، وذلك لما في ذيوع هذا الأمر من أثر سلبيّ جداً على نفوس من قدّر الله عليهم هذا الأمر، وسنبيّن الطريقة الوسط التي تحقّق المقصود.

والأصل الثاني الذي يتناول هذه الحوادث: هو أنّ الأخبار في الفتنة تعمل في البلاد والعباد ما لا تعمله السيوف وآلات الحرب([3])، فينبغي للمسلم أن يتحرّى في نقل الخبر غاية التحرّي، فلا ينقل إلا صدقاً، ثم لا يحدّث به إلا من يعقله ويفهمه ويحسن القول والفعل الذي يقتضيه.

وعليه فلا يعتمد على مجرّد مزاعم وأخبار لا يعرف لها أصل، ولم تقم البينة على صدقها، فقد جاء النهي عن أن يجعل المرء مطيّته في الحديث الأقوال الموهومة، يقول صلى الله عليه وسلم: (بئس مطية الرجل زعموا)([4]) ومعنى أن تكون مطيته زعموا: هو أن يحدّث بالحديث الذي لم يتثبت منه، ويشيعه في الناس دون وقوف على صحته، بل عمدته الشائعات.

ومن بلغه الخبر وتثبت منه فإنه لا يحدّث به إلا من يستفيد منه، أو يرجى أن يكون في وقوفه عليه مصلحة، فمثل هذه الأخبار في هذه الأيام هي من الأخبار العامة، التي تدخل في قول الله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) فمن ردّ هذه الأخبار إلى غير أهلها قد يجني من الفساد أكثر مما يظنّه يجنيه من المصالح.

وههنا أمر مهمّ، وهو أنّ بعض الناس يرى أنّ نشر هذه الأخبار فيه إظهار لشناعة أفعال المجرم القذافي وكتائبه، مما يزيد في دعم القضية والتعاطف معها، وأنا أقول: إن هذا الأمر قد يكون صحيحاً في بعض الحالات، لكنّ آثاره البعيدة أسوأ بكثير من هذا الدعم المتوقّع، وفيه من الأنانية شيء كثير، فإن من ينشر هذه الأخبار قد يكون باعثه ما ذكرنا، لكنه في المقابل يجرّ على المبتلين بهذا الأمر شيئاً يرونه فضيحة لايغطيها شي، وعاراً يلازمهم ما رآهم الناس ورأوهم، ويزيد بذلك من تردّي أوضاعهم النفسيّة، وفساد أحوالهم الاجتماعية، بل إنّ نشر هذه الأخبار –لاسيما في بعض الفضائيات- قد يضرّ الناس أكثر مما يظنّ أنّه ينفعهم، ففيه من تفتير الهمم وإحباط العزائم ما رأيناه ولمسناه.

ومما ينبغي أن يتحرّاه الناقل في أخباره، هو أن لا يحدّث إلا أميناً ناصحاً، لا يذيع السر، ولا يشمت بصاحب المصيبة، ويشير عليه بما يرى فيه صلاحاً لحاله، وهذه أمور لا توجد في أصحاب الفضائيات، ولا في المجتمع الغربيّ، ولا في أكثر الناس، وإذن فمثل هذه الأخبار قد تنقل للعالم التقيّ ليبدي رأيه عند الحاجة، أو لوليّ الأمر والجهات القانونية التي قد تتخذ من الإجراءات ما تنتصر به لصاحب المصيبة، وكلّ ما زاد على ذلك فمضرّته أكثر من منفعته.

والخلاصة في هذا الموضوع: أنّ نقل الأخبار المتعلقة بوقائع الاغتصاب فيها ما هو كذب، وهو كلّ خبر لا يعرف مروّجه، وفيها ما هو مبالغ فيه بلا شكّ، وقد يكون المبالغ قصد ممارسة حرب نفسيىة على الناس، أو قدّر –بقاصر رأيه- مصلحةً في ذلك، وفيها ما هو حقّ فهذا لا ينقل ولا يشاع بين الناس، بل تقدّر المصلحة في ذلك بأضيق نطاق.



ثم إنّني أحبّ أن أقدّم بعض النصائح لكلّ من ابتلي بهذا الأمر في نفسه وأهله، راجياً الله أن ينتفع بها من يقف عليها، فمن ذلك:

1- لتعلم كلّ مسلمة اعتدي على عرضها بغير رغبتها أنّه لا تبعة عليها، لا في الشرع ولا في أعراف الناس السليمة، فهي غير مؤاخذة بذلك، ولا يجوز لوليّ أمرها أن يشعِرها بأنّها متسبّبة في ذلك، كبعض من يندم على أنّ له بنتاً أو زوجةً بسبب هذا الأمر، أو يغيّر معاملتهن لنفرة في نفسه، بل عليه أن يحتضن أهل بيته بحلمه وعاطفته، وأن يأخذهنّ بطرق الإصلاح النفسية، ولا يزيد من حجم المصيبة على رؤوسهنّ.

2- الصّبر الصّبر، فالمؤمن إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر، ومهما عظمت المصيبة فليس للمسلمة أو المسلم أن يجزع من قدر الله، بل يحمد الله على أن صرف الله عنه ما هو أعظم، ويسأل الله السلامة والعافية، ويحتسب الأجر عند الله على صبره على مصيبته، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)([5])

3- من قدّر الله عليها وقوع حملٍ بسبب اغتصابها فإنّ لها إسقاط ما في بطنها ما لم تنفخ فيه الروح، وذلك قبل أن يبلغ أربعة أشهر، على أنه يجوز لها أن تصبر عليه حتى يولد، ويتربّى مع أبناء المسلمين.

4- تحرم الشماتة بمن وقع عليهم هذا الأمر، سواء أكان ذلك بالقول أو الفعل، تصريحاً أو تلميحاً، ومن أظهر الشماتة بأخيه المسلم يوشك أن يبتلى بمصيبة أخيه أو أشدّ، وهذا من الأمور العظام التي تورث حزازات في النفوس وعلى الجميع تجنّبها والحذر منها، فالمسلم للمسلم كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً، يتألم لألمه، ويحزن لحزنه، ويرجو له الخير، ويسعد لسعادته.

5- لا يجوز لأحد أن يعاقب الظالم بعقوبة فيها معصية لله، فمن زنا بابنتك أو زوجتك –والعياذ بالله- ليس لك أن تزني بزوجته أو ابنته، ولو أنّ قبيلة أو حيّاً اغتصبوا نساء أهل حيّ آخر فليس لهم أن يعاقبوهم بنفس فعلهم، بل كلّ جناية ففي الشريعة لها عقوبة أو حدّ، وحكم الله خير من حكم الناس.

6- لا ينبغي أن يستنكف أحدٌ من الزواج بمن اعتدي عليها في عرضها، بل ينبغي احتساب الأجر في ذلك، وهو من خير ما يقدّمه الناس لهنّ، وأنفع وأجدى من مجرّد نشر أخبار اغتصابهنّ هنا وهناك.


أسأل الله أن يبصّرنا بالخير، وأن يهدينا سواء السبيل، وأن يعجّل بالفرج والنصر والتمكين لعباده الموحدين، والحمد لله رب العالمين





عبد الله الزنتاني – باحث شرعي
______________________

([1])  أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة
([2])  هذا هو الأصل الكلّيّ العام، وقد يستثنى من هذا الأمر حالات مخصوصة
([3])  جاء في المسند والسنن حديث في هذا المعنى (ستكون فتنة تستنظف العرب وقع اللسان فيها أشدّ من وقع السيف) وفيه مقال، لكنّ معناه صحيح وفي الباب آثار موقوفة.
([4])  أخرجه أبو داود وغيره.
([5])  أخرجه مسلم.

هناك تعليقان (2):

  1. بارك الله فيك يا اخي فوالله انها لمصيبة واي مصيبة هذه التى تصاب بها بناتنا والادهى والامر انه يوجد فى مجتمعنا الجهل باصول الدين وكيفية التعامل مع النساء المغتصبات واني ارجو ان يركز كل شيوخ الدين على هذه القضية وتوضيحها فى الاعلام لانه الوسيلة الوحيد لمساعدة هؤلاء الحرائر من جهل اهلهن وازواجهن وكتب الله لك ولكل من يذوذ عن شرف الامة كل خير

    ردحذف
  2. نعم النصيحة والستر واجب علي كل مسلم . ارجو المزيد من هذه التوجبهات الشرعيه. فاكثر من هذه النصائح وخاصة ما يخص الميت والتبشيع بجتثه. انا لا احبذ ان يظهر الميت علي الشاشه لكل من هبا ودب اللهم لاجل تمكين التهم و ليس لاستعمالها كتسلية للشاهد من حين لاخر. فاحترام الميت دفنه وباسرع ما يمكن.

    ردحذف