الاثنين، 9 مايو، 2011

معاونه الظلام


[1] سنة الله الكونية:- لقد قضى الله تعالى في سنته الكونية في الخلق بأن يكون هناك فريق على الحق ولهم معاونون, وفريق آخر على الباطل ولههم معاونون, وفريق وسط لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء, فهم متذبذبون بين الفريقين, وذلك حرصا على مصالحهم وعلى أعمالهم ومكاسبهم الدنيوية فمرة يكونون مع الظلمة ومرة أخرى مع أهل الحق, وقد قضى الله تعالى بأن يكون هناك تدافع بين أهل الحق وبين أهل الباطل, وهذا التدافع أساسي لاستمرار الحياة ووقوع الابتلاء لأهل الحق وأعوانهم حتى لا يعم الفاسد الأرض كلها قال تعالي: (.... وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)(251) سورة البقرة، وفي آية أخرى بين بأن وظيفة هذا التدافع هي الحفاظ على بيوت الله تعالي في الأرض وإقامة شرعه فقال الله تعالى: (.... وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (40) سورة الحـج.


[2] من هم معاوني الظالمين:-
من الأمور المستقرة في أذهان كثير من الناس العقلاء منهم وغيرهم أن الظالم لا يستطيع أن يقوم بعمل كل شيء من الظلم والطغيان والاعتداء ومجاوزة الحد بمفرده, وأنه لا بد له من فئة من الناس تعاونه على القيام بظلمه, سواء أكانت هذه الفئة المعاونة له هو التي دعاها ورغبها في معاونته, لاتفاقهم في الصفات والعدوان والظلم والطغيان, قال تعالى على لسان نبيه موسى صلى الله عليه وسلم محذراً هؤلاء من عدم مساعدة الظالمين: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ)(17) سورة القصص، والظهير هو المعين لإنسان آخر في أي عمل ما سواء أكان هذا العمل خيراً أم شراً, فنبي الله موسى عليه السلام طلب من الله تعالى أن لا يكون عوناً ومعيناً للظالمين والمجرمين الذين يعيثون في الأرض الفساد. وربما تكون هذه الفئة هي التي أقدمت على معاونته رغبة منها وحرصاً على الحصول على مكاسب ومغانم دنيوية, زينها لهم هذا الظالم بشيطانه وزخرفه قال تعالى محذراً هذه الفئة: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)(113) سورة هود، ثم بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من يعين الظالم يسلطه الهن تعالى عليه فيؤذيه ويكون هو من أوائل ضحايا هذا الظالم كما روى ذلك ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (من أعان ظالما سلطه الله عليه).والحديث قد حسنه السيوطي. ويلاحظ أن هذا المعاون قد يكون موظفا أو غير موظف أو رئيسا أو مرؤوسا يطيع من هو فوقه فالعبرة هي أن يساعد الظالم على إيقاع الظلم بالغير بدون وجه حق وسواء أكان ذلك بمقابل من المال أو تولي منصب معين أو وظيفة معينة أم لا.
[3] عقوبة مَن يعاون الظلمة والمجرمين على الاعتداء على الغير:-
تعددت العقوبات التي نصت عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وذلك للدلالة على بشاعة وشناعة هذا الفعل لأنه يؤدي كثرة أهل الفسق والفجور في لمجتمع وضياع أهل الحق وشعورهم بأن الإصلاح لا يمكن تحقيقه من رؤيتهم لأهل الفسق والفجور.
(أ) البراءة من ذمة الله تعالى ومن ذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أعان ظالماً بباطل ليدحض به حقاً فقد برئ من ذمة الله ورسوله) والحديث وإن في كان في سنده ضعف لكن معناه صحيح.
(ب) الكتابة على جبين معاون الظالم اليأس من رحمة الله تعالي لأنه عاونه على قتل أخيه المسلم بدون وجه حق فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة، لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله)
(ج) استحقاق سخط الله تعالى لكل مَن يعاون الظالم في أي خصومة من الخصومات المالية أو غير المالية فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (من أعان على خصومة بغير حق كان في سخط الله حتى ينزع).والحديث في إسناده بعض الضعف والمعنى صحيح.
(د) الخروج من الإسلام وهي عقوبة شديدة في الدنيا والآخرة لكل مَن يعاون الظالم وهو يعلم بأنه ظالم لكي يؤذي الناس – إلا إذا تاب وأناب ورجع إلى الله تعالي - دليل ذلك ما روي عن أوس بن شرحبيل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم, فقد خرج من الإسلام ). والحديث مختلف في رجال إسناده بين التوثيق والتضعيف, والمعني واضح في التشديد على عدم معاونة الظالم على ظلمه.
(هـ) المحاربة لله تعالى ولشريعته من كل معاوني الظالمين الذين يمنعون القضاء من تطبيق العقوبات التي تقع على المجرمين والمعتدين والمفسدين في الأرض دليل ذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضادّ الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه , أسكنه الله ردغة الخبال – صديد أهل النار- حتى يخرج مما قال). والحديث فيه رجاء السقطي ضعفه ابن معين ووثقه ابن حبان, والمعنى واضح
(و) أن معاونة الظالم يعتبر من المعاصي حتى وإن كان هذا الظالم من أسرة الرجل وعائلته فقد روي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن المعصية أن يحب الرجل قومه ؟ قال : لا، ولكن من المعصية أن يعين الرجل قومه على الظلم)
[4] معاونة الظالمين مخالفة للنهي عن ذلك ومخالفة للإخوة الإيمانية والإنسانية:-
لقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على غرس الإخوة الإيمانية والإنسانية بين المسلمين وبين الناس جميعاً , وحذر المسلم والإنسان من أن يظلم غيره أو أن يساعد الظالم على ظلمه لغيره , أو يسكت الإنسان عن الظلم وهو يراه واقعاً على أحد من الناس ثم لا ينصره فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله كان في حاجته) والحديث صحيح
[5] تبرأ الظالمين وأعوانهم بعضهم من بعض يوم القيامة:-
لعلنا نشاهد في كثير من الأحوال أن الظالمين والفاسقين وأعوانهم يتبرأ بعضهم من بعض في الدنيا وهذا الأمر دليل واضح على ما حكاه الله تعالى عنهم في الآخرة قال تعالى:(إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُْ) (166) سورة البقرة، وقد يدعي بعض أعوان الظلمة بأنهم مستضعفون على أمرهم وليس لهم من الأمر شيء فقال تعالى عنهم:(وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) (21) سورة إبراهيم، وقال تعالى مبينا بأنهم جميعاً من أهل النار فقال :(وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ) (47) سورة غافر]
[6] أن الظالمين وأعوانهم يحاولون إشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم: فيجب على جميع المسلمين أن يقفوا صفاً واحداً فيوجه هؤلاء الأشخاص وأن يأخذوا على أيديهم ويمنعونهم من الظلم ومن التمادي فيه حتى ينعم الجميع بالأمن والرخاء فإذا تقاعس أهل الحق وأعوانهم عن نصرة حقهم والمطالبة به انتفش الباطل وظهر الظلم والطغيان بين الناس بل ربما عم أرجاء المعمورة كلها كما قال الله تعالى:(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (41) سورة الروم، فيجب على أهل الحق وأعوانهم أن يواجهوا الظالمين وأعوانهم حتى تكون لهم الغلبة في دنيا والآخرة والله تعالى الموفق إلى ما فيه الخير والرشاد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق